بصدور هذا العدد يكون عام 2025 أوشك على الانتهاء. وهو ، بكل المقاييس، عام ثقيل على الطبقة العاملة والشعوب والإنسانيّة جمعاء. ففيه ازدادت التوتّرات بين مختلف الأقطاب الامبرياليّة وتوسّعت رقعة الحروب العدوانيّة، المباشرة وبالوكالة، وتفاقمت مخاطر الحرب الكونيّة. وقد كان لعودة المجرم ترامب إلى البيت الأبيض في بداية العام دور بارز في دفع الأمور في هذا الاتجاه. وما من شكّ في أنّ هذا الحال ليس إلّا تعبيرا عن الأزمة العميقة والشاملة التي تنخر النظام الرأسمالي العالمي والتي لا حلّ لها عند الكارتيلات المافيوزيّة المتنفذة إلا بفشستة الحياة العامّة، وهو ما يعبّر عنه اليوم صعود اليمين المتطرف والفاشي في عديد بلدان العالم، وعسكرة الاقتصاد وزرع الحروب لتنشيط صناعة الموت وتكديس الأرباح الطائلة عبر السيطرة على أكثر ما يمكن من مناطق النفوذ وتكديس الأرباح الطائلة.
وبطبيعة الحال لن يكون هذا إلّا على حساب الطبقة العاملة والفئات الكادحة في المراكز الرأسمالية بضرب حقوقها الديمقراطية ومكاسبها الاجتماعيّة وإثقال كاهلها بمزيد من الضرائب وكذلك على حساب شعوب البلدان التابعة والضعيفة في مختلف مناطق العالم بتعميق السيطرة عليها وعلى ثرواتها بأبشع الوسائل. إنّ زراعة الحروب و خلق الأزمات هو العقيدة القديمة/ الجديدة للأوليغارشية الماليّة التي تتجلبب اليوم بجلباب شعبوي، قومي، فاشي، في إطار صراع ضار بين كبريات الإمبرياليات من أجل النفوذ والسيطرة. وهو ما يعبّر عنه استمرار الحرب الروسية الأوكرانية والتصعيد في بحر الصين وفي الشرق الأوسط وفي أكثر من مكان في القارة الأفريقية التي عادت إليها بقوة ظاهرة الانقلابات العسكرية المملاة من الخارج وخاصة من قوى الهيمنة الجديدة (روسيا أساسا)أو التقليدية (فرنسا).
ولم ينته العام إلا على إيقاع التّصعيد الدعائي و العسكري من قبل الكوبوي الأمريكي في الكراييب وجنوب القارة الأمريكية التي لا يراها إلّا حديقة خلفيّة لا حقّ لشعوبها ودولها في استقلال القرار والسّيادة على الثروة. وهاهي القطع العسكريّة الأمريكيّة تعتدي على السّفن النفطيّة الفنزويليّة وتهدّد بالتدخل البرّي بعد أن فرضت حصارا جائرا وغلقا للمجال الجوي دون أي إطار أو مرجعية دولية ولو شكلية ممّا يعطي الدليل على العربدة والصلف اللّذين يطغيان اليوم على السلوك الأمريكي. إنّ إدارة ترامب تطالب بكلّ بساطة بتنحّي الرئيس مادورو ومغادرته البلاد وتمكين قطعان اليمين الفاشي من الحكم واستعادة السيطرة الأمريكية التامّة على النّفط و الطاقة التي تزخز بها فنزويلا كما كانت قبل حكم شافيز ثم مادورو وسدّ الباب أمام أي تمدّد للنفوذ الصيني الروسي في البلاد والمنطقة. إنّ التحرّش والتهديد يشمل كولومبيا أيضا التي لا يراها اليانكي سوى قاعدة للتدخّل والتحكم في مجمل جنوب القارة وخاصة ضد الأنظمة الوطنيّة الرّافضة للسيطرة الخارجيّة كما يشمل بانما التي يريد اليانكي استعادة السيطرة على قنالها وجزيرة غريلاند التي يريد بوضوح الاستيلاء عليها. وهو ما ينبئ بمخاطر عظمى على السلم الدولي في الفترة القادمة ناهيك أنّ ترامب صاحب كل هذه المشاريع يبحث من الآن، مثله مثل أيّ حاكم مستبدّ في البلدان التابعة، عن تحوير القانون الأمريكي للتمتّع بعهدة جديدة بغية استكمال مشروعه الفاشي الهيمني.
وفي الوطن العربي لم يمر العام إلّا على وقع حرب الإبادة الصهيو-أمريكيّة على فلسطين والتي رغم الاتّفاق على وقفها منذ 11 أكتوبر الماضي، إلا أنّها ما تزال مستمرّة. يعيش الشّعب الفلسطيني في غزة أوضاعا مأساوية إذ تحوّل جميعه إلى لاجئ على أرضه يقيم في الخيام ويواجه قنابل العدوّ من جهة وعنف الطبيعة عبر موجة الأمطار والبرد من جهة ثانية مضافا إلى ذلك الجوع والعطش وغياب أدنى الخدمات الصحية والإنسانية في ظل تعنت العدو في تطبيق الاتفاقات رغم إجحافها، وهو مدعوم أمريكيا وحتى من أنظمة العمالة العربية التي بلغ تواطؤها درجة غير مسبوقة في التاريخ. ويستفحل الوضع الفلسطيني في غزة وفي الضفّة والقدس بتوسّع الاستيطان في واضحة النهار، مع استمرار العدوان على لبنان الذي تشتدّ أزمته الخانقة في كل المستويات مصحوبة بضغط دولي وعربي على نظامها المنصّب من أجل نزع سلاح المقاومة قبل انقضاء العام، وهو ما تحول دونه معادلات لبنان المحليّة والإقليميّة ولن تكون كلفة تنفيذ ذلك أقل من اشتعال الحرب الأهلية وهو ما تعمل من أجله القوى الطائفية الانعزالية مدعومة من كيان الاحتلال وإمارات النفط، فمصلحة العدوّ هي تعميم الوضع السوري الذي خرج كليا من الصراع منذ نهاية العام الفارط بتسليم الدولة إلى عصابات إرهابيّة مصنوعة في مخابر الاستخبارات الإقليمية والدولية والتي حولت سوريا إلى أرض مستباحة منعدمة الاظافر واخرها التخلي عن الجولان باعتباره اصبح “اسرائيليا” بمقتضى الأمر الواقع.
وفي الضفة الأفريقية من الوطن العربي يستمر تدمير السودان على يد قطبي الثورة المضادة وكيلي الحرب الأهلية التي شرّدت الشعب وجوّعته وضربت نسيجه المجتمعي، وهاهي الترتيبات الأمريكية من خلال السعودية والإمارات وتركيا تجري لاقتسام كعكة ثروات السودان الجريح رغم أنف شعبه وقواه الوطنية. إن تعميم المثال الليبي هو الأرجح تنفيذا لمخطط سايكس بيكو الجديد. أمّا في تونس فقد مرّ العام السّياسي مثقلا بالإيقافات والمحاكمات والانتهاكات الجسيمة لأبسط شروط المحاكمة العادلة والتحرّش بمنظمات المجتمع المدني بذرائع مختلفة واستمرار الهجوم على الاتاد العام التونسي للشغل الذي يعيش في نفس الوقت أزمة داخليّة غير مسبوقة تهدّد كيانه، ويترافق كل ذلك مع التردي الممنهج للأوضاع الاقتصادية والاجتماعيّة للعمال والكادحين والفقراء رغم رياء السلطة ودعاياتها الفجة حول الدولة الاجتماعية التي تفندها أوضاع البؤس التي يعيشها شعبنا على مختلف الواجهات والتي تجد ترجمتها الأكثر وضوحا في الانهيار الكبير للمقدرة الشرائية وللقطاع الصحي والتربوي والخدمي بشكل عام. وهاهي ميزانية الضرائب ومزيد التداين تفند الخطاب الشعبوي الذي بات يثير القرف أكثر من أي وقت مضى، ولا أدل على ذلك من مهزلة يوم 17 ديسمبر أين تم توظيف إمكانيات الدولة لنقل الأنصار إلى العاصمة في مشهد ذكر الشعب بميليشيات الصياح و الشعب الدستورية والتجمعية ولو كان هذه المرة بشكل مهزلي. وهو ما يقيم الدليل على حجم العزلة التي يعيشها قيس سعيد.
ينتهي العام إذن على وقع أوضاع صعبة في العالم وفي الوطن العربي وفي بلادنا، لكن ذلك لا يجب أن يحجب عنّا بروز عديد المؤشرات لنهوض نضاليّ مهم وواعد في العديد من بلدان العالم رفضا للسياسات القهرية ضد العمال والكادحين والمهاجرين بما فيها في الولايات المتحدة أين تتصاعد النضالات والاحتجاجات الرافضة للفاشية الجديدة التي تمثلها إدارة ترامب. كما واصلت حركات إسناد فلسطين نضالها في أشكال جماهيرية رائعة وصلت إلى شنّ إضرابات نقابية عامة في إيطاليا وإسبانيا واليونان، كما تواصلت المظاهرات العارمة في أغلب بلدان العالم بما شكل ضغطا هاما على العدو الصهيوني وحلفائه إذ فرضت الجماهير على عديد الدول الغربية اتخاذ إجراءات ضد كيان الاحتلال ولو كانت دون مواقف دول مثل كولومبيا وفنزويلا وإيرلندا وجنوب افريقيا
وفي الوطن العربي واصلت المقاومة في فلسطين صمودها في وجه المغتصب الصهيوني بأشكال متنوعة رغم وحشية الهجمة مؤكّدة أنّ اقتلاع شعب فلسطين من أرضه وصدّه عن النضال من أجل تقرير مصيره أمر غير ممكن. وفي نفس الوقت تواصل الجماهير خاصة في اليمن والمغرب والأردن وموريتانيا والكويت والبحرين والعراق إسناد الشعب الفلسطيني وفي نفس الوقت النضال من أجل حقوقها السياسية والاجتماعية وذلك رغم قمع الأنظمة. وفي تونس يشهد النضال الاجتماعي توسعا في الأشهر الاخيرة خاصة مع تحركات المعطلين عن العمل أو بعض القطاعات النقابية (البنوك،التعليم.) إضافة إلى تحركات أهالي قابس ضد التلوث والقيروان ضد الوحشية البوليسية والرديف ضد الإهمال القاتل الذي يضرب القطاع الصحي. يضاف إلى ذلك التحركات حول الحريات التي تجسدت في خروج عديد المسيرات في الأشهر الأخيرة من هذا العام الذي يوشك على النهاية بما يؤشر لاستعادة الشارع التونسي حيويته.
كل هذه العناصر تبيّن أنّ عمال العالم وشعوبه بصدد النهوض من جديد في وجه الطغم المالية الرأسمالية وفي وجه الفاشية الزاحفة وما تحمله من مخاطر على مصير الإنسانيّة. فعسى أن يشهد العام الجديد استمرار هذا النهوض بنسق أقوى. إن القوى الثورية في العالم وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية، الماركسية اللينينية، ينتظرها عمل جبّار فلتؤكّد أنها في مستوى التحدّي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
