بقلم علي البعزاوي
تأتي الحرب اليمنية السعودية في توقيت حساس للغاية وفي مناخ من التصعيد العالمي عنوانه الأبرز حروب السيطرة والإخضاع التي تقودها القوى الامبريالية من أجل إعادة اقتسام مناطق النفوذ في العالم والسطو على ثروات الشعوب. (الحرب الروسية الأوكرانية-العدوان على فنزويلا واختطاف رئيسها وفرض رئيس موالي- التهديد الأمريكي لكوبا…) وفي ظل حرب الإبادة والتهجير ضد الشعب الفلسطيني، والتوغل في الجنوب السوري والسيطرة عليه واحتلال جنوب لبنان وضرب كل ما له علاقة بحياة اللبنانيين من طرف جيش الاحتلال الصهيوني. كل هذا بدعم من الامبريالية الأمريكية وتواطئ أنظمة العمالة والتطبيع بما في ذلك ما يسمى بالوسطاء الذين لا يحركون ساكنا.
كما تأتي الحرب اليمنية السعودية في ظل العدوان الامبريالي والحصار على إيران في محاولة لإخضاعها وفرض الاستسلام عليها. وتأتي أيضا في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية تهدد الجميع بلا استثناء وخاصة شعوب منطقة الشرق الأوسط التي باتت المسرح الأبرز للحروب والنزاعات.
الحرب اليمنية السعودية التي لا تبدو نهايتها قريبة ستكون لها تداعيات هامة وخطيرة على مستقبل المنطقة وربما تعيد خلط الأوراق لما لها من علاقة بمختلف الملفات الأخرى.
جذور الصراع اليمني السعودي
تعود جذور هذا الصراع إلى سنة 1934 عندما وقعت المملكتان اليمنية والسعودية معاهدة الطائف التي ضبطت الحدود بين البلدين بعد أن فوتت في جازان ونجران وعسير لصالح السعودية مقابل اعترافها باستقلال اليمن. وفي سنة 2000 وقعت اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين. ومنذ ذلك التاريخ اكتفت السعودية بالتدخل في السياسة الداخلية اليمنية وتغليب فريق على آخر واستخدام العمال اليمنيين كورقة ضغط وشراء الولاءات القبلية مقابل تجنب الأعمال العسكرية.
لكن سنة 2009 شنت السعودية أول عملية عسكرية أحادية ضد الحوثيين (حرب الخوية) بهدف إسناد عملية ” الأرض المحروقة ” التي أطلقها الجيش اليمني ضد الحوثيين في محافظة صعدا بقيادة علي عبدالله صالح لكنها فشلت في هزمهم أو حتى إضعافهم وفق بعض المحللين.
وخلال ثورة الشباب اليمنية في 2011 ضبطت السعودية بمعية دول الخليج خطة انتقالية للبلاد يتم بموجبها استبدال علي عبدالله صالح بعبد ربه منصور هادي.
وفي سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون عسكريا على صنعاء مما تسبب في تفكك الدولة إلى مراكز قوة متعددة. وفي جانفي 2015 استقال الرئيس عبد ربه منصور هادي وفرّ من صنعاء إلى عدن ليعلنها عاصمة مؤقتة. لكن زحف الحوثيين على عدن واحتلال مطارها الدولي فرض على منصور هادي الهروب من اليمن ودعوة مجلس الأمن للانعقاد والتفويض للدول الراغبة في مساعدة اليمن بتقديم الدعم بكل الوسائل لردع عدوان الحوثيين كما طلب وزير خارجيته من جامعة الدول العربية المساعدة العسكرية. وفي هذا السياق أطلقت السعودية في 26 مارس 2015 عملية “عاصفة الحزم” وأعلنت ثمانية دول عربية هي مصر والبحرين والكويت وقطر والإمارات والأردن والسودان والمغرب دعمها للتدخل السعودي.
وفي 14 مارس 2015 اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2216 الذي طالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها وتسليم السلاح الذي استولوا عليه وإطلاق سراح المعتقلين وفرض حظرا على توريد الأسلحة…
إذن فالسعودية تتعامل مع اليمن كدويلة تابعة لها وهي من ينصب من يحكمها وتردع كل معتد على السلطة القائمة وتنفق من أجل ذلك الأموال الطائلة وتتدخل لدى المؤسسات الدولية وتقوم بالتعبئة الضرورية وتحث الدول وخاصة الخليجية على دعم وإسناد ما تعتبره الحكم الشرعي في اليمن ولا تسمح لليمنيين بالتحاور وفض خلافاتهم باستقلالية تامة عن التدخلات الأجنبية. وهو ما نراه ونلمسه اليوم على أرض الواقع. وهو السبب الجوهري للخلاف بين اليمن والسعودية والذي كان وراء اندلاع الحروب والمواجهات بين البلدين إلى جانب تغذية الخلافات والصراعات والتناحر بين أبناء اليمن.
من المستفيد من هذه الحرب
أولا لابد من التأكيد على أن هذه الحرب فرضت على الحوثيين بسبب الحصار المضروب عليهم من طرف النظام السعودي منذ 2015 وبسبب قطع المساعدات والدواء وحركة الطيران عبر مطار صنعاء إلى جانب قطع الرواتب عن الموظفين… وقد استغل الحوثيون الخلاف الحاصل بين الإمارات والسعودية الذي بلغ ذروته في ديسمبر 2025، والانقسام الحاصل داخل معارضيهم بعد أن قامت السعودية بفك النفوذ الإماراتي في اليمن وحل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدين بالولاء للإمارات والذي أثار غضبا شعبيا عارما في صفوف الجنوبيين الذين يصرون على بعث دولة مستقلة في الجنوب وهو ما ترفضه السعودية التي تسعى من جهتها إلى يمن موحد يأتمر بأوامرها ويخضع سياسيا لها. استغلوا الخلاف والانقسام ليشنوا هجوما على الجنوب ويسيطروا على باب المندب الممر الاستراتيجي الذي تعبره 10 بالمائة من الناقلات البحرية في العالم. إلى جانب شن ضربات جوية على مطارات السعودية ومحطات تكرير النفط ومحاولة فرض حصار جوي لشل الملاحة وحركة الطيران. وقد رفع الحوثيون في هذا الإطار شعار “المطار بالمطار” و”العاصمة بالعاصمة” و”الحصار بالحصار” في محاولة لفرض مفاوضات متكافئة مع الجانب السعودي بهدف إنهاء الحصار والحرب وفرض سيادة واستقلال اليمن.
اللحظة تبدو مناسبة بالنسبة للحوثيين لإخراج اليمن من أزمته التي فرضتها السعودية بدعم من الامبريالية الأمريكية والغربية عموما. ورغم اختلال موازين القوى العسكرية لصالح السعودية خاصة من ناحية العتاد العسكري فإن الجانب الحوثي يمتلك قدرات صاروخية ومسيرات هائلة وقدرته الفائقة على استغلال الجغرافيا اليمنية ونجاحه في تنظيم المواجهة في شكل حرب عصابات أثبتت نجاحها في دحر القوات المدعومة سعوديا والسيطرة على كميات هائلة من العتاد العسكري. لقد أثبت المقاومون الحوثيون قدرتهم على والمواجهة الصمود والنجاح في التأثير على حركة تصدير النفط سواء عبر باب المندب أو عبر النقل البري وهو ما ساهم بمعية الحصار الذي تفرضه إيران على مضيق هرمز في ارتفاع أسعار البنزين خاصة في أوروبا وأمريكا إلى جانب الضغط على مبيعات ومداخيل النظام السعودي من النفط.
من هذه الزاوية تعتبر هذه الحرب بناءة من وجهة نظر الحوثي ويمكن أن تفضي أو تساهم في حل الأزمة نهائيا، سواء أزمة اليمن مع السعودية أو الأزمة الإيرانية الأمريكية.
لكن في المقابل النظام السعودي لا ينوي التراجع وخفض التصعيد بل يعمل جاهدا على تعبئة القوى المعادية لإيران لحشدها ضد الحوثيين محاولا الإقناع بأن ما يقوم به الحوثيون مخطط له من طرف إيران ويندرج ضمن مساعيها للهيمنة على اليمن وعلى المنطقة عموما. لكن محاولات النظام السعودي لم تحقق أغراضها بالكامل ويبدو أن الأوضاع في العالم غير مناسبة للقبول بسردية النظام السعودي والانخراط إلى جانبه في حربه على صنعاء التي تبدو واضحة للعيان أنها حرب خاصة به ولا يمكن أن تكون حرب الجميع خاصة وأن الحوثيين بعد سيطرتهم على مضيق باب المندب لم يعطلوا الملاحة العالمية واكتفوا بمنع البواخر المتجهة نحو الموانئ السعودية والمغادرة لها من العبور.
من المرجح أن تستمر هذه الحرب لفترة طويلة نسبيا وتبدو نهايتها مرتبطة شديد الارتباط بالأزمة الإيرانية الأمريكية. فإذا ما وجدت هذه الأخيرة طريقها إلى الحل مباشرة بعد الانتخابات النصفية الأمريكية فإن الحرب اليمنية السعودية ستجد بدورها حلا توافقيا ستفرضه موازين القوى على الأرض. وقس على ذلك في الملف اللبناني المرتبط طولا وعرضا بالملف الإيراني الأمريكي.
لهذا من المنتظر أن تتجه الحرب في الأسابيع القادمة نحو مزيد التصعيد والشراسة. ويبدو أن الحوثييين جاهزون لها وقد أعدوا العدة قبل قرار خوضها.
أما في حال الاضطرار للتصعيد لعدم إمكانية الحل السياسي والاتجاه نحو الحل العسكري فإن خارطة منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تغييرات نوعية يمكن أن تمسح من الوجود بعض الكيانات الضعيفة التي نصبها الاستعمار لفرض حالة التقسيم على العالم العربي وبروز قوى إقليمية جديدة ستلعب في المستقبل أدوارا أكبر وسيعاد تشكيل المنطقة والعالم وفق موازين القوى الجديدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
