بقلم عمر الهمامي
لا يحتجّ الناس من فراغ، ولا تتراكم الاحتجاجات لأنّ الناس فقدوا صبرهم فحسب، بل لأنّ واقعًا كاملًا يدفعهم، يومًا بعد يوم، إلى الاصطدام بحدود لم تعد حياتهم قادرة على احتمالها. حين يصبح الأجر عاجزًا عن تأمين الضروريات، والبطالة قدرًا يهدّد مستقبل الشباب، والخدمات العمومية عبئًا إضافيًا على الفئات الشعبية، لا يعود السؤال لماذا يحتجّ الناس، بل لماذا تستمرّ السياسات التي تجعل الاحتجاج ضرورة متجدّدة؟
إنّ الغضب الاجتماعي ليس مجرّد انفعال عابر يمكن احتواؤه بخطاب رسمي أو وعد جديد. إنّه حصيلة تجارب يومية من التهميش وانعدام الأمان الاقتصادي والشعور بأنّ مصالح الأغلبية لا تحتلّ المكانة التي تستحقّها في القرارات العامة. وحين تتكرّر الأزمة نفسها، وتتكرّر معها الوعود نفسها، يصبح من حقّ الناس أن يتساءلوا عن جدوى منظومة كاملة تعجز عن تقديم إجابات ملموسة عن أبسط أسئلتهم.
لقد اعتادت السلطة، في كثير من الأحيان، التعامل مع المطالب الاجتماعية باعتبارها ملفّات قابلة للتأجيل، ومع الاحتجاج باعتباره اضطرابًا ينبغي احتواؤه. لكنّ هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية: لا يمكن إسكات أسباب الغضب ما دامت الظروف التي أنتجته قائمة. فالعامل الذي يطالب بأجر عادل، والعاطل الذي يطالب بحقّه في الشغل، والمواطن الذي يدافع عن خدمات عمومية تحفظ كرامته، لا يحتاجون إلى مزيد من التطمينات بقدر ما يحتاجون إلى تغيير ملموس في واقعهم.
ومع استمرار المماطلة، تتجاوز المسألة حدود المطالب الجزئية لتطرح سؤالًا سياسيًا أعمق: هل تستطيع المنظومة القائمة معالجة الأزمات التي تتجدّد في ظلّ سياساتها، أم أنّ تجاوز هذه الأزمات يقتضي تغييرًا جذريًا في طريقة إدارة المجتمع والاقتصاد والسلطة؟
إنّ طرح هذا السؤال ليس دعوة إلى الفوضى، بل هو اعتراف بأنّ الإصلاحات الشكلية قد تفقد معناها حين لا تمسّ أسباب الأزمة. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بعدد الوعود ولا بتبديل الوجوه وحده، بل بمدى قدرة الناس على فرض أولوياتهم الاجتماعية، ومراقبة القرار السياسي، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة توجيه الثروة والموارد نحو الحاجات الأساسية للأغلبية.
ومن هنا، يصبح تجاوز منظومة الحكم القائمة أفقًا سياسيًا يمكن أن تطرحه الحركة الشعبية حين تفقد تلك المنظومة ثقة قطاعات واسعة من المجتمع. لكنّ هذا الأفق لا يتحقّق بالشعارات وحدها، ولا بمجرد تراكم الغضب؛ بل يحتاج إلى تنظيم مستقلّ للعمال والشباب وسائر الفئات المتضرّرة، وإلى برنامج واضح يربط بين المطالب اليومية والتغيير السياسي، ويمنع استبدال سلطة بأخرى من دون تغيير السياسات والعلاقات التي أنتجت الأزمة.
إنّ وحدة النضالات الاجتماعية والسياسية تكتسب أهميتها من قدرتها على تحويل الاحتجاجات المتفرّقة إلى قوة جماعية واعية بمطالبها وأهدافها. فحين يلتقي النضال من أجل الأجر والشغل مع النضال من أجل الحريات والعدالة والمحاسبة، يصبح التغيير أكثر من ردّة فعل على أزمة آنية؛ يصبح مشروعًا لبناء نظام سياسي واجتماعي يضمن الحقوق، ويوسّع المشاركة الشعبية، ويجعل السلطة خاضعة للمساءلة.
ولا يمكن لأيّ تغيير أن يكتسب شرعيته من ادّعاء تمثيل الناس، بل من قدرتهم الفعلية على المشاركة في صنعه. لذلك، فإنّ التنظيم المستقلّ، والتضامن بين مختلف الفئات، والنضال الجماهيري السلمي، والتمسّك بالحريات العامة، ليست تفاصيل ثانوية، بل شروط أساسية حتى لا تتحوّل لحظة التغيير إلى مجرّد إعادة توزيع للمواقع داخل المنظومة نفسها.
إنّ الرهان اليوم ليس على انتظار مبادرة جديدة من سلطة تؤجّل المطالب، بل على قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وفرض بديل ديمقراطي واجتماعي واضح. بديل يجعل الحقّ في الشغل والعيش الكريم والصحة والتعليم والحرية والمشاركة السياسية أساسًا للسياسات العامة، لا وعودًا مؤجّلة كلّما اشتدّت الأزمة.
إلى متى يمكن تأجيل مطالب الناس؟ لا يمكن تحديد اللحظة التي تتّسع فيها دائرة الغضب، لكنّ استمرار تجاهل المطالب يوسّع الهوّة بين المجتمع والسلطة، ويجعل مسألة التغيير السياسي أكثر إلحاحًا في نظر قطاعات قد تتّسع مع مرور الوقت.
إنّ إسقاط منظومة حكم لا يعني مجرّد تغيير الأشخاص في أعلى السلطة، بل يعني فتح الطريق أمام تغيير حقيقي في السياسات والمؤسسات وعلاقات القوة، على أساس الإرادة الشعبية والحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.
فحين تعجز المنظومة عن الاستجابة للمطالب الأساسية، يصبح من حقّ الناس أن يطرحوا بديلًا عنها. وحين يتحوّل التأجيل إلى قاعدة، يصبح التغيير حقًّا سياسيًا مشروعًا. ليست المشكلة أنّ الناس يطالبون بالتغيير، بل أنّ واقعهم يطرح، بإلحاح متزايد، سؤال البديل: أيّ نظام نريد، ولمن تكون السلطة، ولصالح من تُدار الثروة؟
صوت الشعب صوت الحقيقة
