بقلم جيلاني الهمامي
من المفروض أن يقع الإعلان موفّى شهر أكتوبر الجاري عن التراتيب التفصيلية لانطلاق التعداد الفلاحي الذي شرع في الاعداد له منذ السنة الماضية 2025 والذي يفترض أن تستكمل عمليات الإحصاء والإعلان عن نتائجه مع موفّى السنة الجارية.
هذا التعداد وهو الأول من نوعه سيمكّن، كما جاء حرفيا على موقع رئاسة الحكومة، من:
“وضع استراتيجيات قطاعية مبنية على أسس علمية.
تحسين حوكمة البرامج والمشاريع التنموية مما سيساهم في:
تحفيز الاستثمار وحسن توجيهه.
النهوض بالمستغلات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.
مزيد تثمين الرصيد العقاري الفلاحي وترشيد استغلاله ليكون رافعة للتنمية الاقتصادية.
تطوير البرنامج الإحصائي لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري.
تعزيز استراتيجية الوزارة في رقمنة القطاع الفلاحي”. (1)
وهو مشروع تبلغ تكلفته 5 ملايين دينار بتمويل من البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو – FAO) لتغطية مصاريف:
- “اقتناء ونشر اللوحات الرقمية الذكية (Tablets) للأعوان الميدانيين لجمع البيانات وتحديد المستغلات جغرافياً.
- إنشاء وتطوير قاعدة البيانات الرقمية المسندة جغرافياً.
- الربط الشبكي الآمن لنقل المعطيات اليومية بالتعاون مع المشغل الوطني اتصالات تونس”. (2)
نحو كشف حقائق فلاحتنا
قد يفضي هذا التعديد حقا إلى وضع قاعدة بيانات شاملة ومكتملة لجميع تفاصيل قطاع الفلاحة في بلادنا الذي كانت ولازالت الكثير من معطياته غامضة وغير معلومة لدى الرأي العام وحتى لدى النخبة والمهتمين بأخبار هذا القطاع.
تونس بلد زراعي في الأساس كان قطاع الفلاحة يتصدّر فيها كل الأنشطة الاقتصادية قبل أن يتراجع بحيث لم يعد يشغّل إلا 15 % فقط من اليد العاملة ولا يساهم إلا بـ 12% في الناتج الداخلي الخام.
وقد طال التدهور جميع جوانبه وبات مطمح تحقيق “الاكتفاء الغذائي” الذي يقع ترديده من زمان، مجرد شعار استحال مع تقدم الوقت إلى وهم لن يتحول إلى واقع. فتونس تعيش منذ سنوات عما ينتجه الآخرون من وراء البحار إذ تستورد ما يزيد عن 90% من حاجياتها من القمح اللين ونسبة كبيرة من القمح الصلب والشعير وما يقارب 200 ألف طن من الزيوت النباتية كما تستورد كميات من السكر واللحوم الحمراء والخضراوات (البطاطا والبقول الخ…) وبعض أصناف الغلال والفواكه الطازجة والجافة. وفي كلمة يكاد يقتات التونسي حصريا مما يأتيه من الخارج إلا في حالات استثنائية بالنسبة إلى بعض المنتوجات مثل التمور والقوارص وزيت الزيتون التي يقع تصدير الأساسي من صابة كل عام إلى الخارج لتوفير العملة الصعبة لخزينة الدولة.
هذا الوضع هو نتيجة طبيعية لتراجع الإنتاج الفلاحي المحلّي في كلّ المجالات تقريبا تحتَ تأثير جملة من العوامل والأسباب التي تظافرت فأدّت بفلاحتنا إلى أزمة هيكلية عميقة لم يتسن الخروج منها منذ سنوات طويلة. من أهمّ هذه الأسْباب السّياسات الفلاحية المعتمدة والتي لا يمكن أن تُنتجَ غير الواقع الذي أشرْنا إليه. وتَشمَلُ هذه السّياسات الجوانب العقارية والإنتاجية وطُرُق التّسيير والحوكمة وأنماط الاستغلال والتّسويق. وهي في أغلبها إن لم نقل كلُّها طرق وأساليب وأنماط تقليدية ظلّت الفلاحة في تونس تعاني منها بما حكم عليها أن تظل فلاحة متخلّفة غير منتجة agriculture extensive ومرتهنة بالعوامل المناخية وإكراهات السوق في الداخل والخارج.
فمزايا التعداد المزمع القيام به، في حالة ما إذا أجري على الوجه الأتمّ، أن يكشف بالتفاصيل الدقيقة معطيات قطاع الفلاحة في بلادنا وخاصة منها الثّغرات المتوارثة منذ عقود من الزّمن في مجال الملكية العقّارية والتّوجّهات الأساسية في الإنتاج والتخصّصات بحسب الظّروف الجغرافية والمناخية المحيطة. وممّا لا شك فيه أن المعالجات المطلوبة في هذا المستوى أو في مستويات الإرشاد الفلاحي وحماية نوعيات المشاتل وتطوير المردودية وتحسين الجودة وعقلنة التخصصات الإنتاجية من جهة إلى أخرى تحتاج أول ما تحتاج إلى قواعد بيانات صحيحة ودقيقة ومبوبة يمكن، على أساسها، إنجاز تقييمات صائبة وإعداد بدائل علمية قابلة للإنجاز والتحقيق.
غياب البحث العلمي
غياب البحث العلمي الفلاحي هو وجه من أوجه غياب الاستراتيجية الفلاحية لذلك تعاني هذه الواجهة (البحث العلمي الفلاحي) من الفوضى وتشتّت البرامج وتعدّد المجهودات والمبادرات دون رابط جامع أو تنسيق بين الهياكل المعنية سواء الحكومية المركزية أو القطاعية والهياكل المهنية (وزارة الفلاحة ووزارة التعليم العالي والمجامع المختصة واتحاد الفلاحين ومراكز البحث). وفي حالة الفوضى هذه تعمّقت القطيعة بين مؤسّسات البحث والجامعات والمستثمرين الفلاحيين خلافا لما يجري به العمل في بلدان أخرى معروفة بتطور الفلاحة عندها. ففي الكثير من البلدان تنخرط شركات الإنتاج وكبار المستثمرين الفلاحيين في المجهود البحثي سعيا وراء استنباط أساليب استغلال جديدة تساعد على بناء تجارب فلاحية جديدة منتجة ومربحة.
وفي هذه الفوضى أيضا يُعاني البحث العلمي الفلاحي من مشكلات التّمويل الذي بقي حتّى الآن مُقْتصرا على التّمويلات الأجنبية وخاصة الأوروبية التي لا تُرَاعي إلا مصالحها وأولوياتها الخاصّة على حساب مصالح الفلاحة في تونس وأولوياتها. هذا فيما لا تُسَاهم الدّولة وبقية المتداخلين المحليين في مجهود البحث العلمي عامّة والبحث الفلاحي تحديدا بشيء تقريبا لتوفير البنية الأساسية والتجهيزات والكفاءات اللازمة للبحث. وهو ما يفسّر قلّة عدد مؤسسات البحث واندثار البعض منها واضطرار الكثير من الكفاءات التونسية للهجرة إلى الخارج وخاصة إلى أوروبا.
أما القليل مما يقع إنتاجه من بحوث فقد ظلّ أغلبه في مستوى التّحصيل الأكاديمي ولم يَلْقَ طريقه إلى التّطبيق الميداني في مجالات إثراء مخزون المشاتل أو مقاومة شح المياه أو آثار الجفاف والتغيرات المناخية وغيرها من المجالات وذلك لأن نواة الإرشاد الفلاحي التي تمّ وضعها من قبل قد تلاشت وافتقد الفلاحون والمُزارعون التّونسيون حَلَقة الوصل التي كانت تُمَكّنهم من الاستفادة من حاصل البحوث والمعارف العلمية الهامة والكثيرة المتوفرة التي بقيت حبيسة المكاتب المغلقة أو عقول الكفاءات العاملة في حقل الفلاحة.
وغنيّ عن القول إنّه من دون سدّ هذه الثغرة أي من دون حسن ربط البحث العلمي الفلاحي بالفلاّح والعامل في حقل الزراعة ومن دون استيعاب الفلاحة في تونس منجزات العلم وتكنولوجيات الاستغلال الحديثة ستظل فلاحة متخلفة وتحت رحمة السّماء وستظل البلاد مضطرة إلى العيش عمّا يتم إنتاجه وراء البحار.
التعداد فرصة ولكن…
يُمثّل التّعْداد فرصة لإنجاز دراسة دقيقة لواقع الفلاحة في تونس وتوفير قواعد البيانات اللازمة لبلورة مشاريع وبدائل لتصحيح الوضع والمرور فعلا إلى تحقيق هدف الاكتفاء الغذائي. غير أنه ولكي يكون الأمر كذلك ثمّةَ جملة من الشروط التي لا بدّ منْها وتتعلّق أولا بطريقة إنجاز هذا المشروع وثانيا بالتعاطي مع ثماره. لذلك يبقى الأمر مرتبطا بمدى شمولية التعداد حقا لمسح كامل تفاصيل الفضاء الريفي والنشاط الفلاحي. وبحسب المعطيات المتوفرة فقد وفرت منظمة الأمم المتحدة للزراعة “الفاو” التمويلات والوسائل اللازمة (لوحات إلكترونية tablettes) لجمع المعطيات وتسجيلاها ما يبعث على الأمل في تحقيق عمل علمي شامل.
لكنّ استثمار نتائج هذا العمل لإصلاح أوضاع الفلاحة التونسية يبقى هو الهدف الأساسي من كل الأعمال الإحصائية وعمليات التّعداد الشّاملة أو الجزئية وهو ما لا أمل فيه في الحقيقة في ظل منظومة الحكم الحالية. فالقضية ليست مسألة معطيات أو تقنيات أو بحوث وإنما هي قضية خيارات مرتبطة بمصالح طبقية وبنمط إنتاج في الفلاحة كما في بقية قطاعات الإنتاج الأخرى (صناعة وخدمات) يقوم على الريع مندمج بالعولمة الرأسمالية من موقع التبعية إذ هو واقع تحت إملاءات الخارج تمويلا وإنتاجا وتسويقا. لذلك مهما كانت نتائج هذا التعداد دقيقة وعلمية فإنها لا تكفي لتغير في الواقع الشيء الكثير ما لم يقع معالجة أوضاع الفلاحة التونسية ضمن برنامج إصلاح زراعي شامل في إطار تغيير جذري للبنية الاقتصادية والاجتماعية الطبقية العامة ولمنظومة الحكم السياسية.
الهوامش
1 – أنظر الرابط التالي : PowerPoint Presentation
2 – أنظر الرابط التالي: PowerPoint Presentation
صوت الشعب صوت الحقيقة
