
لم تعد قضية مصنع يرقات الذباب الأسود بمنزل بوزلفة مجرّد خلاف حول مشروع استثماري أو مخاوف بيئية عبّر عنها الأهالي، بل أصبحت أزمة خطيرة بلغت حدّ سقوط ضحية واحتراق المصنع، بما يطرح أسئلة ملحّة حول حقيقة هذا الاستثمار، ومسار الترخيص له، ومسؤولية الأطراف المعنية عمّا آلت إليه الأوضاع.
شهدت منزل بوزلفة تحرّكات احتجاجية متتالية ضدّ إقامة المصنع ونشاطه، اتّسعت المشاركة فيها وتنوّعت الفئات المنخرطة فيها. وتعكس هذه التحرّكات إصرار الأهالي على الدفاع عن حقهم في بيئة سليمة، ومعرفة حقيقة المشروع وآثاره المحتملة على حياتهم اليومية ومستقبل منطقتهم.
ولا يمكن فصل تصاعد الاحتجاجات عن طريقة تعاطي السلطات مع الملف. فقد ساهم غياب الشفافية والمماطلة وعدم تقديم إجابات واضحة عن تساؤلات المواطنين في تعميق أزمة الثقة وتأجيج الاحتقان. وحين تترك المخاوف معلّقة ولا تنشر المعطيات والدراسات والوثائق اللازمة، يتحوّل الغموض إلى عامل إضافي لتوتير الأوضاع بدل احتوائها.
إنّ تفسير أسباب الاحتقان لا يعني تبرير العنف أو حرق المصنع، بل يقتضي فهم السياق الذي قاد إلى هذا التصعيد، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع والتحقيقات. فكشف حقيقة ما جرى ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته ضرورة لا تتعارض مع حق الأهالي في الاحتجاج والدفاع عن بيئتهم.
وفي هذا السياق، أصدر حزب العمال، عبر لجنته الجهوية بنابل، بيانين بشأن القضية. وقد عبّر البيان الثاني، الصادر يوم 22 أكتوبر، عن التعزية لعائلة الضحية والتضامن مع الأهالي، وحمّل صاحب المصنع المسؤولية المباشرة، كما نبّه إلى مسؤولية السلطات عن تفاقم الأزمة نتيجة غياب الشفافية والمماطلة والتعامل مع الملف بمنطق المنطقة الرمادية، بدل تقديم الحقائق واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين.
قرمبالية: رفض بلدي ورخصة من سلطات أعلى
إنّ المعطيات المتداولة بشأن مسار الترخيص لمصنع الذباب الأسود بقرمبالية تطرح أسئلة جدية حول منظومة إسناد التراخيص ومدى احترام القوانين المنظمة للأنشطة ذات التأثيرات البيئية.
فوفق المعطيات الواردة بشأن الملف، حاول المستثمر سنة 2019 الحصول على رخصة للانتصاب في كلّ من منزل بوزلفة وقرمبالية، لكن البلديتين رفضتا المشروع بقرارات معلّلة. غير أنّ المجلس البلدي بقرمبالية فوجئ لاحقا بإسناد الترخيص من سلطات أعلى، كما أشرف المعتمد وممثلون عن الولاية على افتتاح المصنع دون دعوة رئيس المجلس البلدي، وفق ما ورد بشأن الواقعة.
ويطرح هذا التسلسل أسئلة لا يمكن تجاوزها: كيف جرى إسناد الترخيص بعد الرفض البلدي؟ ومن هي الجهة التي اتخذت القرار، وعلى أيّ أساس قانوني وبيئي استندت؟ ولماذا جرى تهميش موقف المجلس البلدي؟ إنّ نشر الوثائق المتعلقة بمسار الترخيص ضروري لتحديد مدى احترام القانون والتحقق مما إذا كانت هناك تجاوزات مكّنت المستثمر من تجاوز الاعتراضات المحلية.
وفي السياق نفسه، صرّح أحد المعتصمين بمنزل بوزلفة، وهو من المهتمين بالشأن البيئي، بأنّه يعلم منذ سنة 2019 أنّ المستثمر نفسه بدأ تجهيز الفرع في الموقع الحالي بقرمبالية، تمهيدا لتوسيع النشاط عبر تربية الذباب وإكثار اليرقات هناك، ثم نقلها إلى منزل بوزلفة لاستكمال نموّها ومعالجتها. وتستوجب هذه الشهادة التثبت، كما تطرح تساؤلات حول طبيعة المشروع منذ بدايته ومدى وضوح خطته ومراحله أمام السلطات والأهالي.
إنّ هذه المعطيات، إذا تأكدت تفاصيلها بالوثائق والتحقيقات، قد تكشف عن خلل خطير في منظومة إسناد التراخيص والرقابة على الأنشطة ذات المخاطر البيئية. ومن حق المواطنين المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون. فالاستثمار لا يمنح صاحبه امتيازا فوق القانون، ولا يبرّر التضحية بصحة السكان وبيئتهم.
مخاطر بيئية وأسئلة بلا إجابات
تزداد خطورة القضية بالنظر إلى موقع مصنع منزل بوزلفة بالقرب من المناطق السكنية والمؤسسات التربوية والمستشفى المحلي. ويثير ذلك تساؤلات حول ملاءمة الموقع، وسلامة الاحتياطات البيئية والصحية، وآليات نقل المواد العضوية ومعالجتها، والانعكاسات المحتملة على الهواء والماء والتربة وصحة السكان.
كما تداول المحتجّون تقديرات بشأن نقل نحو 200 طن من النفايات العضوية يوميا إلى المصنع، وهي كمية تستوجب توضيحا رسميا: كيف ستُنقل هذه الكميات؟ ومن أين ستأتي الشحنات؟ وما إجراءات المراقبة والسلامة المعتمدة؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالتطمينات العامة، بل بنشر الدراسات والمعطيات الفنية وإخضاعها لتقييم علمي مستقل وشفاف.
وقد لجأت إدارة المصنع، في مرحلة متأخرة، إلى استراتيجية اتصالية للدفاع عن مشروعها وتطمين الرأي العام، غير أنّ بعض الخبراء أشاروا إلى ما اعتبروه مغالطات علمية في الخطاب المروّج له. لذلك، لا يمكن إنهاء الجدل بالدعاية أو الصمت، بل بتوفير المعلومات التي تسمح للرأي العام بتقييم المشروع على أساس علمي وموضوعي.
العمال والأهالي: مصالح مشتركة لا مواجهة مفتعلة
ومن المشاهد الدالّة على تعقّد الأزمة ما جرى في فرع الشركة بقرمبالية، حين احتجّ عدد من العمال أمام مقر الولاية مطالبين بإعادة فتح المصنع بعد إيقاف نشاطه مؤقتا. ومباشرة إثر هذه الوقفة، نقلهم صاحب المصنع بالحافلات ونظّم لهم مأدبة غداء في مصنعه بمنزل بوزلفة، وهو ما وضع العمال في احتكاك مباشر مع المعتصمين من أهالي المدينة الذين نصبوا خيمة أمام المصنع منذ أيام.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة حول توظيف هشاشة العمال وحاجتهم إلى مورد رزقهم للضغط من أجل إعادة فتح المصنعين بقرمبالية ومنزل بوزلفة. فالعامل الذي يخشى فقدان مورد رزقه لا ينبغي أن يتحوّل إلى أداة في يد صاحب المؤسسة، كما لا يجوز وضعه في مواجهة الأهالي الذين يدافعون عن صحتهم وبيئتهم.
فالمصلحة الحقيقية للعمال لا تتعارض مع مصلحة السكان؛ إذ لا معنى للعمل اللائق إذا كان على حساب الصحة، ولا تنمية حقيقية تخيّر الناس بين لقمة العيش وسلامتهم. والمسؤولية لا تقع على عاتق العمال الذين يخشون البطالة، بل ينبغي البحث عنها في الظروف التي تجعلهم عرضة للضغط والاستغلال، وفي غياب التأطير النقابي القادر على الدفاع عن حقوقهم واستقلالية قرارهم.
وهنا تبرز أهمية دور الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي لا يقتصر على المطالبة بإعادة فتح المؤسسة أو المحافظة على مواطن الشغل، بل يشمل حماية كرامة العمال وتأطير تحركاتهم ومنع استغلال حاجتهم الاقتصادية لخدمة مصالح أرباب العمل. وكان من المفترض أن يتشكّل داخل المصنع هيكل نقابي أساسي يتيح للاتحاد الاضطلاع بدوره الطبيعي في الدفاع عن حقوق العمال، بدل تركهم عرضة للضغط والاستغلال.
ويطرح ذلك سؤالا سياسيا حول المناخ الذي تعمل فيه المنظمة النقابية، في ظلّ حكم شعبوي يضيّق المجال أمام العمل المنظّم والمستقل. فإضعاف التأطير النقابي لا يخدم العمال، بل يتركهم أكثر عرضة لعسف الأعراف، ويجعل توظيف حاجتهم الاقتصادية في الصراعات الاجتماعية أمرا أيسر.
إنّ العمال والأهالي ليسوا خصمين؛ فكلاهما معنيّ بالعمل اللائق والعيش الكريم والحق في بيئة سليمة. أمّا وضعهم في مواجهة بعضهم بعضًا فلا يخدم إلا مصالح المستثمر، ويزيد الأزمة تعقيدا بدل إيجاد حلّ لها.
أيّ تنمية ولمن تعود الأرباح؟
برز دور مكونات المجتمع المدني والنشطاء والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام في نقل انشغالات الأهالي إلى الرأي العام وإثارة الأسئلة حول المخاطر البيئية والصحية والحصيلة الاقتصادية والاجتماعية الفعلية للمشروع. وقد ساند حزب العمال، عبر لجنته الجهوية بنابل، نضالات الأهالي، ونبّه إلى غياب الشفافية، ودعا إلى كشف حقيقة الملف وإجراء تقييم مستقل وفتح حوار جدي مع السكان.
فليس كافيا تقديم أي مشروع باعتباره استثمارا يخلق الثروة أو يساهم في التنمية؛ بل ينبغي التثبت من عدد مواطن الشغل التي يوفرها، وطبيعتها وظروفها، ومدى إسهامه في الاقتصاد المحلي، والقيمة التي يضيفها للمنطقة مقارنة بالأعباء والمخاطر التي قد تتحملها.
والسؤال الجوهري هنا: من المستفيد فعليا من هذا الاستثمار؟ هل تعود عائداته بالنفع على المنطقة وأهلها، أم تُصدّر الأرباح بينما تبقى المخاطر والأعباء الصحية والبيئية على كاهل السكان؟
إنّ الاستثمار لا يُقاس بحجم رأس المال وحده، ولا بمجرد توجيه الإنتاج إلى التصدير، بل بما يوفّره من عمل لائق، وما يضيفه إلى الاقتصاد المحلي، ومدى احترامه للبيئة وصحة الإنسان وحقوق العاملين وكرامتهم. لذلك، تتحمّل السلطات المعنية مسؤولية نشر الدراسات البيئية والصحية والتراخيص والشروط التي أُسند على أساسها الترخيص للمشروع، والتحقق من احترامه للقوانين والالتزامات البيئية، وإخضاعه لتقييم مستقل وشفاف، مع إشراك الأهالي وممثليهم في القرارات المتعلقة بمستقبل منطقتهم.
وبعد دفع منزل بوزلفة “لضريبة الدم” واحتراق المصنع، لم يعد مقبولا الاكتفاء بإدارة الأزمة أو محاولة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. المطلوب كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، والتحقيق في مسار إسناد التراخيص ومدى احترام شروط السلامة البيئية، ووضع حدّ للغموض الذي أحاط بالملف.
إنّ منزل بوزلفة ليست ضدّ الاستثمار في حدّ ذاته، بل ضدّ استثمار لا يضع صحة الإنسان وكرامته وحقه في بيئة سليمة في صدارة أولوياته. ومن حق أهلها أن يطالبوا برحيل المصنع نهائيا، وأن يدافعوا عن نموذج تنمية يحترم الإنسان والبيئة ويعود بالنفع على المجتمع المحلي.