الرئيسية / صوت الوطن / النقابة الوطنية للصحفيين أمام امتحان الاستقلالية: حين تصبح حرية الصحافة معركة وجود!
النقابة الوطنية للصحفيين أمام امتحان الاستقلالية: حين تصبح حرية الصحافة معركة وجود!

النقابة الوطنية للصحفيين أمام امتحان الاستقلالية: حين تصبح حرية الصحافة معركة وجود!

بقلم شيراز بن حسين

منذ الانقلاب الذي شهدته بلادنا، لم يستثنى أيّ هيكل نقابي أو جمعياتي من الاستهداف والهرسلة والتخويف وزرع بذور الانقسام والتشتّت سواء بطريقة علنية أو مبطّنة، حتى تحوّلت تلك الخلافات والاختلافات إلى العنصر الأهمّ بل الأبرز عوضا عن النضال ورصّ الصفوف لمواجهة خطر هذه الشعبوية الفاشية التي زحفت على كافة مفاصل البلاد ومجالاتها ومكوّناتها. فحتّى المكاسب التي تحققت بفضل الثورة شهدت تراجعا ملحوظا ولعلّ أبرزها حرية التعبير والصحافة التي نسفت، طبعا باستثناء بعض الأصوات الحرّة التي لازالت تقاوم وتناضل رغم جميع التضييقات التي فرضت.

وهذه الشعبوية التي وضعت الجميع في مرمى سهامها ترهيبا أو تخويفا أو بتوظيف الأساليب المعروفة في الاستدراج جعلت الجميع ينكبّ على معالجة بيته الداخلي كأولية أمام النضال، فجلّ مكونات المجتمع المدني والجمعيات والنقابات أصبحت هدفا لنظام ومنظومة لا تعترف بالأجسام الوسيطة بل تضعها في خانة المتآمرين والخونة وتحرّض المواطنين عليهم، ولعلّ ما عاشه الاتحاد العام التونسي للشغل، المنظّمة الشغيلة أفضل دليل. في المقابل ومن بين مكوّنات النسيج المجتمعي والنقابي ظلّت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين باعتبارها النقابة الأكثر تمثيلا لعموم الصحافيات والصحافيين في منأى عن الانقسامات العلنية التي مسّت النسيج المجتمعي والنقابي. ورغم أنها لم تكن بمعزل عن سياسة تكميم الأفواه والترهيب وسجن إعلاميين وصحافيين (مراد الزغيدي، محمد اليوسفي، زياد الهاني، برهان بسيس) وملاحقات قضائية في حقّ آخرين، إلاّ أنّها لم تتراجع عن إصدار بيناتها التي ترفض المساس بالحريات ومضايقة العمل الصحفي وعدم احترام أخلاقيات المهنة الصحفية وميثاق شرفها.

إعادة تشكيل المشهد الإعلامي

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الضغوطات على الصحافة تُختزل في منع صحفي من العمل أو التتبعات والملاحقات القضائية، فلقد أصبح المشهد أكثر تعقيدًا، بفعل تردّي الوضع الاقتصادي والاجتماعي لعموم الصحافيات والصحفيين و السجن بحقّ كل من مراد الزغيدي ومحمد اليوسفي وزياد الهاني و برهان بسيس وترهيب وتخويف عدد آخر، و العمل في بيئة تتقلص فيها مصادر المعلومات، ويصعب فيها الوصول إلى المسؤولين والمعطيات الرسمية، ويواجه في الوقت نفسه خطر التتبعات القضائية و الضغوط المهنية، يجد القطاع الصحفي نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يمارس مهنته باستقلالية في بيئة ترتفع فيها كلفة العمل الصحفي؟

وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما تتحول الضغوط المباشرة إلى رقابة ذاتية. فالرقابة الذاتية لا تحتاج بالضرورة إلى تعليمات مكتوبة، فيكفي أحيانًا أن يدرك الصحفي حدود ما يمكن نشره، وأن يعرف المسؤول الأول أو صاحب المؤسّسة كلفة تجاوز تلك الحدود، حتى يبدأ هامش الممارسة المهنية في التراجع تدريجيًا. وهنا تحديدًا يكمن أحد أخطر التحولات: أن تتحوّل الرقابة من إجراء خارجي إلى آلية داخلية تستبطنها المؤسسة والصحفي معًا.

الإعلام العمومي: من المرفق العمومي إلى سؤال الاستقلالية!

لا يمكن التحليل أو الحديث عن واقع أزمة الإعلام التونسي دون التوقّف أو الإشارة إلى الإعلام العمومي لأهميته باعتباره المرفق العمومي الممول من ضرائب التونسيين. فدون الخوض في طرق وآليات التعيينات التي أصبح عليها الحال اليوم، يصبح السؤال الأهمّ: هل يؤدّي وظيفة إعلامية مستقلة تخدم حق المواطن في المعلومة، أم أنه قد تحوّل تدريجيًا إلى إعلام البروبغندا وصوت النظام في حربه المزعومة ضدّ المعارضة المتآمرة عليه؟ فهذا السؤال ليس تقنيًا، لأن استقلال الإعلام العمومي يمثل أحد شروط التعددية الإعلامية. وإذا أصبحت التغطية الصحفية والإعلامية مرتبطة بالخطاب الرسمي أكثر من ارتباطها بالموضوعية والتعددية، فإن المواطن يفقد جزءًا من حقه في الاطلاع على زوايا مختلفة من القضايا العامة والرأي والرأي المخالف.

 وفي المقابل، لا تبدو المؤسسات الخاصة بمنأى عن الأزمة. فالأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع تجعل العديد من المؤسسات أكثر انشغالًا بضمان الاستمرارية المالية من الاستثمار في الصحافة. وقد سبق للنقابة أن وصفت القطاع بأنه يعيش أزمة مركبة تشمل الجوانب المهنية والمادية، مشيرة إلى الضغوط السياسية والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المؤسسات الإعلامية.

لماذا تصبح النقابة اليوم أكثر أهمية؟

يطرح ما تعرضت له الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري كهيئة تعديلية للمشهد السمعي والبصري بدوره سؤالًا مؤسساتيًا، فبعد تجميدها إثر الانقلاب، يصبح التوازن بين المؤسسات الإعلامية والسلطة السياسية أكثر هشاشة، فمستقبل التنظيم السمعي والبصري وتنظيمه هو، في جوهره، جزء من مستقبل التعددية الإعلامية نفسها.

وفي هذا المناخ، لا تصبح النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مجرّد منظمة مهنية تدافع عن الأجور والعقود وظروف العمل. فالدفاع عن الصحفي أصبح مرتبطًا، بصورة مباشرة، بالدفاع عن شروط ممارسة المهنة نفسها. وهذا ما يفسر أهمية الدور الذي لعبته النقابة منذ تأسيسها سنة 2008 وخلال السنوات الأخيرة في مواجهة التتبعات القضائية والتنديد بالزج في السجن في حق عدد من منظوريها والدفاع عن الصحفيين والمطالبة بتنقيح المرسوم 54 والدفاع عن استقلالية الإعلام العمومي وحق الصحفيين في النفاذ إلى المعلومة.

غير أنّ الدفاع عن الاستقلالية لا يعني فقط الانكباب على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية رغم أهميتها البالغة طبعا، فالدفاع عن جوهر المهنة الصحفية اليوم يحتاج اليوم إلى مزيد من التصدي لمحاولة الهيمنة من أذرع السلطة ومواليها ومن محاولات التأثير الداخلي. وهذه نقطة جوهرية لأن قوة النقابة لا تقاس فقط بقدرتها على إصدار البيانات، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها وتمثيل مختلف الصحفيين والتصدي لمحاولات الأنظمة للسيطرة وتحويلها من هيكل نقابي فاعل إلى هيكل نقابي دون أيّ جدوى أو فاعلية حقيقية.

فلقد أثبتت السنوات الماضية أنّ الصحافة لا يمكن أن تكون مستقلة فقط بإرادة الصحفي الفرد. فاستقلالية الصحفي تحتاج إلى مؤسسة إعلامية قادرة على حمايته، وتشريعات تضمن حقوقه، وهيئة تعديلية مستقلة، ونقابة قوية، وقضاء يحمي حرية التعبير، ومجتمع يرفض تحويل الصحفي إلى خصم لمجرد طرحه أسئلة محرجة.  لذلك، فإن المعركة التي تخوضها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين اليوم ليست معركة قطاعية بالمعنى الضيق. إنها جزء من معركة أوسع حول شكل المجال العام في تونس: هل يبقى فضاءً يسمح بالاختلاف والنقد والمساءلة، أم يتجه تدريجيًا نحو إعلام موالي ومنبطح؟

إلى الأعلى
×