الرئيسية / صوت الوطن / ما بعد 17 أكتوبر: الشارع يستعيد زمام المبادرة
ما بعد 17 أكتوبر: الشارع يستعيد زمام المبادرة

ما بعد 17 أكتوبر: الشارع يستعيد زمام المبادرة

بقلم كوثر الباجي

حين انسدل الستار عن السابع عشر من أكتوبر 2026، لم يكن ما تركته المسيرة في ذاكرة العاصمة مجرد حشدٍ ملأ شارع الحبيب بورقيبة، بل كان مشهداً تجاوزت دلالته حدود الحشد الذي ملأ الشارع. لقد كان نزولاً جماهيرياً لم يعرف له الشارع التونسي نظيراً منذ سنوات طويلة، وتحديداً منذ أن خفت صوت الشارع تحت وطأة التضييق والقمع، وتراجعت قدرة القوى الاجتماعية والسياسية على تحويل الغضب الشعبي إلى فعل جماعي منظم.

الحضور الطيفي: نسيج شعبي يرفض التجزئة

ما يُذهل في هذا النزول، قبل أي اعتبار آخر، هو بنيته التي لا تشبه التشكيلات المألوفة. فلم يكن الحاضرون وفداً من هنا وآخر من هناك، بل اجتمع في المكان والزمن نفسيهما طيف ديمقراطي تقدمي لم يسبق له مثيل: قيادات المنظمة الشغيلة التونسية وهيئات المجتمع المدني، نقابات المحامين والأطباء والصحفيين، وقوى المعارضة السياسية من مشارب شتى، وإلى جانبهم جمهور صمت طويلاً: أجراء القطاعين العام والخاص، وشباب أقصاه التعطيل عن العمل، ومواطنين حملوا هموم الغلاء والبطالة. وإنه لتداخل السياسي بالاجتماعي هو ما منح المسيرة ثقلها الراهن، وجعل منها فوق أن تكون تظاهرة عابرة، حدثاً تاريخياً أعاد ترتيب موازين القوى.

ولم تكن الشعارات التي غاصت بها الجادة أقل بلاغة من الحضور ذاته. فما جهرت به الحناجر في ذلك اليوم كان خلاصة سنوات من القهر مُكثَّفة في عبارات خالدة وهي شعارات تقول باختصار البليغ ما عجزت عنه البيانات المطوّلة: أن الوجع الذي يعيشه الناس ليس قدراً محتوماً، وأن منظومة الحكم ذات طبيعة طبقية رجعية لا تدافع إلا عن امتيازات قلةٍ محظية، وأن عداءَ الحاكم بأمره للحريات حوّل الوطن إلى زنزانة مفتوحة يُساق إليها بناتُ الشعب وأبناؤه لأتفه الأسباب: كلمةٌ قيلت، ورأيٌ عُبّر عنه، ومنشورٌ كُتب، أو مطلبٌ مشروع في شغلٍ وعيشٍ كريم.

شارع محاصر وإرادة لم تُحاصر

غير أن ما خرجت إليه الجماهير يومها لم يكن شارعاً مفتوحاً بل شارعاً محاصراً: سُدّت المداخل، ونُصبت الحواجز في كل صوب، ونشرت السلطة تعزيزات أمنية مهولة طوّقت مسار المسيرة من كل جانب. وكانت النتيجة المباشرة منع عدد كبير من المواطنات والمواطنين من الالتحاق بها والمشاركة فيها. رغم ذلك فقد اجتمع آلاف من المشاركين، نقلت بعض وسائل الإعلام أنهم تجاوزوا 6000 مشارك. فيظل الحجم الحقيقي للشحنة الشعبية أعظم بما لا يُقاس من عدد الحاضرين.

في المقابل، لم تمر هذه اللحظة التاريخية دون أن تكشف السلطة عن وجهها الحقيقي، فهي في الظاهر أمنت المسيرة وسمحت بها، لتبيع إلى الخارج صورة بلدٍ تُصان فيه المسيرات وتصوير تونس على أنها فضاء للديمقراطية؛ وفي الباطن طوّقت العاصمة وغربلت الوصول إليها لضمان بقاء الحدث محصوراً في قياس يمكن تصغيره.  ثم تكتمل الصورة بفعل السلطة وتسويقها: زعمت أن المشاركين «أنفار معدودة».  لكن السلطة لا تدرك أن هذا الحصار المحكم هو أبلغ اعتراف برعبها من الشعب. فحين تضطر إلى تسويير العاصمة بأكملها خوفاً من بضعة آلاف، فهي تعترف ضمناً بأن شرعيتها مهشمة، وأن وجودها لا يستند إلى رضا الناس. لكن الحقيقة التي أسقطتها مسيرة 17 أكتوبر لا تقبل الالتفاف: أن النظام لا يستطيع أن يقوم على القمع وحده ولا على التسويق وحده؛ فحين يجوّع الناس ثم يتهمهم بالجوع، وحين يطوّق العاصمة ثم يدّعي أن الشارع فارغ، فإنه يصوغ بيديه الأزمة التي يزعم أنه يحاربها.

الطابع الطبقي: جوهر الأزمة وأدوات القمع

لفهم عمق ما حدث يوم 17 أكتوبر، يجب الغوص في البنية الاقتصادية والاجتماعية للسلطة الحالية، والتركيز على “الطابع الطبقي” لأزماتها. إن ما تعيشه تونس ليس مجرد أزمة حكم أو صراع على السلطة، بل هو أزمة نظام رأسمالي تابع، يخدم طبقة طفيلية متحالفة مع مصالح إمبريالية. لقد انكشفت عورة هذا النظام من خلال تطبيقه الأعمى لوصفات صندوق النقد الدولي، والتي شملت تجميد الأجور، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، وتفكيك المؤسسات العمومية تمهيداً لخصخصتها وبيعها بأبخس الأثمان. وقد حاولت السلطة مراراً وتكراراً تغطية هذا النهب المنظم خلف يافطات أمنية وشعبوية زائفة، زاعمة أنها تحمي الوطن من المؤامرات الخارجية، لكنها في الحقيقة كانت تحمي جيوب اللصوص على حساب قوت الشعب.

إن “الطابع الطبقي” للسلطة الشعبوية الفاشية يتجلى بوضوح في طريقة إدارتها للصراع الاجتماعي؛ فهي لا تتردد في تجويع الطبقات الكادحة لحماية أرباح الأقلية، وتستخدم جهازها القمعي لسحق كل صوت يعترض على هذا النهب. السجون المكتظة بالعمال، والنشطاء، والشباب الذين طالبوا بحقهم في الشغل، والأحكام الجائرة من هنا ومن هناك بسبب منشور على مواقع التواصل، كلها شواهد على أن الدولة تحولت إلى أداة قمع طبقية. حيث يُسجن الفقير لأنه سرق رغيف خبز، ويُكافأ الفاسد لأنه نهب خيرات البلاد. إن محاربة هذا الاستبداد تتطلب بالضرورة وعياً طبقيّاً يدرك أن تحرير الإنسان التونسي لن يكتمل دون تحرير اقتصاده.

من ذاكرة النضال إلى إمكان التغيير

وليس هذا النزول، في حقيقته، حدثاً منفصلاً عن ذاكرة المكان. فالجادة التي احتشد فيها المتظاهرون يوم 17 أكتوبر هي ذاتها التي شهدت وقائع 26 جانفي 1978، وانتفاضة الخبز في 1984، وانطلقت منها شرارة ثورة الحرية والكرامة في ديسمبر 2010، إن تاريخ الشارع التونسي زاخرٌ بلحظات فارقة كان الحشدُ الجماهيري فيها صاحب الكلمة الفصل، وكلما خمدت الموجة عادت لتعلن من جديد حين يشتد الوجع ويشتد القمع. وما جرى يوم السبت الماضي ليس انقطاعاً عن هذا النسق بل استئنافٌ له.

 هذه “لحظة الاستعادة” تعيد وصل الحاضر بالماضي، وتؤكد أن الشعب التونسي يملك القدرة على الانتفاض حين تصل الأمور إلى مرحلة اللاعودة.

يبقى السؤال الذي يفرض ذاته بإلحاح: هل تكتفي المعارضة بهذا الانتصار الرمزي وتنتظر ما بعده، أم تبني عليه بناءً يراكم المكاسب؟ إن مسيرة 17 أكتوبر، وقد كسرت سور الخوف وأعادت الشرعية إلى صاحبها الشرعي، تشكل لحظة مفصلية في استعادة التعبئة ضد السلطة الشعبوية وسياساتها. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الاستبداد لا يُدحر بالمسيرات وحدها، بل بتراكم التصعيد المنضبط، وفي هذا السياق تبرز أهمية ما تملكه المنظمة الشغيلة اليوم: قرار إضراب عام ثبّته مؤتمرها الوطني الأخير وأكده المجلس الوطني الإداري في سبتمبر، وكلف المكتب التنفيذي بإعداد خطة تصعيد متدرجة بالتنسيق مع هيئة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ورقة الإضراب العام ليست ورقة عرضية؛ لكن وجب النضال لتغيير جذري تكون فيه الثروة للمنتجين والقرار للكادحين.

وخلاصة الكلام أن 17 أكتوبر لم يكن مسيرة عابرة، بل إعلانٌ عن عودة الشارع إلى ميدانه، وعن أن سور الخوف بدأ ينهار درجةً درجة. 

لقد أجاب ذلك اليوم عن سؤال «هل سيتحرك الناس؟»، وبقي السؤال الأهم معلقاً في الأفق.

إن المعركة القادمة لن تحسم بالشعارات، بل بالإصرار على تصعيد النضال حتى تسقط منظومة الجوع والزنزانات، وينتزع الكادحون حقهم في حياة حرة وكريمة.

إلى الأعلى
×