تنتشر القناعة أكثر فأكثر في صفوف فئات واسعة من المجتمع بأن فشل سلطة الانقلاب وعجزها لا يشملان مجالا بعينه، بل يشملان كل المجالات دون استثناء. كما أنّهما لا يغطّيان فترة زمنيّة دون أخرى بل يمتدّان على كامل الوقت. ففي صيف هذا العام عاش الشعب تجربة العطش الفعلي بالانقطاع اليومي لمياه الشرب علاوة على انقطاعات التيار الكهربائي الذي ألحق أَضرارا فادحة بالأرواح (28 وفاة في السجون فقط) وبممتلكات مئات المهنيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والباعة الصغار قدّرها بعض الخبراء بنحو 1.8 مليار دينار. كما عاش فيه موجة من الحرائق شملت الغابات وخلّفت خسائر قياسيّة غير مسبوقة. فالنيران التهمت أكثر من 15 ألف هكتار من المساحات الغابية والمحاصيل الزراعية بزيادة تفوق 500 بالمائة مقارنة بصائفة 2025 حيث لم تلتهم النيران أكثر من 2500 هكتار. وما أن انتهى فصل الصيف حتى دخل فصل الخريف بأمطار طوفانيّة نبّهت إليها مصالح الرصد الجوي مسبقا. ولكن رغم ذلك انكشفت مرة أخرى حقيقة البنية الأساسيّة الخليقة ببلد مستعمر في بداية القرن الماضي. إنّ ساعة من تهاطل الأمطار بتونس الكبرى عشيّة الخميس 17 سبتمبر حكمت على الحركة بالتوقف الكامل. عُلّقت الدروس وبقي المواطنون عالقين بعد أن تحوّلت المدن إلى برك فاضت فيها فضلات قنوات التطهير ودفعت بأوساخها إلى الطرقات مع العلم أنّ عديد الأحياء المستجدة لا توجد بها أصلا قنوات تطهير. وهكذا تحوّلت الأمطار في “العهد السعيد” من نعمة إلى كارثة في بلد بلا مجالس بلديّة منذ أن حلّها قيس سعيد سنة 2022 محجما عن تنظيم انتخابات جديدة حماية لحكمه الفردي المطلق وخوفا من صعود معارضين له.
بالطبع لم يختلف تصرّف الحاكم بأمره عن تصرفاته السابقة. فهو لم يهتمّ بالموضوع ولم يجنّد حكومته لمواجهة الوضع بإجراءات عاجلة. لقد تركت الدولة المواطنين في هذه المناسبة الصعبة، كما تركتهم في كل المناسبات السابقة بما جدّ فيها من كوارث طبيعية أو مصاعب حياتية (ارتفاع جنوني للأسعار، ندرة الحاجيات الضرورية، افتقاد الكثير من الأدوية الهامة، جفاف، فيضانات…)، يواجهون مصيرهم بأنفسهم وهو يردّد نفس الجمل التي مجّها الناس حول “المؤامرات والمتآمرين” للتنصّل من المسؤوليّة وتحميلها زورا وبهتانا لغيره. في نفس الوقت لا يتوقّف سعيّد عن تجنيد أجهزته القمعيّة للتصدّي لتحركات المحتجين وفي مقدمتهم المعطلون عن العمل من أصحاب الشهادات الذين واصلوا نضالهم في فصل الصيف القائظ من أجل حقّهم في الشغل. لقد تعرّض هؤلاء إلى التعنيف والسحل في ساحة القصبة وأمام المسرح البلدي وفي شوارع العاصمة الأخرى وبعض الجهات منها القصرين أخيرا دون أن يفتّ ذلك في عزيمتهم هم وأولياؤهم وأبناؤهم الذين خرجوا معهم هذه المرّة.
إنّ ملفّ المعطّلين هو، مثله مثل الملفات الحارقة الأخرى يفضح ادعاء قيس سعيّد الانحياز لهذه الفئة من الشباب وللمفقّرين والمهمّشين عامة. وهكذا فإنّ مظاهر الفشل والعجز تشمل كل جوانب حياة التونسيين/التونسيّات التي تعرف تدهورا عاما وشاملا ومريعا. ومن الواضح أن هذه المعضلة لن تحلّ أبدا طالما بقيت منظومة قيس سعيّد متربّعة على مفاصل القرار. إنّ الأزمة مرشحة معها للتفاقم بينما هي لا تتوقف عن الاستعداد لمواجهة الشعب بتصعيد القمع، سلاحها الوحيد لتغطية عجزها وفشلها وفرض تبعاته على الطبقة العاملة وسائر الكادحين والمفقرين.
إن إمعان سعيّد في القمع وفي استهداف الحريات لا هدف منه في سياق الفشل والعجز الحاليين سوى التخويف والترويع حتى يكفّ المحرومون والمهمشون عن التحرك والنضال. إنه يريد تفكيك منظومة الانتظام النقابي والجمعوي والسياسي والزج بمعارضيه ومنتقديه والمحتجّين عليه في السجن حتى يبقى الكادحون والمفقّرون وعموم طبقات الشعب وفئاته دون أطر تنظيميّة وكفاحيّة بما يسهّل انتهاك حقوقهم وضرب مصالحهم. إن أقصر الطرق أمام شعبنا، لوضع حدّ لمنظومة العجز والفشل والقمع وإسقاطها، هو التمسك بالنضال المنظم والواعي والواسع طريقا للخلاص. فليكن هذا الخريف مناسبة أخرى لتوسيع النضال حول الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وافتكاكها. إن النضال مهما كان جزئيا سيعمّق وعي الجماهير تدريجيا بأنه لا تحقيق لأيّ مطلب دون حركة عارمة واعية ومنظمة وجذريّة. فمثل هذه الحركة سيكون قادرا على ترحيل منظومة الفشل وتعويضها بمنظومة ديمقراطية شعبية تحقّق مطالب العمّال والكادحين والمسحوقين في المدينة والريف وفي مقدمتهم المعطلون عن العمل من أصحاب الشهادات العليا، وتمكّنهم من أن يكونوا أسيادا في وطنهم ينعمون بالحرية والمساواة ومقوّمات العيش الكريم.
فلنجرؤ على النضال
ولنتحَدَّ القمع والخوف
صوت الشعب صوت الحقيقة
