الرئيسية / صوت المرأة / مؤسّسة المهر: الصفقة الخاسرة أما آن الأوان لإلغائها؟
مؤسّسة المهر: الصفقة الخاسرة أما آن الأوان لإلغائها؟

مؤسّسة المهر: الصفقة الخاسرة أما آن الأوان لإلغائها؟

بقلم   ضحى قلالي

من المؤكد أن مجلّة الأحوال الشخصيّة التونسية الصادرة في 13 أوت 1956 تعدّ في ظرفيّتها التاريخيّة من أهمّ مكاسب المجتمع التونسيّ، ورغم كلّ الجدل الدائر حولها منذ سنوات فإنّ بعض فصولها كتلك المتعلّقة بمنع تعدّد الزوجات ما تزال تحتفظ بريادتها كمرجعية قانونية تقدمية مقارنة ببقية قوانين الأسرة في المجتمعات العربية والإسلامية (باستثناء تركيا)، التي حافظت فيها العلاقات داخل العائلة على طابعها التقليدي، الأبوي الرجعي.

ولكن بعد سبعين عاما من صدور هذه المجلّة وما عرفه المجتمع التونسي والتشريعات الدولية من تطوّر فإن مجلة الأحوال الشخصية تجاوزها الزمن بل باتت عبارة عن نصّ متحجّر غير قابل للتطوّر بسبب بعض بنوده التي أكسبتها خلفيتها الدينية طابعا قدسيّا. فكلّما طرحت هذه البنود إلّا وأثارت لغطا وقوبلت مشاريع تنقيحها برفض من عدد من النواب أو من السلطة السياسية ـوبعض النخب الأكاديمية والسياسية ذات المرجعية المحافظة أو الرجعية وهو ما حال دون تطوّر قانون العائلة التونسي في اتجاه إقرار المساواة التامّة في الحقوق بين الرجل والمرأة.

ولئن بقيت مسألة المساواة في الميراث أهم هذه المواضيع الجدلية الحارقة التي سبق لمساواة أن تناولتها فإن النقاش ظلّ محدودا نسبيا حول مسائل أخرى لا تقل أهمية ومنها مسألة المهر. وهي من المسائل التي ينبغي إعادة النظر فيها بشكل جدي لما تعكسه من نظرة تنال من صورة المرأة اليوم وتبقيها في دائرة المتاعالذي يملكه الرجل ويستعملهلصالحه. صحيح أنّ المهر غلب عليه في فترات معيّنة الطابع الشكلي إذ كان الزوج يقدّم إلى زوجته دينارا واحدا كمهر لإضفاء الصبغة الشرعيّةعلى الزواج ولكن رغم ذلك فإنّ رمزيّة المهر لم تمّح من الأذهان وهو ما سمح، مع عودة الفكر الرجعي، الظلامي المعادي لحرية المرأة ولمبدأ المساواة إلى الواجهة من التركيز مجدّدا على المهر كشرط من شروط صحة الزواج اعتمادا على النص الديني.

مؤسّسة المهر بين العرف الاجتماعي والقداسة الدينية

يُعرّف المهر عامة على أنّه المال الذي تستحقّه الزوجة على زوجها بعقد الزواج الصحيح أو بالدخول بها ويعرف كذلك بالصداق أو النحلة أو الطَول أو الأجرة أو النفقة وحسب القاموس الفقهي فالمهر هو: “ما يدفعه الزوج لزوجته بعقد الزواج معجلا أو مؤجلا، وهو ما يدفع للمرأة للنكاح ولملك عصمتها.

وقد تمّ الاستناد في فرض المهر أو الصداق شرعا إلى الآية 4 من سورة النساء: “وَآتُوا النِسَاءَ صَدُقَاتِهنّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا“. وممّا ورد في الآية 24 من نفس السورة: “(…) فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً“. ومعنى ذلك أنّ على الزوج أن يدفع لزوجته شرطا ثمن نكاحها وأن تتصرّف هي في المال كملك خاص لها تفعل به ما تشاء.

وهو ما ورد في الفصل 3 من مجلة الأحوال الشخصية إذْ أنّه يشترط لصحة الزواج تسمية مهر الزوجة. وهو ما نجده سواء في الفصل 12 “كلّ ما كان مباحا ومقوما بمال تصلح تسميته مهرا وهو ملك للمرأةأو في الفصل 13: “ليس للزوج أن يُجبر المرأة على البناء إذا لم يدفع المهر. ويُعتبر المهر بعد البناء دَيْنًا في الذمة لا يتسنّى للمرأة إلّا المطالبة به فقط ولا يترتّب عن تعذّر الوفاء به الطلاق“.

وبتلخيص كل ما ذكر في الأحكام الشرعيّةأو القانونية فإنّ جوهر فكرة المهر أو الصداق، كما ورد عند شُرّاح النصّ الديني أو القانون، تدور حول مقدار من المال يجب أن يدفعه الرجل ليتمتّع بحقّه في الاستمتاعبجسد زوجته (النكاح، الجماع…). ولهذا اعتبر المهر فريضة شرعية صريحة وشرطا قانونيا لصحة الزواج. وصحة الزواج هنا تعني أن يثبت مهر المرأة كاملا بالعقد الشرعي حتى يكون مستوفى الشروط ولا يجوز للمرأة إسقاط شرط المهر حتى برضاها أو برضا وليها.

ولكن هذا لا يعني أنّ الزواج باطل إذا لم يتمّ دفع ثمنه فعقد الزواج دون تسمية المهر صحيحة ولكنّه يظل واجبا للزوجة سواء حصل الجماع أم لم يحصل، وحتى إن حدث الطلاق قبل الدخول. وقد أقرّت المذاهب السنيّة الأربعة صحة ذلك ويسمّى المهر بعد ذلك بمهر المثل. أما تقدير قيمة المهر فيبقى مسألة مرتبطة بطبيعة المجتمع والأعراف التي تقوده ويربطه بعض الفقهاء بسعر الذهب المتداول. ولكنه وحسب جمهور الفقهاء فإن قيمة المهر تختلف أيضا حسب عمر المرأة: البكارة أو الثيوبية، الجمال / التعليم والثقافة / المكانة الاجتماعية / العرف السائد / مهر القريبات (أي أن يفرض للمرأة نفس المهر الذي يفرض لبنات العائل).

وتقودنا فكرة مهر القريبات هذه لممارسة أخرى تُسمّى نكاح الشَِغاروهي أن يتفق رجلان على تزويج كل منهما وكيلته للآخر دون مهر وأن تكون كل منهما مهر الأخرى. وهي عادة موجودة وإن اختلفت حولها الفتاوى. وبذكر الأعراف والتقاليد فإن عادة المهر ليست وليدة الإسلام بل هي مؤسّسة قديمة قِدَمَ فكرة الزواج نفسه. فكلمة موهارالعبريّة تعني ثمن العروسالذي يُدفع لوالدها. وفي شريعة حمورابي يُسمّى المهر التيرخاتوموتعني ثمن العروسكذلك وهو نفس ما تعنيه كلمة ويؤوتومافي أعراف القبائل الجرمانية والأنجلوساكسونية في العصور الوسطى في أوروبا وهو ثمن العروس الذي يدفع في شكل ماشية أو مبلغ مالي مقابل الاستمتاع بها جنسيا بَلْ مقابل تملّكها « جسدا وروحا » لتلبّي رغبات الذكر وتنجب له الأبناء وتخدمه. تماما كما كان المهر لدى قبائل العرب قبل الإسلام يُقدّر بالمال أو بعدد من الإبل ويُعدّ عرفا أساسيا لشرعية الزواج والنكاح.

كلّ ما أتينا عليه يؤكّد رمزيّة المهر كعادة اجتماعية، أبويّة/ذكوريّة، قبلية وطبقية رافق وجودها السيرورة التاريخية لتطور المجتمعات ولكنّها ظلت مرتبطة بفكرة واحدة موحّدة وهي مفهوم الصفقةأو ثمن العروسأو ثمن النكاحوالتي جاءت الأديان والكتبلتثبيتها وتأكيدها وفقا للعادات والتقاليد وطَبْعها بطابع قدسيّ، لأن هذه الأديان والكتب ليست في الحقيقة مطلقة كما قُدّمت وتقدّم إلينا، ولا هي خارجة عن الزمان والمكان ولا عن السياقات التاريخية التي جاءت فيها بل هي « ابنتها الشرعيةّ » تحمل خواصها الأيديولوجية والاجتماعية وهو ما يُضفي عليها طابع النسبيّة ويحكم عليها بالزوال حالَ زوال الشروط الاجتماعيّة التي ولّدتها تماما مثلما تمّ التخلّي عن العبودية أو العقوبات البدنيّة مثل قطع اليد أو قطع الأطراف بخلاف الخ

وهو ما يقودنا إلى طرح السؤال التالي: ألم يَحِنْ الوقت لنعلن بصوت مرتفع أن مؤسسة المهر هي مجرد عبودية مقنّنة وعملية بيع وشراء صريحة تكلّم عنها الفقهاء القدامى دون مواربة لأنّهم كانوا أبناء عصرهم وحاول المعاصرون تزيينها وتبريرها أمام ما حققته المجتمعات الإنسانية من تطوّر أفضى إلى الاعتراف بالمرأة كائنا بشريّا مساويا للرجل ولا فرق بينهما إلّا في الوظائف الطبيعيّة التي لا يمكن أن توظّف بأي شكل من الأشكال للتمييز والاستعباد؟

إلغاء المهر ضرورة تاريخية وفكرية وإنسانية وشرط لتحقيق المساواة

قد تبدو فكرة إلغاء المهر صادمة للوهلة الأولى مثلها مثل المطالبة بالمساواة في الإرث أو إلغاء الولاية ورئاسة العائلة واستبدالهما بالإدارة المشتركة للعائلة أو غير ذلك من المسائل، ولكنّ التروي في قراءة المسألة من منظور تقدّمي، يقرّ إنسانية المرأة وأهليتها التي لا تختلف عن أهلية الرجل، ويحترم النضالات التي ساهمت فيها الحركة النسائية مساهمة جادة سواء من أجل تحرير الأوطان أو من أجل افتكاك عدة مكاسب متعلقة بالحقوق والحريات والعدالة الاجتماعيّة أو تلك التي قادتها لتكريس مبدأ المساواة التامة والفعلية. إن ربط الزواج بالمهر لا يكتفي بتشيئة المرأة وسلعنتها بل وبسلعنة الرجل نفسه الذي يتحول إلى مجرّد شار أو بائع بل إنه يقوّض مفهوم الزواج نفسه ليحوله إلى مجرّد صفقة لا تختلف في جوهرها عما كان يحدث في العبودية حين كانت المرأة ملكا للرجل أو حتى في فترة الإقطاع حين كانت الجواري والأقنان تُهدى وتُباع وتُشترى. وذلك لأن مفهوم المرأة مرتبط أساسا بفكرة القوامة والعصمة (الرجال قوامون على النساء بما أنفقوا) وهي فكرة ترفض السلطة الذكورية في المجتمع الأبوي أن تتنازل عنها لأن ذلك يعني أنها تفقد حصنا من حصونها والذي قد يتبعه دك حصون أخرى مثل رئاسة العائلة والولاية وغيرها من المفاهيم المتوارثة. ناهيك عن الرمزية الطبقية للمهر الذي تختلف قيمته حسب الانتماء الطبقي والجهوي. ونلاحظ أن بعض المناطق التونسية ماتزال تحتفظ بعادة دفع قيمة مالية مرتفعة للمهر (غربال ذهب مثلا) رغم انهيار المقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الزواج بشكل مشط. كما أن ارتفاع قيمة المهر كلما ارتفعت مكانة الزوجين الاجتماعية هي في جوهرها فكرة طبقية تكرس الفوارق وتجعل من المرأة بضاعة يغلو ثمنها كلما كانت معروضة بطريقة أكثر أناقة في متجر لماركة ثمينة.

هذا كما أن الفصل 13 من مجلة الأحوال الشخصية (وهو ذو مرجعية دينية/فقهيّة خالصة) يبرز الالتباس المقصود الذي يلفّ مسألة المهر فمن جهة لا يصحّ الزواج إلا بثبوت تسمية المهر ويمكن للمرأة أن ترفض تمتيع زوحها بجسدها حتى يدفع ولكن عدم دفعه لا يبطل الزواج والمهر المؤجل باتفاق لا يبيح للمرأة الامتناع عن زوجها ولا يجعل الدَيْن عذرا للطلاق. حتى أن بعض الفقهاء المعاصرين أنفسهم يرون –من باب التأويل المقاصدي للإسلام– أن المهر ليس شرطا من شروط الزواج وليس ركنا أساسيا من أركانه (استنادا إلى الآية 236 من سورة البقرة: “لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى أن إباحة الطلاق قبل الدخول وقبل فرض الصداق تعني أن الزواج دون مهر ممكن ومشروع خاصة من منظور التماشي والتعايش مع الدولة المدنية.

وكل هذا معناه أن المطالبة بإلغاء المهر مطلب مشروع وجدي في سياق محلي ودولي بلغت فيه النضالات الحقوقية من أجل المساواة وإلغاء مظاهر الدونية والتمييز كلّها درجة من النضج والوعي والجرأة جعلها تتحدى الغلاف القدسي المزعوم الذي تلتجئ إليه كل الحركات المحافظة في مجتمعنا مثل حركة النهضة وحزب التحرير والسلفيين بمختلف أصنافهم كلّما طرح أي موضوع يتصل بتنقيح أو تطوير مجلة الأحوال الشخصية وتحاول عبره تطويع المزاج الشعبي لصالح مشروعها الظلامي القائم على استعباد النساء. وحتى المناورات السياسية التي تقوم بها التعبيرات السياسية الطبقية الليبرالية والبورجوازية لم تجرأ يوما على ضرب مفهوم التمييز واللامساواة في صميمه بل إنها عادة ما تنخرط في تحالف طبقي رجعي معاد لحقوق النساء حتى لو صرحت بعكس ذلك. وهو نفس ما تنتهجه الشعبوية الاستبدادية اليوم على لسان قيس سعيّد نفسه والذي لم يكتف بمحاولة الالتفاف على كل المكتسبات التي حققتها نساء تونس وبرفض مبدأ المساواة كليا بل أنه يعمل على فرض مشروع أخونة جديدكلما سنحت الفرصة.

في الختام تبقى المسؤولية مناطة دوما بعهدة القوى التقدمية والثورية في أن تواصل معركتها ضد كل الذرائع التي تثار لتعطيل تحقيق المساواة في الحقوق، سواء المتعلقة بـالشرع يمنع…” أوبـالرأي العام ليس مستعدّاوفرض مشروعها الخاص عبر النضال الشعبي الميداني والفكري. إن حزب العمال ومنظمته النسائية مساواة يدركان جيدا أن مصلحة البلاد مرتبطة بتحرير النساء التونسيات من كل ما يكبلهن وتحقيق المساواة التامة والفعلية في إطار نظام اقتصادي واجتماعي ومنظومة قانونية وممارسة واقعية تضع حدا لاضطهاد النساء بكل تفاصيله وبكل مداخله. والحق لا يتجزأ ولا يؤجل ولا مساومة على كرامة النساء.

وفي المحصلة فإن إلغاء مؤسسة المهر لا تساعد على تحرير المرأة من كابوس التقاليد الأبويّة الكثيرة والمتنوّعة فحسب وإنّما تساعد على تحرير الرجل أيضا من سلطة ذكورية قمعيّة تحطّ من قيمته كإنسان وتحوّله إلى وحش وإن كانت هذه النظرة المتخلّفة تخدم مصالح الطبقات الرجعيّة المهيمنة على المجتمع لتأبيد هيمنتها، فإنّها لا تخدم في شيء الطبقات الكادحة والشعبية والمفقّرة كما لا تخدم الوطن الذي لن يقوم إلّا على ساقيه الاثنين : أبناؤه وبناته. إنّ مصلحة الوطن والشعب الكادح تبقى في مساواة تامّة فعليّة لتوفير شروط نهضة مجتمعيّة شاملة وجذريّة.

إلى الأعلى
×