الرئيسية / صوت المرأة / المرأة التونسية والاقتصاد: ما الذي بقي من “الاستثناء التونسي”؟
المرأة التونسية والاقتصاد: ما الذي بقي من “الاستثناء التونسي”؟

المرأة التونسية والاقتصاد: ما الذي بقي من “الاستثناء التونسي”؟

بقلم عفاف داود

طوال عقود، جعلت تونس من مكاسب المرأة عنوانًا لحداثتها وسمة تميّزها في المنطقة، وقاست تقدّمنا بولوج الفتيات إلى المدرسة والجامعة، وبما أرسته مجلة الأحوال الشخصية منذ سنة 1956 من إصلاحاتٍ غيّرت إلى حدّ ما وجه الأسرة التونسية، وبالمكانة الرمزية التي بلغتها المرأة في الخطاب العام. وهي مكاسب حقيقية وثمينة مقارنة بأوضاع النساء في باقي البلدان العربية والإسلامية كما أنّها مكاسب لم تأت من فراغ بل كانت نتاج حركة إصلاحية كان الحدّاد من أبرز رموزها في ثلاثينات القرن العشرين. غير أنّ الحقوق لا تكتمل معانيها إلا حين تمكّن صاحبتها من الإمساك الفعلي بزمام حياتها: عملاً تؤدّيه، ودخلاً تملكه، وملكيةً تحوزها، ومبادرةً تطلقها، وحمايةً من الهشاشة والظلم، ومشاركةً في القرار، واستقلاليةً تبنيها بيدها.

فإذا احتكمنا إلى هذا الميزان، لا إلى ميزان الشعارات والألقاب، بدت «الخصوصية التونسية» أقلّ وضوحاً بكثير. ففي سنة 2025، صنّف المنتدى الاقتصادي العالمي تونس في المرتبة 123 من أصل 148 دولة في المساواة بين الجنسين، وفي المرتبة 140 عالمياً من حيث نسبة مشاركة النساء في سوق العمل. وطالما لجأنا إلى مقارنةٍ أضيق: نقيس تقدّمنا مقارنة بالعالم العربي. لكن حتى ضمن هذه الدائرة، لم تعد تونس في الصدارة. فما زلنا نستمدّ شعورنا بالريادة من مكاسب تحقّقت منذ عقود، دون أن ننتبه بما يكفي إلى أن العالم من حولنا واصل التقدّم، وأن السبق التاريخي لا يضمن الصدارة إلى الأبد.

فكيف نجد تونس اليوم ضمن الدول العشر الأخيرة في العالم من حيث مشاركة النساء في سوق الشغل؟ سؤالٌ لا يحتمل جواباً واحداً، لأنّ رقماً وحيداً كهذا لا يخبرنا إلا بحجم الأزمة، لا بوجوهها. فخلف هذا الترتيب، لا تختبئ حكايةٌ واحدة، بل حكايات متعدّدة، لكل واحدة منها أسبابها وضحاياها. وأولى هذه الحقائق وأشدّها دلالة: فهي لا تبدأ من موضع الضعف، بل من صميم ما نعتزّ به. فالمرأة تمثّل اليوم أكثر من ثلثي خريجي الجامعات التونسية، وتتصدّر تونس بانتظام، منذ سنوات، التصنيفات العالمية في نسبة الإناث بين خريجي الاختصاصات العلمية والتقنية والهندسية، وفي نسبة الباحثات، بما يضعها في مراتب متقدمة عالمياً وفي الصدارة أفريقياً وعربياً. أرقامٌ لافتة، مهما اختلفت تفاصيلها من سنة إلى أخرى. لكنّ هذا التفوّق العلمي لا يترجَم إلى موقعٍ فعلي في سوق الشغل، وهذا ليس عارضاً طارئاً بل نمطًا متكرّر عاماً بعد عام: ففي الثلاثي الرابع من سنة 2025، على سبيل المثال لا الحصر، بلغت نسبة البطالة بين خريجات التعليم العالي 30.5%، مقابل 11.7% فقط لدى الذكور من المستوى التعليمي نفسه، أي بما يقارب ضعفين ونصف معدّل الذكور.

كثيراً ما توصف هذه الوضعية بـ«المفارقة التونسية»: نجحت النساء في بلوغ الجامعة ونيل الشهادات، لكنّ هذا التقدّم لم يتحوّل إلى قدرةٍ مماثلة على النفاذ إلى سوق الشغل. غير أنّها ليست مفارقة. فالمفارقة تُتأمَّل، أمّا ما تعيشه تونس فيُصحَّح. إنّ الاكتفاء بوصفها بالمفارقة لا يفسّر شيئاً. فالمسألة ليست لغزاً إحصائياً نتأمّله، بل واقعاً ينبغي فهم أسبابه وتصحيحه. لقد خلطنا طويلاً بين امتلاك المورد والقدرة على تحويله إلى فرصة. فالشهادة تفتح إمكانية، لكنها لا تصنع طريقاً بمفردها؛ لا بدّ من اقتصادٍ يخلق مواطن شغلٍ تحوّل تلك الإمكانية إلى دخل، ومن “سوق عملٍ” لا يوصد أبوابه أمام النساء كما يفتحها، نسبيّا، أمام الرجال، ومن أمومةٍ لا تتحوّل إلى عقوبةٍ مهنية، ومن تنقّلٍ لا يقف حائلاً دون العمل، ومن ظروفٍ حقيقية تتيح للمرأة أن تحوّل مؤهلاتها إلى عملٍ ودخلٍ واستقلالية.

ولعل هنا تكمن إحدى حدود ما يٌسمّى “النموذج التونسي”: وهو أنّ تونس جعلت من تعليم المرأة رمزاً تباهي به العالم، لا رافعة تحرّك بها واقعها. لقد قطعت البلاد أشواطاً أبعد بكثير في فتح الحقوق مما قطعته في بناء الشروط التي تسمح بممارستها فعلياً. أحصيت أعداد الفتيات في الجامعات، وجعل من ذلك مصدر اعتزاز. لكن الدولة لم تسأل بالقدر نفسه: ماذا يحدث لهن بعد التخرج؟ فالمساواة لا تُقاس فقط بالباب الذي يفتح، وإنما أيضاً بما يصبح ممكناً فعله عمليّا بعد عبور ذلك الباب.

لكن واقع عمل النساء في تونس لا يُختزل في بطالة حاملات الشهادات. فإلى جانب هؤلاء، تعمل مئات الآلاف من التونسيات بالفعل في الفلاحة والخدمات والعمل المنزلي والأنشطة التجاريّة الصغيرة وغيرها من أشكال العمل غير المنظّم. وهنا لا تكمن المشكلة في استحالة الدخول إلى عالم الشغل، بل في نوعية العمل وشروطه. فنحو امرأة عاملة من كل ثلاث تعمل في القطاع غير المنظم، بما قد يعنيه ذلك من غياب الحماية الاجتماعية، وعدم انتظام الدخل، والهشاشة.

وتضاف إلى تفاوتات الوضع المهني ومستوى التأهيل فجوةٌ لا تقلّ خطورة: التفاوت الجهوي. فحظوظ النساء في الشغل ليست واحدة بين من تقطن المراكز الحضرية الكبرى ومن تقيم في جهاتٍ يضعف فيها النشاط الاقتصادي وتضيق فرصه ويظلّ معظمه رهين الاقتصاد غير المنظم. وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء ارتفاعاً لافتاً للبطالة النسائية في الوسط الريفي. فتتقاطع خارطة تونس الاقتصادية مع فوارق النوع والتعليم ونوع العمل، وتتغذّى هذه الفوارق بعضها من بعض.

لكن هنا يطرح اعتراض مشروع: لماذا نركّز على النساء تحديداً، في حين أن الاقتصاد التونسي برمته يعاني ضعف النمو وعجزاً عن خلق مواطن الشغل؟ البطالة في حدود 15%. والخريجون، نساءً ورجالاً، ينتظرون ويصابون بالإحباط أو يهاجرون. أليست المشكلة، في نهاية الأمر، مشكلة اقتصاد عاجز عن تحقيق نمو كاف وخلق ما يحتاجه من مواطن شغل؟

الاعتراض صادقٌ فيما يقول، لكنّه يخفي أكثر ممّا يكشف. اقتصاد، تابع وريعي ومفكّك تُطال آثاره الجميع، لكن ليس بالقدر نفسه، وضعف النمو قد يفسّر شحّ الفرص، غير أنه وحده لا يفسّر هذا التفاوت الصارخ في توزيعها. فمنظومة منهارة لا توزّع انهيارها بالتساوي، وتعطّل الآلة أمام الجميع لا يكشف عمّن يتحمّل وطأتها أولًا، ولا الشكل الذي تتّخذه. وحين ينكمش الاقتصاد، فالأكثر هشاشة هم أوّل من يُصاب.

من جهة أخرى، يخطئ من يظنّ أن عودة النمو بهذا القدر أو ذاك كفيلة وحدها بتسوية هذا الخلل. فلو استعادت تونس غدًا نموًّا بنسبة خمسة في المائة، فمن يضمن أن تؤدي مواطن الشغل الجديدة تلقائياً إلى تقليص الفجوة بين النساء والرجال؟ لا ضامن لذلك. النمو شرط لازم، لا شكّ فيه، لكنّ طبيعته لا تقلّ شأنًا عن حجمه: أيّ القطاعات تقوده؟ وأيّ شغل يولّده؟ وفي أيّ الجهات ينبت؟ ولمن تُفتح أبوابه فعلًا؟

وليس هذا فحسب: فالعلاقة بين النموّ ومشاركة المرأة لا تسير في اتّجاه واحد. فكما يوسّع النموّ أمام المرأة أبواب الفرصة، فإنّ مشاركتها الأوسع قد تصبح، بدورها، أحد محركات هذا النموّ ذاته. وهذه ليست مجرد فرضية نظرية. فالتقديرات الاقتصادية الدولية تشير إلى أن تقليص الفجوة بين الجنسين في سوق الشغل قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد، بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما يناهز النصف، وفق تقديرات البنك الدولي لسنة 2024.

غير أنّ هذا الحساب، على وجاهته، يبقى ناقصًا إن اكتفينا به. فالاقتصاد الذي نطمح إليه لا يُقاس بمعدّل نموّه وحده، بل بمن يبلغه هذا النموّ ويجني ثماره ومن يبقى خارج دائرته. ويكفي في هذا السياق النظر اليوم إلى اتساع الهوة المتزايد في مجتمعنا بين القلة التي تحتكر الثروة والأغلبية التي تتقاسم الفقر ناهيك أنّ أحدث التقارير حول اللامساواة في العالم” (wid) يشير إلى أن 10 بالمائة من السكان يمتلكون حوالي 60-65 بالمائة من إجمالي الثروة في تونس وهو ما يعكس الفجوة الاجتماعية التي ما فتئت تتعمّق. إن الاقتصاد الذي يليق بتونس هو الاقتصاد الذي يجعل من كرامة الإنسان، امرأة كان أو رجلاً، غايةً ومعياراً لنجاحه، لا اقتصاداً يزدهر فيه الساحل ويُترك فيه الداخل، أو تتاح فيه الفرصة لفئة وتُحجب عن أخرى. نريد عملاً يصون كرامة من يؤديه، ونمواً قادراً على الاستمرار، وفرصاً لا يحددها الجنس ولا الجهة ولا الأصل الاجتماعي. فالسؤال الاقتصادي، في نهاية المطاف، ليس فقط كم ننتج وكم ننمو، بل أيضاً:                                 أي مجتمع نبني بهذا النمو، ولمن؟

إلى الأعلى
×