بقلم عمار عمروسية
أطلقت حكومة “نتنياهو” النازية عملية عسكرية جديدة ضدّ قطاع غزة تحت اسم “جدعون 2” أرفقتها بحملة إعلامية وسياسية صاخبة قائمة على “الثقة التامة” في تحقيق النصر المطلق الذي كثيرا ما تمّ الوعد به. ومن الواضح، باعتراف كبار الخبراء العسكريين الصهاينة أنفسهم، أنّ الحملة الجديدة تحت هذا المسمّى ليست سوى إقرارا ضمنيا بفشل سابقتها “جدعون 1” مثلما كان الشأن لكثير من الخطط نذكر منها “الرّصاص المصبوب” و”الجرف الصامد” و”خطة الجنرالات”، الخ…
المسمّيات تغيّرت إلا أنّ نتائجها كانت واحدة ولم تخرج عن دوائر الفشل الذريع في تحقيق جميع الأهداف المعلنة حتى أنّ رأيا عاما واسعا داخل الكيان لم يعد يجد أيّ حرج في نعت هذه الحرب بالملهاة العبثية المكلفة ماديا وبشريا، وهي على رأي قائد الأركان الأسبق “ايزنكوت” “مراوحة في وحل تحت حكومة مجنونة”.
فكل الحيثيات المرتبطة بالأعمال الميدانية الدائرة بالقطاع منذ بداية الشهر الحالي تؤكد بأن “جدعون 2” ليست، من جهة، سوى استنساخا للخطط القتالية القديمة، ومن جهة أخرى، توسيعا مريعا للتقتيل والتدمير المُنْصَبّ على مدينة “عزة” وشمالها بهدف التهجير القسري لأكثر من مليون و300 ألف إنسان. فالعملية إمعان وقح في القضاء على الحياة وشروطها الدنيا فهي فتح أبواب الجحيم كما هدد “ترامب” وهي الجحيم الحقيقي كما توعّد “نتنياهو”. فالمدينة وفق شهادات الكثير من متساكنيها فقدت نتيجة القصف العشوائي المكثف برا وبحرا وجوا جميع معالمها الجغرافية القديمة وتحوّلت إلى ميدان واسع من الحطام والركام.
فسكان غزة وشمالها على الأخص منذ بداية العملية البرية يوم الأحد الماضي يعيشون أوضاعا مأساوية غير إنسانية لا يخجل بعض وزراء “نتنياهو” من اعتبارها ضمن انجازاتهم مثلما هو الحال لوزير الحرب “كاتس” الذي صرّح، منتشيا، للقناة التلفزية 12 “الأمور تتقدم… غزة تحترق”. تباد مدينة المقاومة كما لم يحدث من قبل فأبراجها السكنية تتهاوى تحت قنابل الطائرات وبيوتها تهدم بقصف البوارج الحربية وقذائف الدبابات والروبوتات المفخخة والأنكى من ذلك أنّ عداد الشهداء عاود الدوران بسرعة مفجعة ذلك أنّ معدلات الشهداء والمصابين أضحت يوميا بالمئات ممّا دفع “غوتيرش” الأمين العام للأمم المتحدة إلى إطلاق صيحة فزع قائلا: “ما يحدث في مدينة غزة مروّع”.
تُحْرَقُ غزة ويباد أهلها بمشاركة أمريكية مفضوحة و بوتائر مرتفعة يوما واحدا بعد انتهاء القمة العربية-الإسلامية بالعاصمة القطرية “الدوحة”حيث تولى الحضور غسل العار بالعار والتناوب على المصدح للتباكي واستحضار مفردات العجز والخداع أمام الصلف الكبير لحكومة “نتنياهو” التي وضعت كل إمكانياتها العسكرية والتقنية لإجبار من بقي حيا من سكان غزة على النزوح نحو الجنوب حيث يتكدّس الناس في العراء في انتظار دفعهم للنزوح نحو “سيناء” المصرية. فأرض غزة كلها مطلوبة من قبل الرئيس الأمريكي الذي سبق أن أعلن عزمه على تحويل القطاع إلى “ريفيرا” الشرق الأوسط، هدفٌ يتقاسمه مع الوزير الفاشي “سموتريتش” الذي وصف القطاع بأنه “كنز عقاري لا يقدّر بثمن يمكن تقاسمه مع أمريكا”.
بهذه العجرفة والصلف يشقّ العدوان الصهيو-أمريكي طريقه مستفيدا من غدر النظام الرسمي العربي لأبسط مقتضيات الانتصار ليس فقط للشعب الفلسطيني وإنما لوجود كيانات دولته المهددة بالقضم وحتى الزوال ضمن ما يعرف بحلم “إسرائيل الكبرى” التي يرى القائمون على أكذوبة شعب اللّه المختار الذي لا أرض له نضجت كل عوامل وشروط تمدّده من أجل تشييد الإمبراطورية الأقوى بالشرق الأوسط الجديد الذي لا يحتمل وجود أيّ شكل من أشكال المقاومة مهما بدت بسيطة ومشروعة.
تُحْرَقُ غزّة مع كل ساعة ولحظة في أشنع هلوكوست عرفه عصرنا الراهن وتقع تحت كماشة جيوش جرارة مدججة بأحدث أسلحة الفتك والتدمير، فالحصار حسب المتابعين أصبح خانقا حول مركز المدينة ولم يتبقَّ للمدنيين سوى منفذ وحيد يفتح على شارع الرشيد بهدف نزوح الأهالي الذين يتهدّدهم الإيقاف والقنص ومصاعب العثور على منطقة آمنة لم يعد من الممكن وفق المدير التنفيذي “للانروا” العثور عليها ضمن محرقة شاملة تطال كل القطاع.
إنّ “عربات جدعون” مثلما أسلف زادت من المخاطر على المقاومة وشعبها ورفعت من مستويات التحدي أمامهما غير أنّ الوقائع الميدانية طوال هذه المنازلة القاسية وغير المتكافئة أكدت بما لا يدع للشك مجالا على قدرة المقاومة على كسر شوكة جيش الاحتلال وإحباط جميع مخططاته خصوصا وأنّ الأخير يعاني من مشكلات كثيرة معقدة وعميقة تشمل العقيدة القتالية المهزوزة والقدرات البشرية المحدودة زيادة عن اهتراء المعدات العسكرية وصعوبة تجديدها بالرغم من الدعم الأمريكي-الغربي السخيّ. فالمعركة الحاسمة بالنظر لموازين القوى لن تكون على تخوم مدينة غزة حيث الغلبة لسلاح الجو وقذائف الدبابات، الخ… بل ستكون في قلب المدينة أين يكون الميدان مواتيا لحرب المدن والعصابات فالأرض تقاتل مع أصحابها والركام يناصر رجال المقاومة ويمكنهم من سرعة الحركة والتوقّي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
