بقلم حبيب الزموري
تستعد دول العالم يوم 24 أكتوبر القادم لإحياء الذكرى الــ 81 لدخول ميثاق منظمة الأمم المتحدة حيز التطبيق محددا أهداف المنظمة بحفظ السلام والأمن الدوليين ودعم التقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية إلى جانب تعزيز احترام حقوق الإنسان. إن المتابع لحصيلة منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها وللعلاقات الدولية اليوم يستنتج دون عناء كبير تحوّل هذه المنظمة إلى جزء من أزمة النظام العالمي السائد أكثر من كونها آلية من آليات معالجة أزماته الهيكلية والدورية. ويعود عجز منظمة الأمم المتحدة عن تحقيق الأهداف التي تمّ تحديدها لها بدرجة أساسية إلى ظروف نشأتها وطبيعتها الهيكلية. فمصطلح “الأمم المتحدة” نفسه ليس محايدا إذ كان تعبيرا مكثفا عن طبيعة الصراع الذي كان يخيم على العالم في أربعينات القرن العشرين. إذ استُعمل لأول مرة في جانفي سنة 1942 من قبل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في اجتماع 26 دولة على رأسها الدول الأربع الكبار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي والمملكة المتحدة والصين في سياق السعي إلى توحيد جهودها في مواجهة دول المحور حيث قامت بتوقيع وثيقة عرفت باسم “إعلان الأمم المتحدة” تمّ فيها إقرار مبادئ “ميثاق الأطلسي“(1).
منظمة على مقاس المنتصرين في الحرب العالمية الثانية
بنهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على دول المحور تمّ تحويل تحالفات الحرب إلى أمر واقع في العلاقات الدولية بتأسيس منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 على أمل تجنيب البشرية ويلات الحروب والمجاعات. ولكن سرعان ما برزت التناقضات والصراعات بين حلفاء الأمس وبرز معها عجز المنظمة الناشئة عن كبح تعطش القوى العظمى للهيمنة والاعتداء على سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. فأيام قليلة بعد استسلام ألمانيا النازية أصبحت منظمة الأمم المتحدة آلية من آليات الاقتسام الاستعماري الجديد للعالم بشرعنة تقسيم مناطق النفوذ بين القوى العظمى المنتصرة في الحرب وكان انحياز المنظمة للمعسكر الامبريالي الغربي واضحا سواء في تقسيم برلين أو في تواطؤها مع الولايات المتحدة في حرمان الصين من مقعدها بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، هذا دون إغفال عجز المنظمة عن كبح جماح اعتداءات الامبريالية الأمريكية السافرة على سيادة شعوب ودول رغم عضويتها فيها على غرار:
-
الحرب الكورية 1950-1953: تدخل عسكري واسع في شبه الجزيرة الكورية.
-
حرب فيتنام 1955 – 1975: تدخل عسكري طويل انتهى بانسحاب أمريكي وهزيمة سياسية وعسكرية بارزة.
-
الانقلابات والعمليات السرية: دعم وتدبير انقلابات لإسقاط حكومات منتخبة أو مناهضة لواشنطن في عدة دول مثل إيران (1953)، تشيلي (1973)، وغواتيمالا (1954)
-
غزو بنما 1989: تدخل عسكري مباشر لإسقاط حكومة مانويل نورييغا واعتقاله. حرب الخليج الثانية 1991: إخراج القوات العراقية من الكويت ثم فرض حصار طويل.
-
غزو أفغانستان2001: تدخل عسكري تحت غطاء “الحرب على الإرهاب” استمر عقدين من الزمن.
-
غزو العراق 2003: إسقاط النظام العراقي بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل بتواطئي كامل مع المنظمة الأممية
-
التدخلات المستمرة والعمليات الخاصة: شملت ضربات وغارات وتدخلات غير مباشرة في عدة دول بالشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وصولاً إلى الأزمات والتوترات المستمرة مع دول مثل إيران وفنزويلا.
كما حرص “الأربعة الكبار” المؤسسون على ضمان تحكمهم في آليات اتخاذ القرار داخل أجهزة المنظمة لضمان تعطيل أي قرار يمس من مصالحهم عبر منح أنفسهم حق النقض (الفيتو) الذي تم استعماله بكثافة خاصة من قبل الاتحاد السوفياتي ثم روسيا (143 مرة) والولايات المتحدة الأمريكية (83 مرة) وهو ما جعل قرارات المنظمة في قضايا مصيرية تتعلق بحياة أو موت مئات الآلاف من البشر مجرد حبرا على ورق.
هل مازالت الإنسانية محتاجة إلى المنظمة الأممية
لئن كانت المنظمة الأممية منذ تأسيسها وحتى مطلع التسعينيات جبهة من جبهات الحرب الباردة ووسيلة للحيلولة دون تأرجح توازن الرعب بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية وتحوله إلى مواجهة مباشرة قد تحكم على العالم بالفناء، فإنها تحولت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى ما يشبه الإدارة الملحقة بوزارة الخارجية الأمريكية وقد تجسدت هذه التبعية الكاملة لمشيئة الإمبريالية الأمريكية في الدور الذي لعبته في حملة التضليل الهائلة التي قامت بها عبر مختلف أجهزتها بالتنسيق التام مع الولايات المتحدة للتمهيد لغزو العراق سنة 2003.
إن هذا الدور السياسي والديبلوماسي “القذر” المتواطئ مع القوى الإمبريالية هو ما سيبقى عالقا في ذهن شعوب العالم مهما كانت إنجازات ونجاحات المنظمة عبر أجهزتها الأخرى المتدخلة في مجالات التغذية والصحة والبيئة والتعليم … ورغم انتفاع الملايين من سكان الكرة الأرضية من برامج مقاومة الفقر وسوء التغذية والأمية التي تمولها وتسهر على تنفيذها المؤسسات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة كل في مجال تخصصها. وهذه البرامج نفسها تبقى رهينة توفر التمويل الضروري لتنفيذها والمتأتي أساسا من الدول الأعضاء حيث تساهم الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 22 % في ميزانية المنظمة الأممية والصين بنسبة 12 % واليابان بنسبة 8 % وألمانيا بنسبة 8 % علما وأن المنظمة مدينة للولايات المتحدة بحوالي 04 مليارات دولار سددت منها خلال فيفري الفارط 160 مليون دولار بعد تشكيات من المنظمة من أزمة مالية كبيرة تهدد تواصل عدة برامج أممية ومست حتى التسيير اليومي للمنظمة.
إن تبعية المنظمة الأممية المفرطة للقوى الامبريالية في العالم وتحولها إلى جهاز بيروقراطي دولي واهتراء سمعتها بسبب الأدوار السياسية التي لعبتها ولا زالت والتي غطت على كل الأبعاد الإنسانية الأخرى في نشاطها جعل التساؤل عن مدى وجاهة تواصل الاعتراف بها كمنظمة أممية راعية للسلم العالمي وهي التي أشاحت بنظرها عن مئات المجازر والاعتداءات والتصفيات العرقية بل وفرت غطاء أمميا لأكثر من اعتداء على سيادة الشعوب، تساؤلا مشروعا بوصفها جزء لا يتجزأ من نظام دولي متوحش تفاقمت فيه الاعتداءات على القيم التي تأسست عليها المنظمة الأممية نفسها وعلى التوازنات البيئية للكوكب الذي نعيش فيه.
لقد كانت منظمة الأمم المتحدة، مهما كان نبل الشعارات التي ترفعها في ميثاقها، تعبيرا سياسيا مكثفا عن موازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية ولم تكن بأي حال من الأحوال منظمة منفصلة عن الواقع الدولي وأي حديث عن استبدال هذه المنظمة بهيكل بديل أكثر إنسانية وأكثر فاعلية في الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب وعن التوازنات البيئية التي دمرتها الآلة الصناعية للرأسمالية العالمية يعتبر حديثا مثاليا، طوباويا ما لم يكن مقترنا بحركة نضالية أممية ضد النظام الدولي السائد من أجل تغيير موازين القوى فيه لصالح الأمم والشعوب المضطهدة .
_____________
(1) الذي وقّعه رئيس الوزراء البريطاني في وقتها ونستون تشرشل والرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت في أوت 1941 وشكل حجر الأساس لفكرة المنظمة، حيث تضمن مبادئ مشتركة في السياسات الوطنية للبلدين، تهدف إلى بناء مستقبل أفضل للعالم، كما نصّ على إنشاء نظام واسع ودائم لإحلال السلام الدولي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
