صوت العالم

الحركة الطلابية في إيطاليا: جيل يعود إلى الشارع دفاعا عن الحق في التعليم

بقلم الهادي المنصوري

تُظهر الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها إيطاليا خلال أكتوبر 2026 أن الأزمة التي تعيشها المدرسة والجامعة لا يمكن اختزالها في خلاف بين الشباب والحكومة، ولا في مشاهد التوتر التي تصدّرت عناوين الأخبار. فما يدفع الطلاب إلى الشارع يتصل بأسئلة أكثر عمقًا: من يستطيع مواصلة الدراسة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة؟ وما قيمة الحق في التعليم حين يصبح السكن عبئًا يفوق قدرة كثير من العائلات؟ وكيف تتعامل الدولة مع جيل يطالب بمستقبل لا تحدده قدرته على الدفع؟

في 16 أكتوبر، خرج طلاب في مدن إيطالية عدة ضمن تحركات ارتبطت بشعار «يوم بلا ميلوني»، مطالبين بموارد أكبر للمدارس وبأولوية للحقوق الاجتماعية على حساب التسلح. وسجّلت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» مظاهرات في عدد من المدن، وسط توترات في بعض المواقع واعتقال ثلاثة قاصرين في تورينو.

لم تكن هذه التحركات حادثًا معزولًا، بل جاءت في سياق أوسع من الغضب بشأن تكاليف المعيشة والسكن والخدمات العامة، وفي لحظة يتزايد فيها شعور قطاعات من الشباب بأن الوعود المتعلقة بتكافؤ الفرص لا تتطابق دائمًا مع واقعهم اليومي.

حين يصبح التعليم امتيازًا مكلفًا

يفترض التعليم العام أن يكون طريقًا لتوسيع الفرص، لا اختبارًا لقدرة الطالب وعائلته على تحمّل الأعباء المالية. لكن هذا المبدأ يصطدم بعقبات ملموسة عندما ترتفع الإيجارات وتكاليف النقل والمعيشة، وتظل الموارد المتاحة للطلاب محدودة.

وتقدم أزمة السكن الجامعي مثالًا واضحًا على هذه المفارقة. ففي 13 أكتوبر، نقلت «راي نيوز» تحركًا طلابيًا في روما نصب خلاله طلاب خيامًا أمام مونتيتشيتوريو احتجاجًا على غلاء الإيجارات. لم يكن السكن هنا مطلبًا منفصلًا عن التعليم، بل شرطًا أساسيًا للتمكن منه؛ فالطالب الذي لا يستطيع تحمّل كلفة الإقامة قد يجد نفسه مضطرًا إلى التخلي عن الجامعة أو اختيار مسار دراسي أقل ملاءمة لقدراته وطموحاته.

تقول وزارة الجامعة والبحث الإيطالية إنها تجاوزت هدف برنامجها الخاص بالسكن الجامعي، معلنة أكثر من 63.200 مكان ضمن البرنامج، منها نحو 33 ألف مكان منجز، مع توقع إتاحة أماكن إضافية خلال عام 2027. وهذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعني أن جميع الأماكن المعلنة أصبحت متاحة للطلاب بالفعل. كما أن نجاح أي برنامج لا يُقاس بعدد الأماكن المعلن عنها وحده، بل بسرعة إتاحتها، وكلفتها، ومدى وصول الطلاب المحتاجين إليها.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: لا يكفي أن يكون التعليم متاحًا قانونيًا إذا كانت شروط الوصول إليه تُقصي تدريجيًا من لا يملكون الموارد الكافية. فالمساواة في أبواب الجامعة لا تضمن المساواة في القدرة على البقاء داخلها.

من المطالب الاجتماعية إلى المواجهة في الشارع

لا تتحرك الاحتجاجات الطلابية في فراغ. فحين تتراكم صعوبات الدراسة والسكن والعمل، يتحول الاستياء الفردي إلى سؤال جماعي حول السياسات التي تحدد توزيع الموارد والفرص. وهذا ما يمنح التحركات الحالية دلالتها السياسية: إنها لا تطالب بتحسين ظروف الدراسة فحسب، بل تختبر قدرة المؤسسات على الاستماع إلى جيل لا يرى أن مستقبله مضمون.

وفي 24 أكتوبر، عادت المظاهرات إلى مدن إيطالية عدة، بينها روما وتورينو وبولونيا، وسط إجراءات أمنية مشددة. وأفادت وكالة «رويترز» بوقوع مواجهات في بعض المواقع، بينما بقيت التحركات في ميلانو سلمية إلى حد كبير، في سياق توترات شهدتها المدينة خلال الأيام السابقة.

هذه التفاصيل مهمة، لأنها تمنع اختزال المشهد في صورة واحدة. فوجود أعمال عنف أو تخريب يستوجب التعامل معها وفق القانون، لكنه لا يلغي تلقائيًا المطالب الاجتماعية التي خرج من أجلها المحتجون. وبالمثل، فإن مشروعية الاحتجاج لا تمنح أي فرد حق الاعتداء على الآخرين أو تدمير الممتلكات.

المطلوب هو التمييز بين الاحتجاج السلمي، والأفعال التي قد تستوجب المساءلة، وبين المسؤولية الفردية ومحاولة تحميل حركة كاملة مسؤولية أفعال ارتكبها بعض المشاركين أو مجموعات منفصلة عنها. ومن دون هذا التمييز، يصبح النقاش العام أسيرًا للمواجهات، فيما تتراجع القضايا التي دفعت الناس أصلًا إلى الشارع.

القاصرون بين الاحتجاج والمساءلة

أثار التعامل مع المشاركين القاصرين اهتمامًا خاصًا خلال هذه الاحتجاجات. ففي 16 أكتوبر، اعتُقل ثلاثة قاصرين في تورينو على خلفية اتهامات مرتبطة بالمواجهة مع الشرطة، وفق ما نقلته «أنسا». وفي تقريرها عن تحركات 24 أكتوبر، ذكرت الوكالة أن الشرطة حدّدت هويات 4,292 شخصًا، واقتادت 371 إلى مراكز الشرطة، بينهم 110 قاصرين. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع هؤلاء اعتُقلوا رسميًا أو أُدينوا بارتكاب جرائم.

تفرض هذه الوقائع سؤالًا يتجاوز تفاصيل كل حادثة: كيف يمكن حماية النظام العام من دون تحويل الاحتجاج الشبابي، في حد ذاته، إلى مصدر اشتباه؟ وكيف تضمن السلطات أن تكون إجراءاتها متناسبة مع الأفعال المنسوبة إلى كل شخص، وأن تُراعى الضمانات الخاصة بالقاصرين؟

إن حماية المجتمع لا تتعارض مع احترام الحقوق، بل إن شرعية تطبيق القانون ترتبط بوضوح إجراءاته وتناسبها. وأي ادعاء بشأن تجاوزات أثناء التوقيف أو الاحتجاز ينبغي التحقيق فيه بجدية، بدل التعامل معه بوصفه حقيقة محسومة أو تجاهله قبل التحقق منه.

وفي 20 أكتوبر، أعلنت الحكومة الإيطالية إجراءات أمنية جديدة عقب الاضطرابات التي شهدتها ميلانو، شملت تشديد التدابير الأمنية والعقوبات على بعض الأفعال. وقدّمت الحكومة هذه الخطوات باعتبارها استجابة لأعمال العنف والتخريب. لكن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال مدى تشديد العقوبات؛ بل يجب أن يشمل أيضًا أثر هذه الإجراءات على الحق في التظاهر، وضمان ألا تتحول مواجهة التجاوزات إلى تضييق أوسع على الاحتجاج المشروع.

الإنفاق العسكري وأولويات المجتمع

من أبرز الشعارات التي رافقت التحركات الطلابية الدعوة إلى توجيه موارد أكبر للتعليم بدلًا من التسلح. ولا يمكن التعامل مع هذا المطلب باعتباره مجرد عبارة احتجاجية؛ فهو يطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا حول أولويات الإنفاق العام، وحول ما إذا كانت السياسات المالية تستجيب بما يكفي للاحتياجات اليومية للسكان.

لا يعني ذلك أن كل زيادة في الإنفاق العسكري تقابلها بالضرورة خسارة مباشرة في ميزانية التعليم، أو أن أموالًا محددة اقتُطعت من الجامعات وحُوّلت إلى التسلح. فإثبات علاقة مباشرة كهذه يتطلب تحليلًا تفصيليًا للميزانيات والقرارات المالية. لكن غياب علاقة مباشرة مثبتة لا يلغي حق المواطنين في مساءلة الحكومة بشأن توزيع الموارد، والنتائج التي تحققها الاستثمارات العامة.

فالمدرسة التي تحتاج إلى الصيانة، والطالب الذي يعجز عن دفع الإيجار، والجامعة التي تواجه صعوبات في توفير الخدمات، ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها إلى أجل غير محدد. إنها عناصر أساسية في قدرة المجتمع على بناء مستقبله.

وإذا كانت الدولة قادرة على تخصيص موارد كبيرة للأمن والدفاع، فمن المشروع أن يُطرح السؤال عن حجم الموارد المخصصة للتعليم والسكن والخدمات الاجتماعية، وعن مدى كفايتها وفاعليتها. لا يتعلق الأمر بمقابلة مبسطة بين الأمن والتعليم، بل برفض اعتبار الاحتياجات الاجتماعية ملفات ثانوية لا تستحق النقاش إلا بعد حسم سائر الأولويات.

بهذا المعنى، يتجاوز شعار «المال للمدارس، لا للسلاح» مضمونه المباشر، ليصبح مطالبة بمناقشة علنية للخيارات التي تحدد شكل المجتمع: ما الذي يُعتبر ضرورة عاجلة، وما الذي يُترك لانتظار سنوات أخرى؟

ما الذي تقوله عودة الطلاب إلى الشارع؟

من السهل وصف الاحتجاجات بأنها أزمة انضباط، أو ردّها إلى التوترات التي صاحبت بعض المظاهرات. لكن هذا التفسير يبقى ناقصًا ما لم يواجه الأسباب التي جعلت التعليم والسكن والإنفاق العام موضوعًا مركزيًا في الشارع.

وفي المقابل، لا يكفي الاحتجاج وحده لتغيير السياسات. فاستمرار الحركة الطلابية وقدرتها على تحقيق نتائج يتوقفان أيضًا على وضوح المطالب، والتنظيم، وبناء روابط مع المعلمين والعاملين والعائلات، وتحويل الغضب إلى ضغط عام من أجل إجراءات قابلة للقياس والمحاسبة.

ويعني ذلك أن التحدي لا يقتصر على تعبئة الشارع، بل يمتد إلى متابعة القرارات الحكومية: كم مكانًا جامعيًا أصبح متاحًا بالفعل؟ ما كلفته على الطالب؟ ما التحسينات التي تحققت في المدارس؟ وكيف تُوزع الموارد العامة، وما النتائج التي تنتجها؟

هذه الأسئلة تنقل النقاش من مستوى الوعود إلى مستوى المسؤولية. فالمعيار ليس عدد البيانات الصادرة عن الحكومة أو عدد المتظاهرين في الشوارع، بل التغيير الفعلي في الظروف التي يعيشها الطلاب.

جيل يطالب بحقه في المستقبل

تكشف الحركة الطلابية في إيطاليا عن تناقض لا يمكن تجاهله: يُطلب من الشباب أن يستعدوا للمستقبل عبر التعليم، بينما يواجه بعضهم عقبات مادية تجعل الوصول إلى هذا التعليم والاستمرار فيه أكثر صعوبة. وحين تصبح كلفة السكن والمعيشة جزءًا من شروط الدراسة، لا تعود المسألة فردية؛ إنها تمسّ معنى تكافؤ الفرص نفسه.

لا تحتاج المطالب الطلابية إلى تبرير كل فعل يصدر باسمها، كما لا يحق للسلطات استخدام أعمال بعض المشاركين ذريعة لتجاهل المطالب المشروعة. إن حماية الحق في الاحتجاج، ومحاسبة المسؤولين عن العنف أو التخريب وفق القانون، والاستجابة للأزمات الاجتماعية، ليست خيارات متعارضة. إنها مسؤوليات ينبغي أن تجتمع في أي دولة تحترم مواطنيها.

والسؤال الذي تطرحه هذه الحركة على إيطاليا واضح: هل يُنظر إلى الشباب باعتبارهم مواطنين لهم حق المشاركة في تحديد أولويات المجتمع، أم باعتبارهم مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها كلما خرجوا إلى الشارع؟

إن العودة إلى الفصول والمدرجات لا ينبغي أن تعني العودة إلى الصمت. فالحق في التعليم لا يكتمل بمجرد فتح أبواب المدارس والجامعات؛ بل يتطلب شروطًا مادية تجعل هذا الحق ممكنًا، وسياسات عامة تضمن ألا يتحول المستقبل إلى امتياز لمن يستطيع دفع ثمنه.

زر الذهاب إلى الأعلى
×