بقلم وليد المرداسي
تجاوزت الحرب اليمنية السعودية مربعاتها التقليدية، ولم تعد حسابات الميدان خاضعة لمعادلات الرد بالمثل أو السقوف المحكومة بقواعد الاشتباك السابقة كـالمطار بالمطار أو الحصار بالحصار، بل إننا أمام انعطافة استراتيجية حادة حوّلت المواجهة إلى حرب وجودية مفتوحة، تفرض فيها التطورات العسكرية الأخيرة تكتيكات غير مسبوقة تضع المحور اليمني المقاوم في موضع المبادر القادر على نقل كلفة الحرب إلى العمق للطرف الآخر، ومخلّفة واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز القدرة الإقليمية على الاحتواء؛ وهذا التحول يفرض جملة من التساؤلات حول طبيعة المنعرجات العسكرية والأمنية التي نقلت المعركة من مرحلة الدفاع التقليدي إلى استراتيجية الهجوم الوجودي الشامل، ومدى قدرة هذه القواعد المبتكرة على إحداث انزلاقات غير محسوبة في المشهد الإقليمي وسط خيارات محدودة للطرف السعودي للرد دون السقوط في دوامة استنزاف تقوض أمنه القومي، وصولاً إلى كيفية انعكاس هذا التطور الميداني الجديد على مسارات التفاوض السياسي، وهل باتت القوى الدولية مجبرة على الاعتراف بالمعادلة اليمنية الجديدة كأمر واقع لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.
- من معادلات الردع التقليدية الى نقل كلفة الحرب إلى العمق السعودي
في السنوات الأولى للصراع، تحركت الآلة العسكرية اليمنية ضمن ما يمكن تسميته “الدفاع الموضعي والرد المتناسب”؛ وهي مرحلة كانت ضرورية لامتصاص الصدمات وبناء الترسانة تحت ظروف الحصار الخانق، غير أن المنعرج الحالي يكمن في تجاوز استراتيجية (المطار بالمطار) التي كانت تعتمد على إيجاد توازن تكتيكي ميداني، نحو استراتيجية ما يمكن لنا تسميته اليوم بأفق حرب «وجودية وشاملة”.
هذا التحول المكثف الأخير يعيد صياغة مفهوم “الهدف العسكري”؛ فلم يعد الهدف نقطة تجمع على الحدود أو قاعدة جوية يمكن ترميمها، بل أصبح المستهدف هو “العصب الحيوي” الذي تنهض عليه البنية السياسية والاقتصادية للطرف الآخر. عندما تنتقل كلفة الحرب إلى المراكز الحيوية لمدن العصب الاقتصادي و السياسي للطرف السعودي، فإن اليمن لا يضرب أهدافاً مادية فحسب، بل يضرب “النموذج الاستقراري” الذي تسوّق له قوى العدوان لجذب الرساميل والاستثمارات العالمية بمنطقة شرق الأوسط، وعليه فإن هذا التحول ينقل المعركة من صراع على حدود جغرافية إلى صراع على البقاء البنيوي الاقتصادي و السياسي للطرف الآخر، مما يجعل الاستمرار في الحرب انتحاراً بطيئاً للجانب السعودي .
- الانزلاقات المحتملة وضيق الخيارات الدفاعية
إن هذا التحول النوعي والمبتكر من قبل المحور اليمني يفرض تساؤلات حرجة حول مدى حساسية هذه القواعد الجديدة للحرب على إحداث انزلاقات غير محسوبة في المشهد الإقليمي، حيث إن الطرف السعودي يجد نفسه اليوم محاصراً في مأزق ما يشبه لعبة ” الشطرنج”؛ ففي كل نقلة يختارها الجانب السعودي تحمل في طياتها كلفة استراتيجية باهظة. فالخيارات المتاحة للرد باتت ضيقة للغاية ومحكومة بـ معادلة مغشوشة ، فصحيح ظاهرها قوة عسكرية ولكن في جوهرها هو العجز الاسترتيجي ؛ فإقدام السعودية على أي مغامرة تصعيدية كبرى لن يعني كسر الإرادة اليمنية المحصنة جغرافياً وبشرياً، بل سيعني فتح الباب أمام “دوامة استنزاف” تقوض ما تبقى من أمنه القومي.
لقد أثبت التكتيك اليمني قدرة فائقة على “إدارة حافة الهاوية”، حيث يتم دفع الخصم إلى إدراك أن كلفة المغامرة العسكرية أكبر بكثير من كلفة الإذعان السياسي. هذا العجز الإقليمي عن الاحتواء ناتج عن كون القوة اليمنية لم تعد مجرد فصيل ميليشياتي مسلح كما يروج له، بل غدت بنية ممتدة تلتحم مع جغرافيتها وتتحرك كجزء عضوي لا يتجزأ من جبهة إقليمية أوسع تمتد من طهران إلى بيروت والقدس، صعوداً إلى خطوط الملاحة الدولية.
- الجغرافيا اليمنية المقاومة وخنق الممرات الدولية
لا يمكن قراءة هذا المنعرج بمعزل عن تحول اليمن إلى لاعب مباشر في معادلة الأمن القومي العالمي وحركة التجارة الدولية. إن إسقاط السقوف التقليدية للاشتباك تُرجم عملياً في فرض الإرادة اليمنية على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، فلم تعد القوى الاستعمارية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، قادرة على حماية مصالحها أو فرض إملاءاتها عبر البوارج والأساطيل التي باتت هي نفسها أهدافاً محتملة في بنك الأهداف اليمني.
لقد ربطت صنعاء استقرار الملاحة الدولية بملفات وجودية ترتبط بكرامة الأمة وقضاياها المركزية، مما يعني أن الجغرافيا اليمنية انتقلت من موضع “التأثر” بالسياسات الدولية إلى موضع “التأثير” في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد. هذا الربط الذكي والجريء يمثل ذروة الهجوم الوجودي الشامل، حيث غدت الصواريخ والمسيرات اليمنية تعيد تشكيل مفاهيم القانون الدولي والبحار بفرض أمر واقع عجزت عن مواجهته أعتى المنظومات الدفاعية الغربية.
- طاولة التفاوض وفرض “الأمر الواقع”
يقودنا هذا التطور الميداني الجديد مباشرة إلى التساؤل حول مسارات التفاوض السياسي المستقبلي، حيث إن القواعد القديمة للتفاوض، والتي كانت تحاول تصوير الطرف اليمني كـ “سلطة أمر واقع محلي” تبحث عن اعتراف أو رواتب ومساعدات إنسانية، قد دُفنت إلى غير رجعة، فالمفاوض اليمني اليوم يستند إلى ترسانة مستجدة من الردع تمنحه القدرة على فرض الشروط من موقع الند القوي والمبادر.
وباتت القوى الدولية، بقطبيتها التقليدية والمتشكلة حديثاً، مجبرة على الاعتراف بالمعادلة اليمنية الجديدة كأمر واقع لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة ، حيث لم يعد بإمكان أي مشروع استقراري في الشرق الأوسط أو بالجزيرة العربية أن يمر دون توقيع صنعاء ورضاها؛ فالأمن الإقليمي لم يعد سلعة تشتريها الأموال، بل معادلة تصيغها دماء المقاومة وبنادقهم. إن القفز فوق هذه الحقيقة الجيوسياسية الجديدة لن يؤدي إلا إلى تعميق المأزق الخانق لقوى العدوان، ودفع المنطقة نحو منعرجات قد تطيح بعروش وأنظمة طالما اعتقدت أن أمريكا قادرة على حمايتها من غضب الشعوب المنطقة.
إن هذا التحول النوعي يضعنا أمام حقيقة واحدة ، وهي إن المواجهة تجاوزت تكتيكات المناورة التقليدية لتصبح معركة فرض إرادة واعتراف بالواقع الجديد ، ولاسيما بنقل صنعاء كلفة الحرب إلى عمق الاستقرار الاقتصادي والسياسي للداخل السعودي، فاستطاعت محاصرتها في مأزق حقيقي؛ حيث تغدو مواصلة التصعيد استنزافاً قاتلاً، والتراجع عنه إقراراً بالهزيمة وتبعاتها الاستراتيجية.
هذا الربط الصارم بين أمن الممرات المائية وقضايا الأمة الوجودية، نقل اليمن من مساحة التأثر بالسياسات الدولية إلى موقع التأثير المباشر في حركة التجارة العالمية. واليوم، يقف العالم أمام معادلة أمنية جديدة تثبت أن اليمن ليس ملفاً ثانوياً يُدار بالوصاية أو التسويات الجزئية، بل شريك رئيسي يقود دفة الاستقرار الإقليمي. من الآن فصاعداً، لن يمر أي مشروع في المنطقة دون توقيع صنعاء؛ فقد انتهى زمن الإملاءات والرهان على الحماية الخارجية، وعادت الكلمة الفصل لأصحاب الأرض وبداية إعلان عن ولادة يمن استراتيجي سعيد بتزعمه لمحور المقاومة .
صوت الشعب صوت الحقيقة
