بقلم نور سعدي
“ أنتِ يا وردة، أنت يا فلّة، ياللي عشتي الظلم أجيال تخدم سيدي، تخدم للّة، حياتك عذاب وإذلال”
أولاد المناجم
بعد سبع سنوات من وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج، وخمس سنوات من انقلاب 25 جويلية 2021 وانفراده التام بالحكم، تجد المرأة التونسية نفسها في وضع صعب حتى لا نقول كارثيّا. إنّ قضية المرأة لا يمكن اختزالها في الشعارات أو الخطابات الرسمية، ولا في الصور التي تُسوّق عن “دولة تحمي النساء”، بل يجب قياس موقع المرأة داخل علاقات الإنتاج، وفي سوق العمل، وفي توزيع الثروة، وفي قدرتها الفعلية على المشاركة في الحياة السياسية والنقابية، وفي مستوى استقلالها الاقتصادي. فكل حديث عن المساواة يبقى فارغاً إذا كانت المرأة العاملة والفلّاحة والعاطلة عن العمل و”ربّة البيت” تدفع القسط الأوفر من ثمن الأزمة الاقتصادية والسياسات التقشفية.
الشعارات الشعبوية وواقع الأزمة
قدّم قيس سعيّد نفسه باعتباره ممثلاً لـ”الإرادة الشعبية”، ووعد بإقامة “نظام جديد” يقطع مع الفساد والاستغلال وتجويع الشعب ونهبه، معتمدا شعارات شعبوية انطلت على بعض الفئات من الشعب التي ساءت أوضاعها كثيرا خلال حكم حركة النهضة وحلفائها من الليبراليين. لكن السنوات التي تلت أظهرت، أن حكم سعيّد لا يختلف عن سابقيه إن لم يكن أسوأ منهم في بعض المجالات.. فالرأسمالية التابعة بقيت على حالها، واستمرت علاقات الاستغلال، بينما ازدادت هشاشة الفئات الشعبية، وكانت النساء في مقدمة المتضررين.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت تونس تراجعاً في القدرة الشرائية بسبب غلاء الأسعار وارتفاعاً في نسب البطالة وتفاقماً لأزمة المرافق العموميّة. وفي مثل هذه الظروف تصبح النساء أوّل من يدفع الثمن. فالعاملة ذات الدخل المحدود تضطرّ إلى التخلّي عن جزء من احتياجاتها الأساسيّة لإطعام أسرتها، والعاطلة عن العمل تواجه انسداد الآفاق، والمرأة الريفية تواصل العمل في ظروف قاسية بأجور متدنية ودون حماية اجتماعية كافية، بينما تظل المآسي المتكررة لحوادث نقل في شاحنات الموت شاهداً على حجم مأساة العاملات الفلاحيات والإهمال الذي يلحقهنّ دون أن تتمّ معالجته جذرياً.
إنّ السلطة القائمة لم تتجاوز منطق إدارة الأزمة بأشكال رثّة مع الحفاظ على البنية الاقتصاديّة نفسها التي تعيد إنتاج الفقر والتفاوت الطبقيّ باستمرار. فالدولة التي تكتفي بإطلاق الخطابات حول السيادة الوطنيّة، وخدمة الشعب واسترجاع الأموال المنهوبة بينما الأزمة الاجتماعية تتفاقم إنّما هي دولة تبيع الوهم. إن المرأة لا تحتاج إلى خطب تمجّد دورها في “العائلة والمجتمع”، بل تحتاج إلى عمل كريم، وأجر عادل، وسكن لائق، ومدرسة ومستشفى عموميين يوفّران الحدّ الأدنى من الخدمات، ونقل آمن، وضمان اجتماعي شامل.
لقد أدّى الانقلاب إلى إعادة تركيز الدكتاتوريّة وضرب الحريات الفردية والعامة ومنها حرية التعبير والإعلام، وتحول المؤسسات التمثيلية إلى أجهزة وظيفية منزوعة الصلاحيات، وهو ما أدّى إلى إضعاف مساحات النقاش والرقابة، وانعكس أيضاً على قدرة المنظمات الاجتماعيّة والنسويّة والنقابيّة على التأثير في السياسات العامة.
النساء الكادحات والفقيرات هنّ من يدفعن الثمن
ومن المغالطات الكبرى في الخطاب الشعبوي، أنه يقدّم المرأة باعتبارها “رمزاً وطنياً مجرداً”، لا باعتبارها جزءاً من طبقات وفئات اجتماعية لها مصالح محدّدة. فالحديث عن المرأة الطبيبة أو القاضية أو الأستاذة الجامعية وإن كنّ لسن بدورهن في مأمن من صعوبات الحياة، لا يمكن أن يخفي أوضاع مئات الآلاف من العاملات في المصانع والضيعات الفلاحية وقطاع الخدمات والاقتصاد غير المنظم، حيث الأجور المتدنية وانعدام الاستقرار المهني وغياب شروط السلامة.
إن الرأسمالية، في لحظات أزماتها، تلقي بأعبائها على الفئات الأكثر هشاشة. وفي تونس، كانت النساء من بين أكثر المتضررين من تراجع الاستثمار وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية. فالأسرة التي تعجز عن توفير حاجياتها الأساسية تعتمد أكثر فأكثر على العمل غير المرئي الذي تؤديه النساء داخل المنزل. وهكذا يتحول الاستغلال الاقتصادي إلى استغلال مزدوج، في سوق العمل وداخل الأسرة في آن واحد.
وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن تحرر المرأة في ظل اقتصاد يوسع الفوارق الاجتماعية ويقوّض القطاع العام ويضعف الخدمات الأساسية. فالمدرسة العمومية والمستشفى العمومي والنقل العمومي ليست مجرد مؤسسات خدمية، بل أدوات تساعد على تحرير النساء من أعباء الفقر والتهميش. وكل تراجع يصيب هذه المرافق ينعكس مباشرة على أوضاع المرأة.
إن قضية المرأة ليست قضية أخلاقية أو ثقافية فحسب، بل هي قضية سلطة وثروة. فمن يملك وسائل الإنتاج يملك أيضاً القدرة على تحديد موقع النساء داخل المجتمع. ولذلك فإن النضال النسوي، إذا انفصل عن النضال الطبقي، يتحول إلى مطالبة بتحسين شروط اندماج عدد محدود من النساء في قمة الهرم الاجتماعي، بينما تبقى الأغلبية الساحقة من العاملات أسيرات الفقر والاستغلال.
الأزمة أزمة نظام وليست أزمة أشخاص
إن السنوات السبع الماضية، لم تشهد تحولاً اجتماعياً يغير حياة النساء ولو جزئيّا، بل استمرت الأزمات الاقتصادية وتزايد الشعور بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشعب وفي مقدّمتها والنساء. ولم يكن تراجع الثقة في قيس سعيّد ونظامه سوى انعكاس لفشله في معالجة الأسباب البنيوية للأزمة بل فشله حتى في إدخال تحسينات جزئية على حياة الطبقات والفئات الكادحة والشعبية. ولم يعد خافيا اليوم، مثلما بيّنته الاحتجاجات على انقطاع الماء والكهرباء واحتجاجات المعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا والمسيرات المطالبة بالحريات، أن النساء في صلب المعركة ضد الاستبداد الشعبوي. وهن يربطن بذلك مع ماضيهنّ مؤكّدات أنّ المرأة التونسية كانت دائماً في قلب النضالات الوطنية والاجتماعية، ولم تكن مجرد متلقية للحقوق، بل كانت صانعة لها.
إن تقييم السنوات الأخيرة يقود إلى خلاصة مفادها أن الأزمة ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نظام اقتصادي واجتماعي يعيد إنتاج التفاوت والاستغلال. وما لم يتم تجاوز هذا النظام نحو اقتصاد يضع الإنسان والعمل فوق الربح، فإن المرأة ستظل تتحمل النصيب الأكبر من أعباء الأزمات، مهما تغيرت الشعارات والوجوه. فحرية المرأة ليست امتيازاً تمنحه السلطة، بل ثمرة نضال اجتماعي طويل، ولن تكتمل إلا في مجتمع تتحرر فيه الطبقة العاملة من الاستغلال، وتصبح الثروة ملكاً لمن ينتجونها، وتغدو المساواة واقعاً مادياً لا مجرد وعد سياسي.
بعد سبع سنوات من وصول سعيّد إلى قرطاج وخمس سنوات من انقلاب 25 جويلية، لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة الكامنة خلف شعارات “الإنقاذ” و”تصحيح المسار”. فما انكشف على امتداد هذه السنوات هو أن الاستبداد لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان الأداة الضرورية لإدامة نظام اقتصادي واجتماعي عاجز عن تقديم أي أفق للكادحين والعاطلين والشباب والنساء. فكلما تعمقت الأزمة، ازداد القمع، وكلما اتسعت دائرة الفقر والبطالة، ضاقت مساحة الحرية.
ولم تكن النساء مجرد ضحايا جانبية لهذا الانقلاب، بل كن في قلب الاستهداف. فمن السجينات السياسيات اللواتي زُج بهن في السجون بسبب مواقفهن من الانقلاب وعددهن لم تعرف تونس له مثيلا، إلى آلاف صاحبات الشهادات العليا اللواتي حُكم عليهن بالبطالة والتهميش والهجرة القسرية أو الانتظار الأبدي، تتجلّى حقيقة نظام لا يرى في المرأة سوى قوة عمل رخيصة أو رقماً فائضاً في جيش البطالة، وحين تتمرد على هذا الواقع تتحول إلى هدف للملاحقة والتنكيل. وما تعرضن له من قمع في آخر احتجاج أمام القصبة يغني عن كل تعليق.
إن السلطة التي تجرّم الاحتجاج وتعاقب الرأي ليست سلطة قوية، بل سلطة تخشى المجتمع. والسلطة التي تعجز عن ضمان الحق في الشغل والسكن والصحة والتعليم لا تملك سوى الأجهزة الأمنية لتعويض إفلاسها السياسي والاقتصادي. لذلك فإن السجون والبطالة ليستا حادثتين منفصلتين، بل وجهين لسياسة واحدة: كسر إرادة المجتمع وإخضاعه، حتى يصبح الفقر قدراً، والصمت فضيلة، والخوف أسلوب حياة.
تحرير النساء من تحرير الشعب والمعركة واحدة
إن اضطهاد النساء لا يمكن فصله عن طبيعة النظام الطبقي نفسه. فالمرأة العاملة، والعاطلة عن العمل، وصاحبة الشهادة العليا، ليست ضحية التمييز الجندري فحسب، بل ضحية منظومة تقوم على استغلال العمل، وتكديس الثروة في يد أقلية، وإلقاء كلفة الأزمة على أكتاف الفئات الشعبية. ولهذا، فإن قضية السجينات السياسيات وقضية المعطلات عن العمل ليستا ملفين حقوقيين معزولين، وإنما تعبير مكثف عن التناقض العميق بين مصالح الأغلبية الشعبية ومصالح السلطة التي تحرس استمرار علاقات الهيمنة والاستغلال.
لذلك نحن نعتبر أن الاستبداد لا يصنع الاستقرار، كما أن القمع لا ينتج الشرعية. وكل سلطة تراهن على السجون لإسكات الأصوات، وعلى البطالة لإخضاع الشباب والنساء، إنما تؤجل انفجار التناقضات ولا تلغيها. فالشعوب لا تنسى من صادر حريتها، ولا من سرق حقها في العمل والكرامة.
ولهذا، فإن معركة تحرير النساء ليست قضية نسوية معزولة، بل هي جزء من معركة أشمل لتحرير المجتمع بأسره من الاستبداد والاستغلال. فلا حرية للنساء في ظل سلطة شعبوية فاشية، ولا عدالة اجتماعية في ظل اقتصاد تابع وعميل يعيد إنتاج الفقر، ولا ديمقراطية حقيقية ما دامت الزنازين تستقبل المعارضات والمعارضين، وما دامت الشهادات الجامعية تتحول إلى وثائق انتظار على أرصفة البطالة. وحده مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية، وحدها الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي قادرة على وضع حدّ لهذه الدائرة المغلقة من القمع والتهميش، وأن تفتح أفقاً جديداً تكون فيه الكرامة حقاً للجميع، لا امتيازاً تمنحه السلطة لمن يطيعها. وما من شكّ في أن هذه الثورة لن تنجح دون مساهمة النساء فيها مساهمة فعّالة.
فإلى النضال ضد نظام الاستبداد والتفقير والتبعية، من أجل جمهورية ديمقراطية شعبية تفتح الطريق إلى النظام الاشتراكي.
ختاما:
“يا مكحّلة بعشق الرفاق أهذابك
يا نصف غالي من الحياة حرموها
هزي زنادك لنضال تهيّي
حشود الشعبوية حريتك قمعوها”
أولاد المناجم بتصرف
صوت الشعب صوت الحقيقة
