بقلم ميساء الحمادي
في 21 سبتمبر، خرجت أولى التحركات من ثانوية Saint-Exupéry في Créteil، بعدما اصطدم التلامذة مباشرة بتفاقم التفاوت الطبقي من منطقة إلى أخرى. ففي الوقت الذي تُجهّز فيه بعض المدارس طيلة الصيف لاستقبال التلاميذ في أبهى حلة، تجد مدارس أخرى، خصوصًا في المناطق الشعبية، نفسها أمام النقص في المدرسين، والاكتظاظ، وتهالك التجهيزات، وظروف الدراسة الصعبة، والضغط المرتبط بالولوج إلى الجامعة، وصولًا إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل الأقسام.
اندلاع الشرارة
من هنا اندلعت شرارة التحركات، وانتقلت من مؤسسة إلى أخرى، ومن ضاحية إلى أخرى، قبل أن تتجاوز جهة باريس وتصل إلى مختلف أنحاء فرنسا. وساعدت شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة Snapchat وTikTok وInstagram وWhatsApp، على تسريع هذا الانتشار؛ ففي بعض المدارس كان التلامذة يتبادلون مواعيد التحركات وطرق إغلاق المؤسسات عبر مجموعات Snapchat، بينما انتشرت الصور ومقاطع الفيديو على نطاق أوسع.
في 29 سبتمبر، كانت التحركات قد وصلت إلى نحو 410 ثانويات، وفق المعطيات المنشورة آنذاك. وبعد أيام قليلة، تجاوز عدد المؤسسات المعنية بالتحركات الألف، بينها 222 مؤسسة شهدت إغلاقًا فعليًا. وبحلول 2 أكتوبر، كانت نحو 400 مؤسسة لا تزال مغلقة، فيما أعلنت السلطات عن مئات المؤسسات التي شهدت تحركات.
السلطة تواجه التحركات بالقمع
كما وقعت مواجهات مع قوات البوليس، وارتفع عدد الإيقافات بسرعة، وكان عدد كبير من الموقوفين من القُصّر. وسُجلت إصابات في صفوف التلامذة والعاملين، كما فُتح تحقيق بعد إصابة تلميذ إصابة خطيرة خلال تدخل البوليس. وفي خضم ذلك، بدأت صور ومقاطع التدخلات الأمنية تنتشر على نطاق واسع، لتضيف إلى الاحتجاج على ظروف التعليم احتجاجًا آخر يتعلق بطريقة تعامل الدولة مع المحتجين. وهنا يظهر هشاشة الخطاب الغربي عن «حقوق الإنسان» و«الديمقراطية» حين يُختبر داخل حدوده الاجتماعية المباشرة. فالإمبرياليات قادرة على إنتاج خطاب واسع حول الحريات والحقوق والقيم الديمقراطية عندما تتحدث عن المستعمرات، لكنها تُختبر فعليًا عندما يطالب مراهقون داخل مدنها بهذه الحقوق في صورتها اليومية مدرسة صالحة، تعليم متكافئ، ظروف تحفظ الكرامة، وحق في مستقبل لا تحدده الطبقة والمكان الذي ولد فيه الإنسان.
وهذا ليس خاصًا بفرنسا. كلما دخلت أحد المستعمِرات في اختبار مباشر مع قضية إنسانية أو اجتماعية، يظهر الفرق بين الصورة التي تقدمها عن نفسها وبين الممارسة الفعلية لمؤسساتها. فالخطاب يمكن أن يكون عالميًا، أما الاختبار فهو محلي ومادي، ويُقاس بما يعيشه الإنسان في مدرسته ومكان عمله وحيّه ومستقبله.
البحث عن “المحرّض“
والمأساة أن الدولة نفسها لا تنكر بالكامل وجود المشكلة. فقد تحدث وزير التربية عن مشروعية بعض مطالب التلامذة، في الوقت الذي تحوّل فيه الخطاب الحكومي والسياسي سريعًا نحو اتهام حزب «فرنسا الأبية» وشخصيات من اليسار باستغلال الحركة والمساهمة في تأجيجها. كما اتهمت الحكومة وأطراف من اليمين الحزب بمحاولة ركوب الاحتجاج، ووصل النقاش لدى بعض الشخصيات اليمينية إلى طرح مسألة حظر الحزب.
وهنا تحديدًا تعيد ذات الآليات السياسية الكلاسيكية إنتاج نفسها فعندما تقرع الاحتجاجات أبواب الأروقة وتهدد راحة السلطة، من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول، يصبح البحث عن “المحرّض” أسهل من البحث في شروط إنتاج الغضب نفسه.
لا يعني ذلك أن القوى السياسية لا تستطيع استثمار الاحتجاجات؛ تستطيع، وقد فعلت ذلك تاريخيًا. لكن تحويل النقاش كله إلى سؤال: «من حرّض هؤلاء؟» يتجاهل السؤال الأهم: لماذا وجد آلاف التلامذة أصلًا ما يكفي من الأسباب للنزول إلى الشارع؟
وفي هذا السياق، يبدو أن اليمين يعاني من نوع من البارانويا السياسية عابرة للحدود، فهاجس المؤامرة يجعل كل غضب اجتماعي يبدو وكأنه مؤامرة مدبّرة من جهة خفية، وكل احتجاج لا يمكن تفسيره من خلال أسبابه الاجتماعية إلا باعتباره نتيجة لمحرض خارجي. يصبح “المحرّض” حاضرًا قبل أن يُسأل عن الواقع الذي جعل الاحتجاج ممكنًا.
أزمة اقتصادية حادّة
وفي الوقت نفسه الذي يكشف اليمين عن مرضه العضال خرج موظفو القطاع العام في تحركات واسعة احتجاجًا على الأجور وظروف العمل والسياسات المرتبطة بميزانية 2027. وشملت التعبئة قطاعات مختلفة من الوظيفة العمومية، في سياق ميزانية تتجه نحو خفض العجز وتشديد ضبط الإنفاق. وقد أكدت الحكومة أن مشروع ميزانية 2027 يتضمن 54 مليار يورو من جهود التوفير، منها 43 مليارًا من الإجراءات الجديدة.
أما الدين العمومي الفرنسي، فقد بلغ في نهاية الربع الثاني من سنة 2026 نحو 3.5955 تريليون يورو، أي 119% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي.
وتُفسَّر حدة ردود الفعل تجاه التلامذة أيضًا بكون التعليم أحد أكثر القطاعات قابلية للاشتعال؛ لأنه يمس المستقبل مباشرة. العامل يدافع عن شروط عمله الحالية، أما التلميذ فيعارض الحياة التي قد يجد نفسه مضطرًا إلى تقاسمها يومًا ما مع العامل نفسه. ولذلك فإن الاحتجاج داخل المدرسة لا يتعلق فقط بما يحدث داخل القسم، وإنما بما ينتظر هذا الجيل خارجه.
الحركة الشبابية تنتعش في كلّ قارّات العالم
ولهذا لم يكن من المصادفة أن تنتشر الاحتجاجات بسرعة بين جيل يعيش أصلًا في فضاء رقمي مشترك. صورة واحدة لمدرسة مغلقة أو مواجهة مع البوليس يمكن أن تنتقل خلال دقائق من مدينة إلى أخرى، فتتحول التجربة المحلية إلى تجربة يتعرف عليها آخرون باعتبارها تجربتهم هم أيضًا.
ومنذ العقد الأخير، ظهرت موجات شبابية في مناطق مختلفة من العالم: من هونغ كونغ وتايلاند إلى سريلانكا، ثم احتجاجات بنغلاديش وكينيا وصربيا في 2024، وموجات أخرى في إندونيسيا ونيبال والمغرب ومدغشقر وغيرها في 2025. تختلف الأسباب جذريًا من بلد إلى آخر، لكن ثمة عنصرًا مشتركًا في عدد من هذه التجارب: جيل شاب يستخدم أدوات الاتصال الرقمية لبناء قدرة سريعة على الانتشار، ثم ينقل الغضب الافتراضي إلى الشارع.
وهنا يمكن قراءة الاحتجاج الفرنسي ضمن ظاهرة أوسع، دون أن يعني ذلك أن كل هذه الحركات متشابهة.
الشباب في أكثر من مكان أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه قادر على فتح شقوق في جدار العبث ويلامس معطيات الواقع بأصابع من الشجن ليفرض قضية كانت السلطة تفضل غض النظر عنها، وأن يحول مشكلة محلية إلى قضية وطنية خلال أيام، وأن يخلق لغة احتجاج خارج القنوات السياسية التقليدية.
لكن التجارب نفسها تكشف حدود ذلك. فالاحتقان يمكن أن ينتشر بسرعة، لكنه يمكن أيضًا أن يُمتص بسرعة. قد يحصل المحتجون على لجنة حوار، أو وعود بالإصلاح، أو تنازلات محدودة، أو تغيير في الخطاب الرسمي، ثم يعود البناء الاجتماعي الذي أنتج الاحتجاج إلى العمل كما كان.
هل تؤازر الحركة الاجتماعية انتفاضة الشباب التلمذي؟
هنا يصبح الفرق بين احتجاج شبابي واسع وحركة اجتماعية أوسع أكثر وضوحًا.
ماي 1968 يقدم المثال الفرنسي الأشهر. بدأت الأزمة في الجامعات، لكن اللحظة التي غيّرت حجمها كانت دخول العمال إلى الإضراب، وامتداد الإضرابات إلى قطاعات واسعة، حتى وصل عدد المضربين إلى ملايين وتوقفت أجزاء كبيرة من الاقتصاد والنقل والخدمات. عندها لم تعد المسألة تخص الطلبة وحدهم، بل أصبحت مواجهة اجتماعية شاملة.
وفي فرنسا الحالية، ما زال من المبكر وضع علامة مساواة مع 1968. لكن تزامن الاحتجاجات الطلابية مع تحركات واسعة في القطاع العام يعيد طرح السؤال نفسه: هل ستبقى الحركة موزعة بين قطاعات منفصلة، أم ستجد مطالبها نقاط التقاء؟
فالسلطة تستطيع التعامل مع احتجاج تلامذة مدرسة بعد مدرسة. تستطيع إغلاق مؤسسة، إرسال البوليس، فتح تحقيق، إطلاق منصة حوار، أو تقديم تنازل جزئي. لكنها تواجه مسألة مختلفة تمامًا عندما يصبح الاحتجاج مرتبطًا بمن يعملون داخل المدرسة، وبمن يعملون في المستشفيات، وبالموظفين العموميين، وبالنقابات، وبقطاعات النقل والخدمات والإنتاج.
لذلك إن ما تكشفه فرنسا الآن هو شيء أكثر تعقيدًا جيل جديد يرفض أن يكون متلقيًا صامتًا لنتائج قرارات لم يشارك في صنعها، لكنه لم يحسم بعد الشكل الذي يستطيع به تحويل هذا الرفض إلى قوة منظمة ومستدامة.
وهذه ليست ملاحظة تخص فرنسا وحدها. من بنغلاديش إلى كينيا، ومن صربيا إلى المغرب ومدغشقر، مرّ الشباب خلال السنوات الأخيرة بلحظات مختلفة من الاحتجاج والانتفاض. في بعض الحالات نجح الضغط في إسقاط قرارات أو حكومات، وفي حالات أخرى جرى احتواء الغضب أو تفكيك الحركة أو استيعاب بعض مطالبها.
وما يتكرر هو أن السلطة تستطيع امتصاص موجة الاحتجاج أسرع مما تستطيع معالجة البنية الاجتماعية التي أنتجتها. فإذا بقي الغضب محصورًا في لحظته، يمكن احتواؤه. أما إذا وجد طريقه إلى التنظيم، وإلى مطالب مشتركة بين الشباب والعاملين، وإلى مواقع القوة الاقتصادية والاجتماعية، فإن طبيعة المسألة نفسها تتغير. ويمكن فعلًا الحديث عن إمكانية تغيير الواقع، لا عن مضاعفة مساحيق التجميل لإخفائه لبعض الوقت؛ فما إن تهطل أمطار الواقع حتى يذوب كل ذلك المكياج، ويعود الواقع، بكل ما يحمله من قبح وتناقضات، ليقف من جديد كفزاعة في وجه الجميع.
صوت الشعب صوت الحقيقة
