الرئيسية / عربي / كيف نقرأ “طوفان الأقصى” من المنطلق المقاوم وفي ضوء النتائج؟
كيف نقرأ “طوفان الأقصى” من المنطلق المقاوم وفي ضوء النتائج؟

كيف نقرأ “طوفان الأقصى” من المنطلق المقاوم وفي ضوء النتائج؟

بقلم ميساء الحمادي

تندرج أحداث السابع من أكتوبر 2023 ضمن مسار تاريخي طويل من الصراع بين المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين ونضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرّر واستعادة أرضه وتقرير مصيره. وقد أعادت هذه الأحداث طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المقاومة، وحدود الفعل العسكري، والعلاقة بين وسائل النضال وأهداف التحرّر الوطني. وتقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة اعتماد منهج يتجاوز القراءة الظرفية للحدث، ويبحث في الشروط التاريخية والاقتصادية والسياسية التي أفضت إليه، وفي علاقات القوة التي تحكم الصراع. ومن هذا المنطلق، يعتبر السابع من أكتوبر لحظة ضمن مسار استعماري ممتدّ، تتداخل فيه السيطرة على الأرض مع إخضاع السكان والتحكّم في مواردهم وشروط حياتهم.

يقوم الاستعمار الاستيطاني على مشروع إحلالي يستهدف السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل بنيتها السكانية والسياسية، بما يضمن استمرار الهيمنة وتوسّعها نحو مشروعها الاستيطاني الأكبر وهو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ومركزة أجهزتها لمزيد مراكمة ثرواتها على حساب الشعوب وحريتهم، وقد بيّن باتريك وولف، في دراساته حول الاستعمار الاستيطاني، أنّ البنية تتجدّد باستمرار، وتستمدّ منطقها من السعي إلى إزاحة السكان الأصليين وإضعاف حضورهم المادي والسياسي. وينطبق هذا التحليل على القضية الفلسطينية، حيث ارتبط التوسّع الاستيطاني بمصادرة الأراضي، وتهجير السكان، وتفتيت المجال الجغرافي، وفرض منظومة من القيود على الحركة والموارد والحياة الاقتصادية. وبهذا المعنى، يشكّل الاحتلال علاقة سيطرة متكاملة تتجاوز الوجود العسكري إلى إعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني وفق حاجات المشروع الاستعماري.

ضمن هذه البنية، يمثّل قطاع غزة نموذجاً مكثّفاً لآثار الحصار طويل الأمد. فمنذ عام 2007، أدّت القيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع والتجارة إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية للقطاع، وتعميق تبعيته للمساعدات الخارجية، وتضييق إمكانات تطوّره الاقتصادي المستقل. وقد أظهرت بيانات عام 2023 حجم الأزمة الاجتماعية؛ إذ قُدّر معدل الفقر بنحو 64% في منتصف السنة، وبلغت البطالة 46.4% خلال الربع الثاني، فيما اعتمدت نسبة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية. وتعكس هذه المؤشرات واقعاً تتراجع فيه قدرة المجتمع على الإنتاج وتوفير احتياجاته الأساسية، تحت وطأة القيود المفروضة على موارده وحركته واتصاله بالعالم الخارجي.

إن إضعاف القدرة الإنتاجية لمجتمع ما يحدّ من استقلاله المادي، ويزيد ارتباط بقائه بقوى تتحكّم في تدفّق السلع والموارد والمساعدات. وتصبح البطالة والفقر، في ظلّ هذه الظروف، جزءاً من أزمة بنيوية تتجاوز حدود الاختلال الاقتصادي العابر. فالسيادة الوطنية تظلّ منقوصة حين يُحرم المجتمع من السيطرة على أرضه وموارده، وتُقيّد قدرته على تطوير قواه المنتجة. لذلك، فإنّ تقدير كلفة أحداث السابع من أكتوبر يقتضي وضعها ضمن تاريخ أوسع من الخسائر البشرية والاجتماعية والاقتصادية التي رافقت استمرار الحصار والاحتلال. ويؤدي تجاهل هذا التاريخ إلى تصوير الوضع السابق للأحداث وكأنّه حالة استقرار، رغم ما كان ينطوي عليه من حرمان متراكم وانسداد سياسي.

وقد أظهرت التجربة الفلسطينية محدودية المسارات التي لم تقترن بإنهاء فعلي لبنية الاحتلال. فبعد اتفاقيات أوسلو، استمرّ التوسّع الاستيطاني، وبقيت قضايا السيادة والحدود والقدس واللاجئين معلّقة، فيما ظلّ الشعب الفلسطيني يواجه قيوداً تمسّ حياته اليومية وحقوقه الوطنية. وجاءت مسيرة العودة الكبرى سنة 2018 لتكشف حجم التناقض بين الاحتجاج الشعبي السلمي وسياسات الاحتلال؛ إذ وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة مقتل 189 فلسطينياً وإصابة آلاف آخرين خلال الاحتجاجات على حدود قطاع غزة، وخلصت إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بأنّ بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وتدلّ هذه التجربة على أنّ طبيعة الوسائل المستخدمة في النضال لا تحدّد وحدها استجابة القوة القائمة بالاحتلال، ما دامت موازين السيطرة تسمح لها بمواصلة سياساتها من دون معالجة المطالب الفلسطينية الجوهرية.

في هذا السياق، تبرز المقاومة باعتبارها استجابة تاريخية لعلاقة الهيمنة الاستعمارية. وقد تناول فرانتز فانون في كتابه «معذّبو الأرض» العنف الاستعماري بوصفه عنصراً مؤسّساً للنظام الاستعماري، الذي يفرض سلطته بالقوة ويعيد تشكيل حياة المجتمع المستعمَر وفق مصالحه. ويتيح هذا التحليل فهم العنف في سياقه التاريخي، من خلال النظر إلى علاقات السيطرة التي تنتجه وتعيد إنتاجه. فالمقاومة تنشأ في مواجهة واقع ينتزع الأرض والحقوق ويضيّق آفاق الحياة السياسية والاجتماعية، ويظلّ فهمها ناقصاً متى جرى فصلها عن هذا الواقع.

ويكتسب حقّ الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال أساسه من حقّ الشعوب في التحرّر وتقرير المصير. وقد أكّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها 37/43 الصادر سنة 1982، شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال والتحرّر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي، بما في ذلك الكفاح المسلح. كما تناول البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، في المادة الأولى، الفقرة الرابعة، النزاعات المسلحة التي تناضل فيها الشعوب ضدّ السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية في إطار ممارسة حقّها في تقرير المصير. وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024، أكّدت محكمة العدل الدولية عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وما يترتّب على ذلك من التزامات قانونية.

ويكشف هذا الإطار أنّ شرعية المقاومة ترتبط بحقّ الشعب الواقع تحت الاحتلال في إنهاء السيطرة المفروضة عليه، وهو حقّ لا يتوقف على امتلاك القوة العسكرية المكافئة لقوة الاحتلال. فاشتراط التكافؤ العسكري قبل الاعتراف بحقّ المقاومة يجعل الشعوب المستعمَرة رهينة لموازين القوى التي فرضها المستعمِر نفسه. وقد بيّنت تجارب التحرّر الوطني في الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا أنّ مقاومة الهيمنة اتخذت أشكالاً متعدّدة، جمعت بين الكفاح المسلح والتنظيم السياسي والتعبئة الشعبية والتحرّك الدبلوماسي. وتختلف هذه التجارب في ظروفها ونتائجها، غير أنّها تؤكّد أهمية فهم التحرّر بوصفه سيرورة تاريخية تتداخل فيها أدوات النضال، وتتحدّد فاعليتها وفق الظروف الموضوعية والقدرة على تنظيم القوى الاجتماعية.

وقد مثّلت أحداث السابع من أكتوبر لحظة كسرت، على المستوى السياسي، افتراض إمكان احتواء القضية الفلسطينية داخل ترتيبات أمنية واقتصادية وإقليمية تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية. فقد قُتل نحو 1200 شخص في الجانب الإسرائيلي، معظمهم من المستوطنين، واحتُجز نحو 250 رهينة، أعقب ذلك هجوم عسكري إسرائيلي واسع على قطاع غزة، خلّف دماراً هائلاً في المساكن والمنشآت الصحية والتعليمية والبنية التحتية، وعمّق الكارثة الإنسانية. وأعادت الأحداث القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكشفت عجز مشاريع التطبيع عن إزالة جذور الصراع أو فرض تسوية تتجاوز مسألة الاحتلال وحقّ تقرير المصير.

إنّ جوهر القضية الفلسطينية، يتجاوز السؤال عن كلفة المواجهة في لحظة بعينها إلى البحث في كلفة استمرار البنية الاستعمارية نفسها. فالاحتلال يعيد إنتاج شروط الصراع عبر السيطرة على الأرض والموارد والحركة والحياة الاقتصادية، ويحوّل غياب السيادة إلى واقع يومي يمسّ المجتمع بأسره. وفي مواجهة هذه البنية، تمثّل المقاومة تعبيراً عن حقّ الشعب في رفض الإخضاع والسعي إلى التحرّر، بينما تتحدّد آفاقها التاريخية بقدرتها على بناء تنظيم سياسي وجماهيري، وتطوير استراتيجية تراكمية، وصيانة المجتمع الذي يحمل مشروع الاستقلال.

وعليه، فإنّ أحداث السابع من أكتوبر لا تُفهم على نحو سليم خارج تاريخ الاستعمار الاستيطاني والحصار وفشل التسويات في إنهاء الاحتلال وهي الحتمية واجبة الوقوع إذ أنه لا سبيل للتحرر دون مقاومة مسلحة تعيد الواقع الفلسطيني للصدارة وتهشم كل خطب الرجل الأبيض البالية حول حقوق الإنسان وتكون شرارة استكمال مسار التحر

إلى الأعلى
×