الرئيسية / صوت الوطن / استعدادا للإضراب العام، الصحافيون ينفذّون تحرّكا وطنيا دفاعا عن حرّيتهم وكرامتهم
استعدادا للإضراب العام، الصحافيون ينفذّون تحرّكا وطنيا دفاعا عن حرّيتهم وكرامتهم

استعدادا للإضراب العام، الصحافيون ينفذّون تحرّكا وطنيا دفاعا عن حرّيتهم وكرامتهم

بقلم شيراز بن حسين

أمام التراجع الخطير وغير المسبوق الذي يشهده قطاع الصحافة في تونس وتنفيذا لقرار المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، نظّم الصحافيون تحرّكا وطنيا بساحة الحكومة بالقصبة يوم 20 نوفمبر 2025 تزامنا مع تحرّكات بالمؤسسات الإعلامية الجهوية دفاعا عن وحدة الصفّ الصحفي وحرية الصحافيين وكرامتهم، واستعدادا لخوض إضراب عام سيتمّ الإعلان عن موعده لاحقا.

يشهد القطاع الصحفي سلسلة من التجاوزات والانتهاكات الخطيرة صادرة بدرجة أولى عن السلطة التنفيذية وطالت جميع المؤسسات (العمومية والخاصة والجمعياتية) ما أدّى إلى التضييق على حرية التعبير والصحافة والتتبعات القضائية والتهديدات والسجن وعودة الصنصرة والرقابة الذاتية والمسبقة على المضامين الإعلامية، ثمّ وفي سابقة تعليق أنشطة جمعيات تدير مواقع إعلامية جمعياتية (نواة وإنكفيادا)، وهو ما ينسف بدرجة أولى التزامات الدولة التونسية في مجال حماية حرية الصحافة وحقّ المواطن في المعلومة.

مناخ مشحون يهدّد القطاع الصحفي

في تقريرها السنوي التاسع حول سلامة الصحفيين، اعتبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بأنّه وبين الفترة أكتوبر 2024 – أكتوبر 2025، فقد تميّزت السنة بعودة الخطاب الرسمي الناقد لوسائل الإعلام، في ظل تراجع مؤشرات الحوار بين مؤسسات الدولة والنقابة (على غرار بقية المنظمات ومكونات المجتمع المدني). كما أنّ المناخ المشحون والمتوتّر أثّر على أداء الصحفيين ورفع منسوب الرقابة الذاتية داخل غرف التحرير بالمؤسسات الإعلامية، خصوصًا عند تغطية المواضيع ذات البعد السياسي أو المتعلقة بالسياسات العامة، حيث أصبح الصحفيون يحبّذون عدم المجازفة بتناول أو التطرّق إلى المواضيع المتعلقة بالشأن العام.

أمّا تشريعيا، فقد شكّل المرسوم عدد 54 سيئ الذكر تحديًا بارزًا أمام عموم الصحفيين باعتبار استخدامه وتوظيفه في عدد من القضايا لتجريم التعبير والنشر الرقمي، وهو ما أثار الخوف والارتباك داخل الوسط الصحفي وأعاد النقاش حول ضرورة ملائمة التشريعات مع المعايير الدولية الخاصة بحرية التعبير، إضافة إلى استمرار غياب قانون إطار شامل ينظم حقّ النفاذ إلى المعلومة.

واقتصاديًا، يواجه القطاع الإعلامي صعوبات هيكلية زادت من هشاشة المؤسسات والعاملين بها، مع تفاقم ظاهرة العقود الهشّة وتقلّص موارد الإعلانات العمومية والخاصة، ما أثّر على استقلالية الخط التحريري وأضعف الحماية الاجتماعية للصحفيين، خصوصًا في المؤسسات الخاصة والمستقلة. وفي الفضاء الرقمي، تصاعدت حملات التشويه والتحريض والابتزاز الإلكتروني ضدّ الصحفيين خاصة منهم العاملين على الملفات السياسية أو الحقوقية أو الشأن العام.

تجاوزات خطيرة تهدّد مستقبل المهنة وجودتها

أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أنّها انتهجت كل مسارات التواصل والحوار مع الهياكل الرسمية، وقدّمت مراسلات وملفات تفصيلية حول الإشكالات القائمة، غير أنّها لم تتلقّ غير التجاهل والتملّص والصمت المريب من قبل السلطة التنفيذية ما ألحق أضرارا فادحة بالمهنة وكرامة الصحافيين، مؤكّدة أنّ كلّ الملفّات المطروحة تمسّ جوهر الحقوق المهنية والقانونية للصحفيين والصحفيات وممارستهم لمهنتهم بكل حرية واستقلالية، وأنّ استمرار تجاهلها يهدّد مستقبل المهنة وجودتها.

ومن أبرز التجاوزات الخطيرة التي تمّ تسجيلها، حرمان ما لا يقل عن 2000 صحفيا وصحفية من بطاقة الصحفي المحترف لسنة 2025 بسبب تعطيل استكمال تركيبة اللجنة المستقلة لإسنادها، وتقصير مصالح رئاسة الحكومة في التمديد الرسمي لبطاقة سنة 2024، وهو ما خلق عراقيل حقيقية أمام ممارسة المهنة وتنقّل الصحفيين أثناء أداء مهامهم.

إضافة إلى ذلك فإنّ المنع التعسفي يستهدف مراسلي وسائل الإعلام الدولية والأجنبية في تونس من الحصول على تراخيص العمل منذ سبتمبر 2025 دون مبررات قانونية، وهو ما يعدّ خرقا واضح لمبدأ حرية الإعلام والتغطية المستقلة.

كما تتواصل وضعيات التشغيل الهشّ في كلّ من مؤسسة الإذاعة التونسية ووكالة تونس أفريقيا للأنباء وهو ما اعتبرته النقابة تحدّيا صارخا للقوانين المنظمة للمهنة، بالإضافة إلى معاناة عشرات الصحفيين في الإعلام الخاص حيث يتمّ حرمانهم من أدنى حقوقهم المهنية على غرار عقود قانونية وتغطية اجتماعية وخلاص أجور في مواعيدها.

أمّا في علاقة بالمرسوم 54 سيئ الذكر، فقد اعتبرت النقابة أنّ استمرار المحاكمات الجائرة بمقتضاه واستعماله كأداة لتكميم الأفواه، بدل الاقتصار على المرسوم 115 المنظم للقطاع، يشكّل تهديدا مباشرا لحرية التعبير والنشر، وخرقا لمبادئ المحاكمة العادلة التي تغلّب مبدأ الحرية على الإيقاف. كما يتواصل ماراطون المحاكمات ورفض الإفراج عن كلّ من مراد الزغيدي وبرهان بسيس وسنية الدهماني وشذى الحاج مبارك.

كما عمدت السلطة إلى تعليق نشاط موقعي “نواة” و”انكفاضة” بقرار قضائي وإداري دون مبررات قانونية ما تسبب في تعطيل عمل صحافييها، مقابل مضايقة موقعي “الكتيبة ” و” المفكرة القانونية” وهو استهداف واضح وممنهج للصحافة المهنية والمستقلة، وخطوة تمسّ بالحق في الإعلام وحرية النشاط الجمعياتي.

وأمام الوضع المتردّي الذي أصبح عليه قطاع الصحافة وحرية التعبير، مثّل التحرّك الوطني الذي شارك فيه عموم الصحافيين بالعاصمة والجهات صرخة للفت الانتباه إلى ما آلت إليه الأوضاع والمكسب الوحيد الذي حقّقه الشعب التونسي بعد الثورة وهو حرية التعبير، بل إنّ هذا المكسب تحاول الشعبوية الفاشية رويدا رويدا القضاء عليه، فالمشهد الإعلامي اليوم قد أصبح في أسوأ حالاته، حيث غيّب صوت المعارضة عمدا عن أغلب البرامج السياسية وتمّ إقصاء الوجوه الإعلامية التي تحاول الحديث عن الشأن العام مقابل إغراق عدد من البرامج بوجوه ناطقة باسم الشعبوية ومدافعة شرسة حتى عن فظائعها والانتهاكات التي تمارسها بدعوى ضرورة الانخراط في مسار “البناء والتشييد” و”حرب التحرير الوطنية” التي يقودها قيس سعيد. ولعلّ وحدة الصف الصحفي عبر هذا التحرّك أصبحت أكثر من ضرورة اليوم دفاعا عن الحريات، بل أصبح من الضروري اليوم أن تكون صحافتنا الوطنية جادة ومهنية مدافعة عن أخلاقيات المهنة وشرفها عوض الانخراط طوعا أو إجباريا في مسار لم يستثني أيّ مكتسب بعد الثورة.

إلى الأعلى
×