الرئيسية / صوت الوطن / المسيرة الوطنية 17 أكتوبر: الرسائل والآفاق
المسيرة الوطنية 17 أكتوبر: الرسائل والآفاق

المسيرة الوطنية 17 أكتوبر: الرسائل والآفاق

بقلم : عمار عمروسية

مازالت مسيرة 17 أكتوبر الجاري التي شهدتها العاصمة التونسية منطلقا لسجالات سياسية وإعلامية مكثفة على الأقلّ على الشبكات الاجتماعية وفي بعض الفضاءات والأطر المرتبطة بهذا الشكل أو ذاك بالشأن الوطني العام.

فالآراء والمواقف شديدة التباين وحتَّى التناقض بمستويات تجاوزت ما كان يحدث خلال السنوات القليلة الماضية الأمر الذي يؤكد وجاهة النظر لتك الخطوة باعتبارها في حدود ما وجوانب معيّنة مغايرة لما سبقها من حركات احتجاجية وهو ما سنعمل على تناوله لاحقا في جانبين يتصلان بأمرين هما:

الرسائل

ما من شك في أنّ مسيرة 17 أكتوبر منظورا لها من زاوية موضوعية عامة ليست سوى فاصلة أو بالأصح حلقة من مسار طويل وعسير لحركة سياسية وحقوقية واجتماعية ضد المنظومة الديكتاتورية التي وضعت مجمل مكتسبات الثورة تحت أثقال مختلف أجهزتها الصلبة بهدف التصفية والوأد الذي بلغ درجات غير مسبوقة في أغلب المجالات وعلى الأخصّ في باب الحريات السياسية للأفراد والجماعات الأمر الذي حوّل البلاد إلى سجن كبير وجعل من الجميع تقريبا في حالة سراح مؤقت.

إن الاكتفاء بزاوية النظر المذكورة في محاولة تحديد جميع الحيثيات المرتبطة بالمسيرة الوطنية (17 أكتوبر) من شأنه أن يحجب الكثير من دلالات الحدث وإمكانيات تطوّره الإيجابي مستقبلا شريطة النجاح في توفير عدّة عناصر ضرورية لدفع تلك الديناميكية والارتقاء بها.

فالمسيرة جاءت بعد حوالي شهر من أوسع حملة اعتقالات طالت ناشطات ونشطاء مارسوا حقهم الطبيعي في التظاهر يوم 19 سبتمبر وكان واضحا بأن السلطة أرادت الاشتغال على تحقيق ليس فقط مزيد نشر مشاعر الخوف وسط الجماهير وإنما فرض حصانة لرأس المنظومة (قيس سعيد) ووضعه من جديد خارج دوائر النقد والتشهير.

والمسيرة انتظمت بعد حملة مسعورة قادها أنصار الرئيس بسردية بالية وممجوجة قائمة على حبك الافتراءات والتشويهات والتهديدات بهدف الإرباك والتشويش على المنظمين والمشاركين فهم في عرف الديكتاتورية وأنصارها “خونة وعملاء”!!! وهم “مرتزقة يحركهم المال الأجنبي” الخ… من المزاعم.

ضمن هذه المناخات المرفقة بالتضييق على الولوج إلى “بطحاء الاتحاد” وجميع الشوارع والأنهج المؤدية لمسار المسيرة شقّت الأخيرة طريقها بحشود غفيرة ودرجة تنظيم محترمة أمكن لهما تقويض أسس السردية الشعبوية، فالاختلاف الإيديولوجي والسياسي وتعدّد المنظمات والجمعيات والأحزاب منح الحراك يومها زخما استثنائيا قياسا بما كان في السنوات القليلة الماضية وأبرز إلى السطح الهوّة السحيقة بين نخبة البلاد في مختلف المجالات والمنظومة الشعبوية التي تقتات من ضحالة الفكر والسياسة وتحافظ على وجودها بسطوة الأجهزة القمعية والقضاء المدّجن.

لقد انتصرت إرادة الحرية يومها على الحواجز الحديدية والهراوات البوليسية المتوثبة ومنحت تلك الجموع الوافدة من العاصمة والجهات الداخلية بما فيها الأكثر بعدا لشارع الثورة وغيره أرقى معاني التوق للتحرر من خلال مشهدية أعادت إلى الأذهان ألق تلك الميادين والساحات زمن عنفوان المسار الثوري، فالحضور وفق كبريات وسائل الإعلام العالمية كان بالآلاف والمضمون السياسي سواء المكتوب منه (يافطات، معلقات، رسوم…) أو المنطوق (شعارات، أهازيج، هتافات..) كانا على درجة عالية من الدقة والوضوح من جهة في إدانة سياسات الحكم الشعبوي ومن جهة أخرى في استعادة ملامح وأهداف مشروع الثورة التونسية المغدورة.

الآفاق أو ماذا بعد 17 أكتوبر

مثلما أسلف لقد نجحت المسيرة في تحقيق الكثير من أهدافها وأمكن لها تحقيق نقاط إيجابية على حساب عدّاد الديكتاتورية الذي لا  يتحرك إلاّ نحو مزيد تجريف الحياة الفكرية والسياسية والحقوقية والثقافية بما يضمن الخضوع والاستسلام غير أنّ جميع تلك النقاط أو المكاسب تبقى ظرفية وقابلة للتلاشي إذا لم يرافقها وعي عميق لدى منظميها وداعميها بضرورة المسارعة إلى العمل الجادّ على مستويات مختلفة سياسية وتنظيمية وعملية من أجل تعزيز أسس العمل المشترك تحت سقف الحدّ الأدنى السياسي والاجتماعي والوطني الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المرحلة الحالية مع الاستفادة من الدروس الأساسية لثورة 17 ديسمبر 2010.

14 جانفي 2011 وما أعقبها من عشرية كانت بمثابة الصراع المرير مع قوى الثورة المضادة.

فالخطوة التي تمّ قطعها يوم 17 أكتوبر من قبل 9 منظمات وجمعيات زيادة عن الإسناد الحزبي الواسع كانت إضافة مميّزة لديناميك الحراك المجتمعي على الأقلْ من زاوية كسر حاجز الخوف وإعادة الأمل في قيم النضال والمقاومة القادرة على الوقوف في وجه صلف الديكتاتورية المرعوبة من تنامي الحراك الاجتماعي وتزايد بؤر التوتر والاحتقان.

إلى الأعلى
×