الرئيسية / صوت العالم / فرنسا: حين تتحول الأزمة الاقتصادية إلى صراع اجتماعي
فرنسا: حين تتحول الأزمة الاقتصادية إلى صراع اجتماعي

فرنسا: حين تتحول الأزمة الاقتصادية إلى صراع اجتماعي

بقلم عمر الهمامي

ما يحدث في فرنسا اليوم ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، ولا خلافًا تقنيًا حول مشروع ميزانية أو نسبة من العجز. خلف المظاهرات والإضرابات والاحتجاجات الطلابية يقف سؤال أعمق: من يتحمل كلفة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومن يستفيد من الخيارات التي تُتخذ باسم إنقاذ الاقتصاد؟

تعيش فرنسا منذ سنوات تحت ضغط متزايد من ارتفاع الدين العام، وضعف النمو، وارتفاع تكاليف الطاقة والمعيشة، فيما تواجه الدولة ضغوطًا متواصلة لتقليص العجز. وفي مواجهة ذلك، تتجه الحكومة إلى إجراءات تستهدف الإنفاق العمومي وتجميد بعض الأجور والمعاشات، وهو ما أثار اعتراض النقابات وقطاعات واسعة من الموظفين والعمال.

 لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن طبيعة النظام الاقتصادي نفسه. فحين تقع الأزمة، يصبح السؤال حول توزيع الخسائر مركزيًا: هل تُحمّل الشركات وأصحاب الثروات ورأس المال الجزء الأكبر من الكلفة، أم يتحملها أصحاب الأجور والموظفون والمتقاعدون ومستخدمو الخدمات العمومية؟

وهنا يظهر البعد الطبقي للأزمة.

فالمدرس الذي يواجه اكتظاظ الأقسام ونقص المدرسين، والعامل الذي يكافح للحفاظ على قدرته الشرائية، والموظف الذي يواجه تجميد الأجور، والطالب الذي يجد مؤسسة تعليمية تعاني نقص الموارد، جميعهم يواجهون نتائج ملموسة لسياسات اقتصادية ومالية تُتخذ على مستوى الدولة.

وفي المقابل، تُقدَّم المحافظة على التوازنات المالية وثقة الأسواق وخفض الدين باعتبارها ضرورات لا بديل عنها. غير أن السؤال الذي تطرحه الحركة الاجتماعية هو: ضرورات بالنسبة إلى من؟

هذه النقطة تحديدًا تجعل الاحتجاجات الفرنسية تتجاوز المطالب القطاعية. فالإضراب من أجل الأجر لا يتعلق بالأجر وحده، والاحتجاج من أجل المدرسة لا يتعلق بالمدرسة وحدها؛ إنهما جزء من صراع أوسع حول شكل المجتمع الذي تريد الدولة بناءه، وحول العلاقة بين العمل والثروة والإنفاق العام.

ومن هنا تكشف الأزمات الرأسمالية بصورة أوضح التناقض بين الإنتاج الاجتماعي للثروة وبين الملكية الخاصة لجزء كبير منها. فالثروة تُنتج بعمل ملايين الأشخاص، لكن توزيعها لا يتم بصورة متساوية، وعندما تظهر الأزمات يصبح التفاوت أكثر وضوحًا.

هذا لا يعني أن كل متظاهر في فرنسا يتبنى التحليل نفسه، ولا أن الحركة الاحتجاجية موحدة سياسيًا أو فكريًا. فالنقابات لها مطالبها، والطلاب لهم مطالبهم، والقطاعات المهنية المختلفة لها حساباتها، كما توجد داخل الحركة الاجتماعية اتجاهات سياسية متعددة ومتناقضة أحيانًا.

لكن المشترك بينها هو رفض أن تكون الطبقات الشعبية هي الطرف الذي يدفع وحده ثمن الأزمة.

إن الدفاع عن الخدمات العمومية ليس مسألة تقنية. المدرسة والمستشفى والنقل والخدمات الاجتماعية هي، بالنسبة إلى ملايين المواطنين، حقوق أساسية وليست سلعًا يمكن التعامل معها فقط بمنطق الربح والخسارة. وعندما يؤدي التقشف إلى إضعاف هذه الخدمات، فإن أثره لا يتوزع بالتساوي؛ فالفئات الأكثر ثراء تستطيع تعويض جزء من تراجع الخدمة العامة باللجوء إلى القطاع الخاص، بينما تعتمد الطبقات الشعبية عليها بصورة أكبر.

ومن هنا يمكن فهم الغضب الذي يتصاعد في الشارع الفرنسي. فالمسألة بالنسبة إلى كثير من المحتجين ليست فقط مقدار الزيادة في الأجر، وإنما الشعور بأن نموذجًا اقتصاديًا كاملًا يطلب منهم باستمرار تقديم التضحيات، بينما تبقى الثروة مركزة في أعلى الهرم الاجتماعي.

إن الأزمة الفرنسية تفتح من جديد النقاش حول معنى العدالة الاجتماعية في مجتمع رأسمالي متقدم: هل تكون الأولوية لضبط الحسابات المالية مهما كانت الكلفة الاجتماعية، أم لإعادة توزيع الثروة وحماية الخدمات العامة والقدرة الشرائية؟

لا توجد إجابة واحدة يتفق عليها الفرنسيون، لكن الشارع قدّم إجابة واضحة عن شيء آخر: أن قطاعات واسعة من المجتمع لم تعد مستعدة لقبول أن تُتخذ القرارات الاقتصادية بعيدًا عن آثارها على حياة الناس.

ولهذا فإن متابعة ما يجري في فرنسا لا ينبغي أن تقتصر على أعداد المتظاهرين أو حجم الإضرابات. الأهم هو فهم الصراع الاجتماعي الذي يقف خلفها: صراع حول الأجور، والثروة، والخدمات العمومية، ودور الدولة، ومن يتحمل كلفة الأزمات.

وفي هذا المعنى، تبدو الاحتجاجات الفرنسية جزءًا من سؤال أوسع يطرح نفسه في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة: حين تتراكم الأزمات، هل يدفع ثمنها من يملك أقل، أم يعاد توزيع الثروة والعبء الاقتصادي بصورة أكثر عدالة؟

ذلك هو جوهر الصراع الاجتماعي الذي يخرج اليوم إلى شوارع فرنسا، وهو أيضًا السبب الذي يجعل هذه الاحتجاجات تتجاوز حدود الميزانية الفرنسية لتصبح مناسبة جديدة للنقاش حول مستقبل النموذج الاقتصادي والاجتماعي نفسه.

إلى الأعلى
×