الرئيسية / صوت الثقافة / توفيق بكّار: الغائب الحاضر
توفيق بكّار: الغائب الحاضر

توفيق بكّار: الغائب الحاضر

 بقلم إبراهيم العثماني

مقدّمة

تمرّ هذه الأيّام (24 أفريل) الذّكرى السّابعة على رحيل الأستاذ توفيق بكّار(1927-2017)، أستاذ الأجيال والنّاقد المتميّز والمثقّف الموسوعي. وبهذه المناسبة نودّ أن نثير مسألة كثيرا ما تطرح بعد وفاة المبدعين والمفكّرين والمثقّفين، وتشغل بال المهتمّين بأحوالهم، والمتابعين لإنتاجهم والحريصين على حفظه من التّلف ، ونعني بذلك إعادة طبع المنشور منه وجمع الموزّع بين المجلاّت والكتب وتقديمه إلى القارئ ليغنم منه فوائد جمّة.
والأستاذ توفيق بكّار جمع، من بين نصوصه، متْنًا نقديّا مهمّا ونشره في كتب من نحو “مقدّمات”، و”قصصيّات عربيّة”، و”شعريّات عربيّة”. ولكن ظلّت دراسات شتّى موزّعة هنا وهناك، ورغم تتالي الأيّام وتعاقب السّنين لم يلتفت إليها من يخوّلهم القانون جمعها ونشرها في كتب مستقلّة بذاتها (العائلة أو دار الجنوب للنّشر أو وزارة الثّقافة.) وقد توزّعت هذه النّصوص بين الأدب التّونسي المعاصر والأدب القديم، وتقديم كتب ودراسات متفرقّة والفنّ التّشكيلي.

 في الأدب التّونسي

تعود علاقة توفيق بكّار بالأدب التّونسي إلى بداية ستّينات القرن العشرين. فقد كتب عن محمّد فريد غازي وعلي الدّوعاجي، وأبي القاسم الشّابّي والطّاهر الهمّامي، وصالح القرمادي ومحمود المسعدي، والبشير خريّف وحسن نصر، وأنجز دراسات تتّصل بمسار القصّة التّونسيّة، وتتبّع المراحل التي قطعتها والمنعرجات التي عرفتها. ولئن تضمّنت الكتب التي أشرنا إليها العديد من هذه الدّراسات فإنّ دراسات أخرى مهدّدة بالنّسيان والتّلف إن لم تحظ بالعناية الضّروريّة من لدن السّلطة الثّقافيّة المسؤولة الأولى، في البلاد، عن حماية تراث الرّموز الثّقافيّة الوطنيّة، ونشره وتوزيعه والإشادة بأصحابه وتثمين الأدوار التي اضطلعوا بها طوال حياتهم.

أ. دراسات باللّغة العربيّة

  1. علي الدّوعاجي فنّان الغلبة، مجلّة “التّجديد” (تونس)، الجزء الأوّل عدد5/6، جوان – جويلية 1961 (ص ص 62-78)، الجزء الثّاني عدد1 نوفمبر1962 (ص ص 4-20).
  2. مشاركة في دراسة أبي القاسم الشابي، “حوليّات الجامعة التّونسيّة”، العدد الثّاني السنة 1965 (ص ص 133-231).
  3. معنى الحريّة في أدب البشير خريف، مجلّة “الفكر” (تونس)، عدد8، ماي 1982 (ص ص 17-21).
  4. مختارات من الأدب التّونسي المعاصر: الجزء الثّاني – القصّة – المسرح: قسم القصّة إعداد الأستاذ توفيق بكّار / المقدّمة (ص ص 7-14)، الدّار التّونسيّة للنّشر 1985.
  5. من أعماق التّراث إلى أقصى المعاصرة، دراسات في القصّة العربيّة (وقائع ندوة مكناس) ط1، بيروت / لبنان 1986 (ص ص 168-178)، ومدار الدّراسة على أقصوصة لحسن نصّر من مجموعة “52 ليلة”.
  6. علي الدّوعاجي: الأعمال الكاملة.
  7. المجلّد الأوّل: المسرح جمع وتحقيق وتقديم وبيبليوغرافيا توفيق بكّار / نشر دار الجنوب وإشراف وزارة الثّقافة والمحافظة على التّراث، تونس جانفي 2010.
  8. المجلّد الثّاني: القصص وكتابات أخرى، نشر دار الجنوب وإشراف وزارة الثّقافة / نوفمبر2014.
  9. المجلّد الثالث: أغان وأزجال – خطوط ورسوم – ملاحق وألوان أخرى جمع وتحقيق وتقديم وبيبليوغرافيا توفيق بكار. أنجز هذا المجلّد وراجع نصوصه وحقّقها فاروق العمراني، وزارة الثّقافة / الإنجاز دار الجنوب تونس 2023.

ب- نصوص باللّغة الفرنسيّة

  1. Taoufik Baccar : Mhamed Férid Ghazi : une personnalité originale qui promettait. Tribune du progrès n°16-17-1962.
  2. Jean Fontaine : 20 ans de littérature tunisienne – préface de Taoufik Baccar (p 5-8) Maison tunisienne de l’édition 1977.
  3. Écrivains de Tunisie – Taoufik Baccar et Salah Garmadi – préface de Taoufik Baccar : Itinéraire de la littérature tunisienne contemporaine (p 11-54). Sud Éditions – Mars 2017.

تلك هي علاقة الأستاذ توفيق بكّار بالأدب التّونسي: تركيز على أهمّ الرّموز، وتقليب من زوايا مختلفة، وتوظيف للمناهج الملائمة لفهمه لا همّ له إلاّ سبر أغواره واستصفاء أجود ما فيه، وإبراز قيمته بين الآداب الأخرى مغربا ومشرقا. وهذه الرّحلة الطّويلة لم تقف عند حدود هذه الدّراسات إذ وجدناه لا يدّخر جهدا لتقديم كتاب راقه أو بحث جامعي أشرف عليه.

تقديم كتب

كثيرة هي النّصوص التي وطّأ بها الأستاذ توفيق بكار كتبا تناولها بالدّرس والتّحليل (روايات، مجموعات قصصيّة، أشعارا، مسرحا)، ونظر في مبانيها ومداليلها وجمع جلّها في مؤلّف سمّاه “مقدّمات” (ط1 – 2002). ولكنّ المتابع لكتاباته يتبيّن أنّ نصوصا أخرى كُتبت قبل هذا التّاريخ وبعده ويتّصل أغلبها بالأدب التّونسي لم تُدرج في الطّبعة الأولى أو الطّبعة الثّانية التي ظهرت بعد وفاته (ط2 – 2018). وقد ارتأينا أن نستعرض هذه المقدّمات على اختلاف مواضيعها

  1. حداثة مندور: تقديم كتاب “تطوّر النّظريّة النّقديّة عند محمد مندور” لفاروق العمراني – الدّار العربيّة للكتاب 1988 (ص 7-12).
  2. تقديم كتاب “البنية القصصيّة في رسالة الغفران” لحسين الواد / دار الجنوب للنّشر – تونس1993 (ص 9-14).
  3. محمود المسعدي “أبدا يعاد” تقديم كتاب “جدليّة الأصالة والمعاصرة في أدب المسعدي” لخالد الغريبي – دار صامد للنّشر والتّوزيع، تونس 1994 (ص 9-12).
  4. تقديم كتاب “خصائص الأسلوب في أدب المسعدي” لفاطمة لخضر، دار حنبعل للطّباعة والنّشر، ط 1 / 2002 (ص 5-6).
  5. وإذا المرأة كتبت تقديم كتاب “النّسائيّة” في محافل الغربة لنجوى الرّياحي القسنطيني، مركز النّشر الجامعي 2009 (ص 1-6).
  6. مقدّمة “قالت أكتب” لمحمد الطّاهر الحضري، الدّار التّونسيّة للنّشر، 2011.
  7. مقدّمة “فصول ليست كالفصول”، منشورات كارم الشّريف، 2016.
  8. تقديم كتاب أنتروبولوجيا الحكاية لمحمد الجويلي.

هذه نصوص مدارها على الأدب الحديث باختلاف أجناسه باستثناء “رسالة الغفران”. لكنّ الأستاذ توفيق بكّار لم يقصر اهتمامه على الإنتاج المعاصر بل شغله التّراث الأدبي وأغراه بالنّظر إليه وتعميق رؤيته له. فما علاقته بالتّراث؟ وماذا أضاف إليه؟

في الأدب القديم

سُئل توفيق بكّار عن العلاقة بين التّجذّر في العصر والتّراث فأجاب قائلا: “نحن لا نستطيع الاستغناء عن ماضينا ولكن يجب أن نحوّله إلى قيم جماليّة وفكريّة نراجعها في كلّ حين ونوظّفها لخدمة حاضرنا. المطلوب منّا هو تجديد صلتنا باستمرار بالماضي عبر الفكر النّاقد وهكذا تفعل كلّ الشّعوب المتقدّمة” (انظر: توفيق بكّار يتحدّث عن جدليّة الثّقافة والواقع / حوار مع مصطفى التّواتي / جريدة “الطّريق الجديد” عدد 82 / 30 أفريل 1983 ص 13). فبم تتميّز مقاربته لنصوص من التّراث؟

  1. جدليّة المماثلة والمقابلة في “التّوابع والزّوابع” لابن شهيد، مجلّة “دراسات أندلسيّة” (تونس)، عدد3 جمادي الأولى 1410 / ديسمبر1989 (ص 71-81).
    جدليّة المماثلة والمقابلة في”التّوابع والزّوابع لابن شهيد (القسم الثّاني)، دراسات أندلسيّة عدد 10، جوان 1993 (ص 5-7).
  2. التّوابع والزّوابع لابن شهيد الأندلسي: أرض الجنّ، أرض الفنّ، “ورقات ثقافيّة” عدد45، السّنة الأولى، الجمعة 16/1/1995.( هذا الملحق الثّقافي أصدرته جريدة“الصّحافة” وأشرف عليه توفيق بكّار ثمّ حسن بن عثمان).
  3. ما بين الجدّ والهزل إلحاح الذّباب على قاضي البصرة، مجلّة “الفكر الجديد” (تونس)، س3، عدد10، أفريل 2017 (ص 7-14).
  4. من كتاب كليلة ودمنة: المدينة الفاضلة وحلم الفلاسفة، مجلّة “الفكر الجديد”، س 3، عدد11، جويلية 2017 (ص 107-110).

والمطّلع على هذه النّصوص يدرك عمق التّحليل وقيمة الإضافة والتّوظيف الخلاّق للمناهج النّقديّة الحديثة.
وتستمرّ رحلة كاتبنا مع الأدب والفكر، ويستمرّ تفاعله مع الأحداث ويتجلّى ذلك من خلال مساهمته في تقديم كتاب جماعي أو تقديم تصوّره لقضيّة فكريّة ظلّت تشغل بال المثقّفين عقودا وعقودا مثل الحداثة.

نصوص متفرّقة

  1. وإذا دخل الأدب كلّه في الهامشيّة: مقدّمة كتاب “القطاع الهامشي في السّرد العربي”،(مؤلّف جماعي)، دار البيروني للنّشر، صفاقس (د.ت) (ص 5-12).
  2. عن الحداثة في المجتمع والثّقافة – اسم الحداثة دون صورتها وجسمها، “ورقات ثقافيّة” عدد 9، السّنة الأولى، الجمعة 11 مارس 1994.
  3. شعر العلامات أو فلسطين بين نظم وخطّ ورسم، مجلّة “الحياة الثّقافيّة” عدد 135، س27، ماي 2002 (ص 4-9) (والدراسة مقدّمة لكتاب يتضمّن أشعارا لدرويش بخطّ حسن المسعودي وكامل إبراهيم ورسوم رشيد قريشي)، ولا نعرف هل صدر الكتاب أم لم يصدر.

هذا هو توفيق بكّار في حلّه وترحاله، يكتب الدّراسة تلو الدّراسة، ويقدّم الكتاب تلو الكتاب، ويرتحل بين الماضي والحاضر دون كلل أو ملل معتكفا في محراب الأدب لا يبرحه إلاّ ليحطّ رحله في محراب الفنّ التّشكيلي.

توفيق بكّار والفنّ التّشكيلي

واهم من يعتقد أنّ توفيق بكّار قصر اهتمامه ونشاطه على الأدب وأفانينه، وجاحد من يبخس إسهامه في التّعريف بمدرسة الفنّ التّشكيلي التّونسية والإشادة برموزها. ذلك أنّ افتتانه بالأدب لا يضاهيه إلاّ عشقه للفنّ، وإعجابه بأدب المسعدي والدّوعاجي وخريّف والشابي لا يماثله إلاّ حبّه لفنّ حاتم المكّي والهادي السّلمي ومحمود السّهيلي. وكلّ من يطّلع على دراساته لفنّهم يدرك مكانتهم عنده، وعمق تفاعله مع إبداعاتهم، وثقافته الفنيّة الموسوعيّة.

  1. الفنّان محمود السّهيلي سندباد النّور، مجلّة الفنون (تونس) 1987.
  2. حاتم المكّي نصّ توفيق بكّار: روعة الفنّ ولوعة الفاجعة، نشر دار أليف، 1989.
  3. الهادي السّلمي من لحم ومن معدن، الحياة الثّقافيّة، العدد 101، 1999.

عندما يفرغ المرء من قراءة هذا التّراث الثريّ والمتنوّع يلتبس الأمر لديه ويتساءل هل كان توفيق بكّار فنّانا ضلّ طريقه فتلقّفه الأدب، أم كان أديبا أغواه الفنّ فأوقعه في أحابيله؟ وهكذا ظلّ موزّعا بين هذين القطبين يحاول ألاّ يُغضب الفنّ إن استماله الأدب ويسعى إلى إرضاء الأدب إن أغراه الفنّ.

خاتمة

غيّب الموت الأستاذ توفيق بكّار منذ سبع سنوات، وأنهى مسيرة حافلة بالعطاء السّخيّ، وحرم النّدوات الأدبيّة والملتقيات الثّقافيّة من صوت آسر إذا تكلّم ولسان بليغ إذا نطق، ولكنّ صورته ظلّت ماثلة بين أعيننا، وتراثه حاضرا بيننا ينهل منه الباحث لتعميق بحث، ويعود إليه الدّارس لتدقيق معنى، ويطلبه الرّاغب في الوقوف على قيمة الأدب التّونسي وعلى أهمّ رموزه الفنيّة.
إلاّ أنّ الموت الحقيقي هو ذكر الرّاحلين الأفذاذ لِماما، وتذكّرهم اضطرارا في بعض المناسبات، وتجاهل نضالهم، سنوات الجمر، في سبيل تكريس ثقافة وطنيّة مناهضة للماضويّة والظّلام والخرافة، مندّدة بالعسف وتكميم الأفواه، ومنادية بحرية الخلق والإبداع، أو عدم طبع المؤسّسات الرّسمية مؤلّفاتهم المنشورة وعدم جمع ما هو غير منشور.
والأستاذ توفيق بكّار حظي بالاحترام والتّقدير والتّبجيل وهو حيّ، ونرجو أن يحظى بأفضل تكريم بعد رحيله وذلك بطبع كتبه ونشرها وتوزيعها مشرقا ومغربا.

إلى الأعلى
×