الرئيسية / الافتتاحية / بعد الاعتقالات الأخيرة: لا مفاوضات مع الفاشية، النضال أو الموت السياسي
بعد الاعتقالات الأخيرة: لا مفاوضات مع الفاشية، النضال أو الموت السياسي

بعد الاعتقالات الأخيرة: لا مفاوضات مع الفاشية، النضال أو الموت السياسي

“يا دامي العينين والكفين إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسلْ“

شهدت نهاية الأسبوع الماضي حملة اعتقالات جديدة شملت عددا من المشاركين والمشاركات في مسيرة السبت 19 سبتمبر 2026 التي دعت إليها مجموعة من المنظمات والجمعيات النقابية والحقوقيّة للمطالبة بإطلاق سراح عدد من عناصر “أسطول الصمود” المعتقلين منذ مارس الماضي بـ“تهم ماليّة”. وجرت الاعتقالات في الليلة الفاصلة بين الأحد 20 والاثنين 21 سبتمبر في ساعات متأخرة من الليل كأنّ الأمر يتعلّق بمجرمين كبار يُخشى فرارهم. وتتواصل الملاحقات إلى اليوم بهدف اعتقال بعض من شاركوا في تلك المسيرة. ومن بين المعتقلين عائلة بأكملها، الأب والأم وبنتاهما قبل إطلاق سراح هاتين الأخيرتين. ومن بينهم طفل، آدم مبارك، الذي ترك مقاعد الدراسة ليلتحق بالسجن بحزمة من الاتهامات المضحكة المبكية. وليس خافيا أنّ سبب هذه الاعتقالات هو ما رُفع من شعارات ضدّ قيس سعيّد في المسيرة المذكورة، وثّقها أعوان الأمن وأحالوها على النيابة العموميّة لتأذن بإحالة الموقوفين على المحاكم بتهم مختلفة، تدور حول موضوع “الإساءة والمسّ من رموز الدولة“، انطلاقا من تلك الشعارات.

وما من شكّ في أنّ هذه الحملة القمعية الجديدة تمثّل تصعيدا خطيرا إذ قلّما اعتقل مثل هذا العدد الكبير في مسيرة من المسيرات التي انتظمت خلال السنوات الأخيرة. أضف إلى ذلك أنّها المرّة الأولى أيضا التي يعتقل فيها متظاهرون، بمثل هذا العدد، بسبب رفع شعارات سياسية ضدّ قيس سعيّد. إن جلّ الشعارات إن لم نقل كلّها رُفعت في السابق. لكن من الواضح أنّ الرسالة التي يراد توجيهها اليوم هي أنّه لا تسامح مستقبلا مع من “يتطاول على شخص الرئيس” أو بالأحرى شخص الحاكم المطلق الذي يجمّع بين يديه سلطات فرعونيّة. وهو ما يمثّل خطوة جديدة نحو التضييق على الحريات في وضع تشتدّ فيه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد كما تشتدّ فيه عزلة نظام ما ينفكّ يثبت أنّه عاجز عن حلّ مشاكل البلاد التي تطال كافّة جوانب حياة المواطنين والتي تفاقمت هذه الصائفة بانقطاع الماء والكهرباء الأمر الذي أدّى إلى وفاة العشرات سواء كان ذلك داخل السجون أو خارجها. وهو ما يفسّر اللجوء المتزايد إلى القمع وتكميم الأفواه لفرض الصمت المطبق على المجتمع. وهو ما يذكّر التونسيّين بمناخات ما قبل الثورة حين كان الحاكم الفرد ووزراؤه، سواء في عهد بورقيبة أو في عهد بن علي، محصّنين بترسانة من القوانين تجرّم من ينقدهم بأي صيغة من الصيغ. ولئن اختفت الظاهرة بعد الثورة مع المنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي فإنها تعود اليوم، بعد انقلاب 25 جويلية 2021 لتذكّرنا بأن قوس الحريات انغلق لنعود إلى مربّع الدكتاتورية.

ولكن هيهات…إنّ نظر الطغاة دائما قصير فملأ السجون من جديد بمعارضي سلطة الانقلاب ومنتقديها من مختلف النزعات الفكرية والسياسية ومن الصحافيّين والمحامين والنشطاء والمحتجّين والنقابيّين إنّما يعمّق عزلة الحاكم الفرد ومنظومته الشعبوية الفاشستيّة ويوسّع من دائرة الغضب الذي لم يعد اليوم محصورا في “النخب” التي عرفت بمعارضتها للانقلاب بل نراه يشمل يوما بعد يوم فئات متزايدة من الشعب التونسي الذي ملّ الوعود الكاذبة وسئم من الخطب الشعبويّة الجوفاء. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ عناصر وقوى، بمن فيها عدد من الموقوفين في المسيرة الأخيرة، كانت إلى وقت قريب تناصر الانقلاب وتدافع عنه بشراسة وتتهم معارضيه بالتطرف أو بالولاء للخارج، التحقت بدورها بصفّ المنتقدين والمعارضين ولم تتردّد في رفع الشعارات التي تدين قيس سعيّد رأسا.

إن الخناق يضيق على قيس سعيّد وعلى الطغم التي تدعمه من “الأجهزة الصلبة” من داخل الدولة وأجهزتها وتشجعه إلى جانب حفنة من مصاصي الدماء على المضيّ قدما في نهجه الاستبدادي متوهمة أنّ ذلك هو الحلّ الذي سينقذه وينقذها. لقد بيّن الشعب التونسي وقواه الحيّة، الديمقراطيّة والتقدّميّة، قدرة كبيرة على تجاوز المحن. وما من شكّ في أنّ ما نراه اليوم من تحرّك في صفوف العديد من المنظمات والجمعيات وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل من تململ واستعداد للحركة في وجه نظام يعمل بكل الوسائل على إلغائها مثلما يعمل على إلغاء التظيمات السياسية والإعلام والصحافة والنخب المثقفة للانفراد بالشعب، يمثّل بادرة هامّة على طريق النهوض من جديد وتجاوز حالة الركود والتشتت. إن “الرطل ما يطيحو كان الكيلو” كما يقول المثل الشعبي وبالتالي فإنّ الدكتاتورية الشعبويىة تظل قوية ومستأسدة حتى لحظة نهوض القوى الديمقراطية والتقدمية والشعبية في وجهها، وقتها يتّضح أنّها نمر من ورق مثلها مثل نظام بن علي الذي ظنّه العديد على درجة من القوة تجعله لا يسقط بين عشية وضحاها أمام شعب مصمّم على افتكاك حريته وحقوقه. إنّ النضال من أجل إطلاق سراح كافة المعتقلين في المسيرة الأخيرة ووقف التتبعات ضدّهم مثله مثل النضال من أجل إطلاق سراح كافة معتقلي الرأي واحترام شروط المحاكمة العادلة للجميع والكف عن توظيف القضاء بشكل فجّ لئن كان من الواجبات المباشرة اليوم التي ينبغي أن تتجنّد من أجلها ومن أجل الدفاع عن كافة الحريات والحقوق ينبغي أن يندرج في سياق أعم وأشمل ألا وهو التخلّص بشكل جدي وحاسم من نظام الاستبداد والدكتاتورية لوضع حدّ لمأساة بلادنا وشعبنا ووضعهما على سكة التحرر والانعتاق، سكّة الجمهورية الديمقراطية الشعبية.

الحرية لمعتقلي الرأي

يسقط القمع، يسقط الاستبداد

إلى الأعلى
×