عربي

إيران و”اتفاق مكة”: صراع أم احتواء؟

بقلم علي الجلولي

تعيش منطقة “الشرق الأوسط” على وقع تحولات متسارعة تغيرت بمقتضاها عديد المعطيات الجيو سياسية كجزء من الصراع الذي يشق العالم بين كبريات الدول والأقطاب الامبريالية التي اتجهت نحو التصادم والحروب المفتوحة بكل الأشكال باعتبار ذلك الحل الوحيد الذي تمتلكه لتصريف الأزمة العميقة والشاملة للنظام الرأسمالي. لقد غذت هذه الأزمة التعبيرات الأكثر تطرفا وفاشية وخاصة في الولايات المتحدة التي جاء ترامب ليكرس تحولا مهمّا امتدت بمقتضاه يد الرأسمال الاحتكاري إلى كرسي الحكم لتتربع عليه مباشرة وتقطع مع التمثيل غير المباشر الذي ظل على العموم سائدا منذ سيطرة النظام الرأسمالي على المجتمعات الغربية. وتعتبر منطقة “الشرق الأوسط” من بين أهم مفاتيح السيطرة والنفوذ في العالم بمقتضى الموقع الجغرافي والمقدرات الباطنية والطبيعية، لذلك ظلت منذ غابر التاريخ منطقة نزاع وصراع بين كبريات الامبراطوريات. فوضع اليد على المنطقة هو خطوة حاسمة لوضع اليد على العالم اقتصادا وتجارة وسياسة وثقافة. ولا يشذ وضع اليوم عن وضع الأمس. ففي ظل الأوضاع المتحركة خاصة منذ 7 أكتوبر الذي شكل لحظة فارقة في محاولة حركة التحرر الوطني الفلسطينية النهوض واستغلال التناقضات الحاصلة في معسكر الأعداد لتسديد ضربة لكيان الاحتلال، لكن تخندق النظام الرسمي العربي والإقليمي إلى جانب الاحتلال وحلفائه، واندحار أهم قوة إسناد للمقاومة الفلسطينية ممثلة في حزب الله، وقبل ذلك سقوط النظام السوري واختراق سوريا من قبل كيان الاحتلال، كلها عوامل شلت إمكانية تحقيق انتصار المقاومة رغم أهمية المنجز الذي راكمته. وقد شكل دخول إيران على خط المواجهة العسكرية المباشرة ردا على العدوان الصهيو-أمريكي عليها لشطب دورها نهائيا في المنطقة، وتمكنها من الصمود وتفويت فرضية إسقاط نظامها وتعويضه بنظام عميل على الشاكلة السورية، خلط الأوراق من جديد في المنطقة التي باتت جميعها من الكويت شمالا إلى نجران جنوبا مرورا بكل إمارات الخليج هدفا سهلا للقصف الإيراني الذي طال القواعد العسكرية الأمريكية كما طال المنشآت النفطية والبنى الأساسية الاقتصادية والتجارية وغيرها.

اتفاق مكة لدعم السعودية ضدّ الحوثيين

لمواجهة هذا الوضع اتجهت السعودية إلى تفعيل الفكرة القديمة المتجددة وهي بعث “المحور السني” في مواجهة “المحور الشيعي” الذي يمتد من العراق شمالا إلى لبنان وصولا إلى اليمن التي تحولت مع الحوثيين إلى خنجر مسموم في خاصرة النظام السعودي الذي تراجعت مكانته ومنزلته وهو الذي خطا خطوات كبيرة مع ولي عهده الحالي نحو استعادة الدور الإقليمي المؤثر. لقد كشفت التحولات الحاصلة محدودية الحجم السعودي مقابل الحجم الإيراني أو التركي، فضلا عن بروز قوى إقليمية تجد الحظوة عند كيان الاحتلال والأمريكان وهي دويلتي الإمارات وقطر. ولما بات بناء تحالف مع هذه القوى الخليجية غير ممكن بمقتضى التنافس الحاصل والذي بات يعبر عن نفسه من خلال رفض الخضوع للعباءة السعودية وهو ما يفسر إلى حدّ بعيد حالة الشلل التي يعيشها مجلس التعاون الخليجي، اتجهت السعودية إلى القوتين السنيتين ممثلتين في تركيا وباكستان وتم إمضاء “اتفاق مكة” الذي ينص على التعاون العسكري في حال تعرض أي دولة لاعتداء، وطبعا المقصود هو السعودية التي تريد بسط سيطرتها على اليمن الذي يواجهها بالتصدي. وتاريخ المملكة مع جارها الجنوبي طويل بالصراعات والهزائم التي لم يرد آل سعود التعلم منها. لقد ظل منطق اعتبار اليمن حديقة خلفية هو الذي يقود السياسة السعودية لبسط النفوذ على القسم الأوفر من الجزيرة العربية وخاصة على البحر الأحمر وباب المندب الذي يعتبر شريانا أساسيا للاقتصاد السعودي وللتجارة في اتجاهها ومجيئها من المحيط الهندي. يواجه الحوثيون بنجاعة فائقة إرادة الهيمنة السعودية ويوجهون ضربات موجعة للمنشآت النفطية وللمطارات التي أصيب العديد منها بالشلل، وأصبحت المسيرات الحوثية تضرب التراب السعودي على مدار الساعة، لذلك استنجدت السعودية بحليفيها التركي والباكستاني بعد الإمضاء السريع على اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أوت للسنة الجارية والذي أقره برلمانا تركيا وباكستان في الأيام الماضية. وبطبيعة الحال كانت السعودية تنتظر التحاق الفيالق العسكرية الحليفة لصد الحوثيين، لكن الخطوة الأهم كانت توجه وفد عسكري قيادي يضم وزير الدفاع السعودي ورئيس الأركان الباكستاني ورئيس المخابرات التركي إلى إيران يوم 26 أكتوبر للتفاوض معها حول خفض التوتر في الإقليم وأساسا ما يهم الجبهة السعودية اليمنية والتي تتحكم إيران في جزء من مفاتيحها بحكم العلاقة مع الحوثيين. الرد الإيراني لم يتردد في طرح مقترح الالتحاق بالاتفاق الذي يُسوق على أنه موجه إليها وضدها، وبطبيعة الحال فإن إيران تمتلك ورقات مهمة تؤهلها إلى الضغط خاصة على السعودية التي باتت منهكة من الملف اليمني.

هل تلتحق إيران باتفاق مكة؟

منذ الإعلان عن إمضاء الاتفاق، اختار الإيرانيون تكتيك عدم استهداف المولود الجديد بل صرح مسؤولو إيران أنهم لم يتلقوا الدعوة للمشاركة في الاتفاق، وأنهم معنيون ببعث جسم للدفاع المشترك. التصريحات والتصريحات المضادة لا تفهم بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الذي بات في جزء منه منزعجا من حجم السيطرة الأمريكية/الصهيونية على المنطقة والتي باتت لا ترى في الأنظمة القائمة إلا وكلاء من الدرجة صفر لا قيمة لهم ولا رأي. في المقابل من ذلك باتت بعض القوى الإقليمية ومنها إيران قوى وازنة ولها كلمة في تحديد الحاضر والمستقبل رغم حجم العدوان عليها، فيما باتت تركيا لاعبا أساسيا في جزء هام من المنطقة يشمل العراق وسوريا إضافة إلى ترتيب العلاقة مع مصر وإعادة النظر في الملف الليبي بالربط مع حفتر على حساب الحليف التقليدي أي القوى الإخوانية بالغرب الليبي. أمام هذه التحولات والتي تحولت معها السعودية من رقم مهم في المنطقة إلى رقم غير فاعل بات أضحوكة بحكم الرعب الحاصل فيها من مسيرات الحوثيين، كان لزاما على حكام السعودية وأمام لؤم الحليف ترامب الذي لم يلتفت إلى حليفه بن سلمان رغم سخاء العطايا، كان لزاما أن تدير الزوايا وتبحث عن تسوية ولو مؤقتة مع إيران التي باتت تقارع الأمريكان في مضيق هرمز وفي أراضي الخليج وسمائه، وأيضا على طاولة التفاوض. ما يدلل على ذلك هو ترنح الصراع مع اليمن وعدم تحوله إلى حريق. وحتى الدعم المصري توقف في أروقة برلمان السيسي بعد أن استعجل النظر لبعث قوات مصرية إلى الحليف السعودي. وبطبيعة الحال فإن مصلحة القوى المتنازعة وأساسا السعودية وإيران هي خفض فتيل النزاع وإن بدواعي مختلفة وحتى متناقضة. إن اتجاه السعودية للتفاوض والتواصل مع إيران هو في جانب منه ضغط على الأمريكان والصهاينة الذين يريدون التحكم الكلي في كل تفاصيل المنطقة وفي المقدمة من ذلك عدم وجود أي قوة دولة كانت أو تحالفا يمكن أن يهدد ولو بعد سنوات أمن كيان الاحتلال ومصالح الرأسمال الاحتكاري الأمريكي. أما تركيا وباكستان فبرغم علاقتهما الوطيدة مع البيت الأبيض، إلا أن نزوعهما نحو لعب دور إقليمي حيوي وخاصة بالنسبة للأتراك، فهو أمر مصيري بالنسبة إليهما.

إن ملف حلف مكة هو أحد عناوين الصراع وترتيباته في المنطقة التي يعاد تشكيلها يوميا على ضوء التحولات والتحديات ومصالح مختلف القوى الدولية والإقليمية التي تصوغ أهدافها في ساحات المعارك وعلى طاولات التفاوض في تناقض كامل مع مصالح وطموحات الشعوب وقضاياها بما فيها احتلال فلسطين ولبنان وسوريا ووضع اليد على مجمل المنطقة ومقدراتها.

زر الذهاب إلى الأعلى
×