الرئيسية / عربي / فلسطين في الجمعية العامة: الكرسيّ الفارغ الذي ملأ القاعة
فلسطين في الجمعية العامة: الكرسيّ الفارغ الذي ملأ القاعة

فلسطين في الجمعية العامة: الكرسيّ الفارغ الذي ملأ القاعة

بقلم كوثر الباجي

في حين أن الفلسطينيون حُرموا من تأشيرةٍ إلى مقرّ العالم، بينما مُنحت لنتنياهو تأشيرةٌ إلى منصة الإدانة؛ لم تكن القاعة مجرّد قاعة، بل مسرحاً لسرديتين تتصارعان على شرعيّة الحضور.

في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تجلس الدول متساويةً نظرياً في السيادة والكرامة، تتحوّل المقاعد أحياناً إلى شواهدَ على ما لا يُقال. يوم الخميس، 24 سبتمبر 2026، لم يكن المشهد الدبلوماسي في نيويورك مجرد دورة عادية من دورات الجمعية العامة، بل كان اختباراً عارياً لمعنى المساواة بين الأمم. ففي الوقت الذي وُضع فيه رئيسُ وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو على منصّة الخطابة – المنصة ذاتها التي وقف عليها قادة العالم منذ عقود – لم يجد أمامه سوى مقاعد فارغة تتحدث بصوت أعلى من أي خطاب. وبينما كانت الوفود تنسحب كموجة مترامية، كان الشعب الفلسطيني ممثلاً برئيسه محمود عباس عبر شاشة فيديو، محاصراً بين جدارين: جدار أمريكي يرفض منحه تأشيرة دخول للعام الثاني على التوالي، وجدار إسرائيلي يواصل حربه على غزة.

وبالتالي بين الكرسيّين الفارغين للوفد الفلسطيني، والمنصة المشغولة لنتنياهو، دارت معركةٌ رمزيةٌ كبرى، لا تقلّ ضراوةً عن المعارك التي تدور على الأرض.

أولاً: تأشيرةُ الحضور وتأشيرةُ الغياب.. ازدواجيةٌ مكشوفة

فمن جهة كان منعُ الوفد الفلسطيني من دخول الولايات المتحدة قراراً سياسياً بامتياز، يحمل في طياته رسائلَ متعددة الأبعاد. حيث رفضت واشنطن منحَ الرئيس محمود عباس والوفد المرافق له تأشيراتٍ للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، وهو إجراءٌ تكرر للعام الثاني على التوالي، في سابقةٍ لم تعهدها الأعراف الدبلوماسية الأمريكية مع الدول المضيفة للأمم المتحدة.

في المقابل، ما يثير الاستغراب أكثر هو التناقض الصارخ في المعاملة: ففي حين حُرمت فلسطين، بصفتها دولةً مراقِبةً في الأمم المتحدة، من حقّ الحضور المادي، مُنح نتنياهو، الذي يواجه اتهاماتٍ جدية بارتكاب جرائم حرب وفقاً لتقارير دولية ومذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، تأشيرةً كاملةً للحضور والخطابة. هذا التناقض لا يمكن تبريره بحججٍ إجرائية، بل هو تعبيرٌ صريحٌ عن “دبلوماسيةِ الإقصاء” التي تمارسها الإمبريالية الأمريكية، حيث لا تُستخدم أدواتُ الدولة المضيفة لتسهيل العمل الدولي، بل لخدمة أجنداتٍ سياسية أحادية الجانب.

وبناءً على ذلك، أدانت السلطة الفلسطينية هذا القرار بشدة، معتبرةً إياه انتهاكاً صريحاً لاتفاقية مقرّ الأمم المتحدة لعام 1947، التي تُلزم الولايات المتحدة بتسهيل دخول ممثلي الدول الأعضاء. علاوة على ذلك انضمت 152 دولة إلى مطالبة واشنطن بالتراجع عن قرارها، في مؤشرٍ على أن المجتمع الدولي، أو على الأقل أغلبيته الساحقة، لم يعد يقبل هذه الممارسات بصمت.

فيما تحركت الجمعية العامة نفسها باعتماد قرار في 17 سبتمبر يسمح لعباس بإلقاء خطابه عبر الفيديو المسجل، في خطوة تعكس عزلة واشنطن المتزايدة في هذا الملف. إلا أن هذا الحل الافتراضي لم يكن سوى ترقيع لنظام دولي يتهالك تحت وطأة الانحياز الأمريكي الأعمى للكيان الصهيوني.

اللافت للنظر أن هذا القرار لم يكن الأول من نوعه؛ بل جاء تكراراً لما حدث في العام السابق، مما يشير إلى نمط ممنهج من تقييد الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية. وكأن واشنطن تريد للفلسطينيين أن يظلوا “حاضرين غياباً”، يخاطبون العالم من خلف الشاشات، بينما يُمنح قادة الاحتلال منصة كاملة يخاطبون منها العالم بلا رقيب.

ثانياً: كلمةٌ مسجلةٌ ورسائلُ مباشرة

وبالتوازي مع هذا الإقصاء المادي، لم يُرد الرئيس الفلسطيني أن يكون غيابه المادي غياباً سياسياً، فاختار أن يُلقي كلمته عبر تسجيلٍ مصوّرٍ مسبق، وهو ما منحَ مداخلته بُعداً درامياً إضافياً. فالصورة التي بثّها التلفزيون الرسمي الفلسطيني لعباس وهو يخاطب العالم من رام الله، بينما كان من المفترض أن يكون في نيويورك، كانت في حدّ ذاتها رسالةً بصريةً قوية.

وفي هذا الإطار، افتتح عباس مداخلته بالتنديد بقرار المنع، معتبراً إياه «إجراءً غير مبررٍ يتعارض مع التزامات واشنطن كدولة مضيفة»، وهو توصيفٌ دقيقٌ قانونياً وسياسياً. لكنه لم يتوقف عند الشكوى، بل مضى إلى طرح رؤيةٍ واضحة للسلام، مؤكداً أن شعب فلسطين باقٍ على أرضه، ولن تُجديه سياساتُ الإقصاء والإبعاد.

ما يلفت النظر في مضمون الكلمة هو توقيتها ومضمونها. فقد جاءت في وقتٍ تشهد فيه المنطقة توتراتٍ متصاعدة، وفي وقتٍ تتزايد فيه الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار في غزة. وقد ركّز عباس على ثلاثة محاور رئيسية: الأول هو التأكيد على الحق الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية – مع ؛ والثاني هو إدانة الاستعمار الاستيطاني والتطهير العرقي في الضفة الغربية والقدس؛ والثالث هو المطالبة بمحاسبة المسؤولين الصهاينة أمام العدالة الدولية.

ووصف ما يحدث في غزة بأنه «قتل ودمار وتجويع ومحاولات للتهجير القسري وحرب إبادة جماعية»، محذراً من أن «التطرف الصهيوني يوسع مشروعه الاستعماري لإقامة ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”».

المفارقة الأخلاقية في هذا الخطاب أنه لم يكتفِ بوصف المعاناة، بل وجه نداءً مباشراً لواشنطن للوفاء بالتزاماتها بمنع ضم الأراضي الفلسطينية، ودعا الدول التي حظرت منتجات المستوطنات الصهاينة إلى مواصلة جهودها. لكنه في الوقت نفسه، كان يدرك أن صوته – رغم صدقه – يصل من خلف شاشة، بينما يمتلك نتنياهو منصة كاملة.

ومن المثير للتأمل أن كلمةً مسجلةً، أُلقيت في غياب صاحبها، حققت حضوراً إعلامياً وسياسياً يفوق كثيراً ما كانت ستحققه كلمةٌ مباشرة. فالغياب المادي تحوّل إلى حضورٍ رمزيٍ أقوى، إذ جعل العالمَ كلّه يرى صورةَ الرئيس الذي مُنع من دخول مقرّ الأمم المتحدة، بينما جلس على منصتها من هو مطلوبٌ دولياً.

ثالثاً: انسحابُ الوفود ورمزيةُ المقاعد الفارغة

وعلاوة على ذلك، لم يقتصر التناقض على الجانب الفلسطيني فحسب، بل تجسد بشكل عملي عبر انسحاب الوفود ورمزية المقاعد الفارغة.

فما أن أعلن رئيسُ الجمعية العامة عن بدء كلمة الكيان الصهيوني، حتى بدأت الوفود بالنهوض ومغادرة القاعة، في مشهدٍ انسحابيٍ جماعيٍ لم يُشهد مثله من قبل بهذه الكثافة. عشراتُ المندوبين، تقدر التقارير عدد الوفود التي غادرت أو أخلت مقاعدها بـ77 وفداً، من دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ وأفريقيةٍ وآسيويةٍ وأوروبيةٍ وأمريكية لاتينية، خرجوا بشكلٍ منسّقٍ أو شبه منسّق، تاركين خلفهم مقاعدَ فارغةً كانت تتحدث بصوتٍ أعلى من أي خطاب.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن نتنياهو اختار أن يرد على هذا الانسحاب بالتصعيد اللفظي. فوصف المنسحبين بأنهم «جبناء أخلاقياً»، ثم استدرك قائلاً: «إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا القاعة، فالرجاء فعل ذلك الآن». هذا التصعيد اللفظي لم يكن مجرد رد فعل انفعالي، بل كشف عن فهم عميق للشرخ الذي أحدثه الانسحاب: فالمقاعد الفارغة لم تكن مجرد غياب جسدي، بل كانت شهادة أخلاقية على أن الكيان الغاصب قد فقد رصيده من الشرعية الدولية.

هذا الانسحاب ليس مجردَ بروتوكولٍ دبلوماسي، بل هو “لغةُ الجسد الدبلوماسي” التي تعبّر عن رفضٍ أخلاقي وسياسي. فهو يقول إن بعضَ الأصوات لا تستحق أن يُستمع إليها في المحافل الدولية، وإن وجودَ متهمٍ بارتكاب جرائم حرب على منصة الأمم المتحدة هو إهانةٌ لضحايا تلك الجرائم. وقد تكرّر هذا المشهد من العام الماضي، مما يعني أنه تحوّل إلى “تقليدٍ احتجاجي” جديد في العمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف.

لكن ما يثير التحليل أيضاً هو الوفود التي بقيت في القاعة. تلك الوفود، التي تمثل في غالبيتها حلفاءَ استراتيجيين للكيان الصهيوني أو دولاً ذات مصالحَ خاصة، اختارت أن تبقى وتستمع، بل إن بعضها صفّق في نهاية الكلمة. هذا البقاء ليس حياداً، بل هو موقفٌ سياسيٌ بامتياز، يعكس الانقسام العميق في الأسرة الدولية حول كيفية التعامل مع الملف الفلسطيني. فالمقاعد الممتلئة والمقاعد الفارغة شكّلت معاً خريطةً جيوسياسيةً جديدة، أكثر وضوحاً من أي قرارٍ للأمم المتحدة.

ومن التفاصيل الرمزية اللافتة ما رصدته عدساتُ المصورين لصهيوني يتجول بين المقاعد الفارغة ويدوّن ملاحظات، في مشهدٍ بدا وكأنه محاولةٌ لتوثيق “المقاطعين”، أو ربما لقراءةِ خريطة العزلة الإسرائيلية من زاويةٍ أخرى.

رابعاً: شوارعُ نيويورك تشهد.. المظاهرات وخلفياتها

لم يكن الصراعُ على الشرعية محصوراً داخل أسوار الأمم المتحدة، بل انتقل إلى شوارع نيويورك، حيث تزامنت الجلسة مع مظاهراتٍ حاشدةٍ نظمتها حركاتٌ مؤيدةٌ للفلسطينيين ومنظماتُ حقوقية. مئاتُ المتظاهرين توافدوا إلى محيط مقرّ الجمعية العامة، رافعين لافتاتٍ تندد بالحرب على غزة، وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وبمحاسبة المسؤولين الصهاينة.

خلفياتُ هذه المظاهرات متعددةٌ ومتشابكة. أولاً، هناك غضبٌ شعبيٌ عالميٌ متنامٍ على ما يجري في غزة، حيث تجاوز عدد الضحايا المدنيين أعدادٍ لم تعهدها الحروب الحديثة. ثانياً، هناك استياءٌ من ازدواجية المعايير التي تمارسها العواصم الغربية، والتي تتحدث عن حقوق الإنسان في أوكرانيا مثلاً، لكنها تصمت أو تتواطأ حين يتعلق الأمر بفلسطين. ثالثاً، هناك حركةٌ عالميةٌ متصاعدةٌ لمقاطعة كيان الاحتلال وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه(BDS)، وهي حركةٌ تجد في التجمعات الدولية فرصةً لتوسيع قاعدتها.

وقد بلغت الاحتجاجات ذروتها حين أحرق بعضُ المتظاهرين دميةً تمثل نتنياهو، في رسالةٍ رمزيةٍ ترفض تطبيعَ وجوده على المنصة الدولية. وتجاوزت المظاهرات حدودَ التعبير السلمي، إذ اعتقلت شرطة نيويورك أكثر من 103 متظاهرين، في مؤشرٍ على أن الدولة المضيفة، التي منعت عباس من الدخول، لم تتردد أيضاً في قمع الأصوات المعارضة لسياسات حليفها.

خامساً: ماذا يعني كلُّ هذا؟

إن ما حدث في نيويورك ليس مجردَ حادثةٍ دبلوماسية عابرة، بل هو مؤشرٌ على تحولاتٍ عميقةٍ في النظام الدولي.

أولاً، هناك تآكلٌ متسارعٌ في شرعية المؤسسات الدولية، حين لا تُستخدم أدواتُها لخدمة العدالة، بل لخدمة مصالحَ أحادية.

ثانياً، هناك صعودٌ لحركاتٍ شعبيةٍ عالمية لم تعد تقبل بالروايات الرسمية، وتبحث عن بدائلَ للتعبير عن إرادتها.

ثالثاً، هناك عزلةٌ متزايدةٌ للكيان الصهيوني، حتى بين حلفائه التقليديين، حيث بدأت الفجوة بين الموقف الرسمي لبعض الحكومات والموقف الشعبي للشعوب الغربية تتسع بشكلٍ غير مسبوق.

إن منعَ عباس من الحضور لم يُضعف الموقف الفلسطيني، بل على العكس، فقد حوّله إلى ضحيةٍ مرئيةٍ للازدواجية الدولية. والانسحابُ الجماعي للوفود لم يكن مجردَ احتجاج، بل كان تصويتاً أخلاقياً ضد التطبيع مع الإفلات من العقاب. والمظاهراتُ في الشوارع كانت تعبيراً عن وعيٍ عالميٍ جديد، لم يعد يقبل بأن تُختزل القضية الفلسطينية في أرقامٍ وإحصاءات، بل يطالب بالعدالة كشرطٍ لأي سلامٍ حقيقي.

في نهاية المطاف، تبقى القاعةُ فارغةً جزئياً، لكن الضميرَ العالمي لم يعد كذلك. إن الكرسيّين الفارغين للوفد الفلسطيني لم يكونا علامةَ ضعف، بل كانا مرآةً عكست عيوب النظام الدولي. والمنصةُ التي وقف عليها نتنياهو لم تكن منصةَ انتصار، بل كانت منصةَ محاكمةٍ شعبيةٍ أمام كاميرا العالم.

إن دبلوماسيةَ الإقصاء التي تمارسها الإمبريالية الأمريكية قد تساهم في منعِ الأجساد من الدخول، لكنها لن تنجح أبداً في منعِ الأفكار من الانتشار، ولا في منعِ العدالة من أن تجد طريقها في النهاية. فالتاريخ يُعلّمنا أن الشعوب التي تُحرم من حقها في الحضور، لا تغيب أبداً، بل تتحول إلى صوتٍ لا يُسكت، وإلى قضيةٍ لا تُنسى.

وإذا كانت نيويورك قد شهدت هذا التناقض الصارخ بين الحضور والغياب، فإن العالم بأسره بات اليوم يشهد على أن العدالة ليست مجردَ شعاراتٍ تُرفع في القاعات، بل هي مطلبٌ شعبيٌ يتصاعد في الشوارع، ويكتب فصوله في كل يومٍ جديد، حتى لو كانت أقلامه من دمٍ ودموع.

إن التحول في الموقف الأمريكي، وصعود المعارضة للكيان الصهيوني داخل أمريكا نفسها، هو مؤشرٌ على أن التغيير قادم، وإن كان ببطء. وأن الدعم الأعمى للكيان المحتل لم يعد يخدم المصالح الأمريكية الحقيقية، ولا يتوافق مع القيم التي تدّعي أمريكا الدفاع عنها. وإن كان نتنياهو قد عاد إلى تل أبيب بعد ثماني ساعات فقط، فإن الرسالة التي تركها وراءه في نيويورك كانت واضحة: أن العزلة تتسع، وأن المحاسبة تقترب، وأن زمن الإفلات من العقاب ولّى إلى غير رجعة.

إلى الأعلى
×