بقلم عمار عمروسية
منذ الأيام الأولى التي أعقبت انقلاب 25 جويلية 2021 سارع “قيس سعيد” إلى وضع خارطة طريق لإحكام قبضته الغليظة على جميع مفاصل الدولة والمجتمع بهدف إقامة نظام حكم فردي مطلق أعاد بلادنا عهودا طويلة إلى الوراء على جميع الأصعدة. فخطّ السير مثلما يعتقد كثيرون بالداخل والخارج لم يكن سوى الانزلاق نحو الخلف والتقهقر نقيض الخطاب الرسمي الموغل في ترديد شعارات الكذب والخداع المنادية طورا بالعبور وحينا آخر بالعلوّ الشاهق وعدم العودة إلى الوراء.
والملفت للانتباه أنّ وتائر هذا التردّي قد تسارعت خلال عام 2025 بعد أن أنهى الطاغية من جهة وضع جميع هياكل ومؤسّسات حكمه الجديد ومن جهة أخرى بعد استشعاره مخاطر تآكل شعبيته وانخرام حزامه السياسي المساند زيادة عن عجز منظومته الفظيع عن إيجاد حلول ولو جزئية وشكلية للمعضلات التي تعصف بالبلاد التي أضحت على حافة الانهيار الاقتصادي والانفجار الاجتماعي والشعبي.
فالسّلطة القائمة تدير الشأن العام في جميع جوانبه وفق ثنائية العجز والعبث المختفي وراء توظيف رجعي من ناحية للإرادة الشعبية ومشروعية صناديق الاقتراع ومن جهة أخرى لشعارات كاذبة حول قضايا مرتبطة بمقاومة الفساد والمحسوبية والتفاوت الطبقي الخ…
من الأدوات البدائية القائمة على افتعال المؤامرات واختلاق المعارك السيادية بهدف التمويه والتغطية على حقيقة سياسات نظام الحكم الموغلة في العمالة ومزيد الحطّ من السّيادة الوطنية مثلما هو الشأن في الاتفاقيّتين المبرمتين مع “ايطاليا”و”الجزائر”.
فالسّنة المنقضية قدّمت بما لا يدع مجالا للشك دلائل كثيرة على أنّ المنظومة الشعبوية ممعنة في تشديد تأطيرها القمعي على الفضاء العام وتوسيع دائرة تجريم العمل السياسي والحقوقي والنقابي والإعلامي والإنساني، فهوامش الحرية غدت ضيّقة كما لم يحدث على الأقل بعد الثورة ولم يسلم منها حتى المجال الرياضي وبطبيعة الحال الثقافي.
فالصّلف السياسي أضحى السّمة الأساسيّة للحكم وضرورة وجودية لبقائه أمام من جهة بدايات ظهور مقاومة سياسية متصاعدة حول قضايا الحريات والمساجين السياسيّين ومن جهة أخرى تكاثر بؤر الاحتجاجات الاجتماعية والشعبية فيها ما هو منظّم وفيها ما هو عفوي.
فالهوّة ما انفكّت تتّسع بين منظومة الاستبداد والتفقير ولم يبق أمام الأخيرة بصفة أساسية سوى التعويل أوّلا على الأجهزة الصلبة لفرض صمت القبور وثانيا إقحام القضاء الجائر ضمن أدوار تكميلية لتلك الأجهزة للتنكيل إمّا بطالبي الحقوق مهما كانت طبيعية مثل الشغل والصحة والبيئة… أو بالمعارضين السياسيّين والنقابيين والحقوقيين والإعلاميّين والمثقفين الخ… الذين يقبع الكثير منهم نساء ورجال بمختلف أعمارهم في غياهب السجون بأحكام سريالية وقضايا سيّئة التلفيق والحبكة.
تدير منظومة الحكم آلة القمع بسرعة قياسية ودون أدنى كوابح قانونية أو ضوابط إنسانية لتعيد إنتاج الخوف وتعميمه في أوساط النخبة وعموم الطبقات والفئات الشعبية المنهكة بغلاء الأسعار وانهيار خدمات المرافق العمومية وتفشي البطالة الخ…
لا حصر لضحايا تلك الآلة المتوحشة لأنّ البعض منهم وصلت حيثيات مظالمه إلى الرأي العام وبعضهم الآخر مازالت مآسيه مجهولة بالنظر إلى سيادة الخوف وتدجين الإعلام العمومي. وضمن هذا السياق لعلّ أفضل مثال هو الأعداد الكبيرة وغير المعلومة من المضطهدين بفعل الأحكام الصادرة وفق المرسوم 54 سيّء الصّيت أو غيره من الفصول القانونية الجائرة الواردة بالمجلة الجزائية.
في العام المنصرم انتقل الحاكم بأمره من بوتقة احتكار الإرادة الشّعبية لشخصه دون سواه إلى خصخصة الحكم بجميع سلطاته إلى ذاته، فهو المركز وهي الهوامش وهو الآمر وهي المنفذة وفق تعليماته ومجمل نظرته المعادية لكافة الأشكال الوسيطة التي أخضعها إلى حملات تشويه ممنهجة ومستمرة تحت خطاب فاشستي يستحضر بمناسبة وغيرها أقذع الشتائم مثل “جيوب الردة” و”التبعية للخارج” الخ… وبهذا المعنى جاهد الطاغية من أجل قتل السّياسة ومحاصرة كلّ أطياف المعارضة السياسية وطوّق المجتمع المدني وكلّ الفاعلين فيه وشارف على تدجين الإعلام الجاد والمستقل للاستفراد بالحركة الشعبية ومنعها من امتلاك عناصر الوعي الكفيلة بجعلها قادرة على الوقوف من جديد في وجه سياسات التهميش والتفقير والتبعية الذليلة لقوى النهب والهيمنة الأجنبية التي تدفعها أزمة الرأسمالية العميقة إلى تكثيف جميع أشكال الاستغلال واللّصوصيّة.
إنّ وقائع كثيرة تؤكّد أنّ الأزمة العامة والشاملة التي تنزل بأثقالها على الشّعب والوطن ماضية نحو مزيد التعمق وحتى التعفن الذي يدفع إلى الاعتقاد بأنّ حالة الانفجار الاجتماعي والشعبي قادمة لا محالة، والمسألة مسألة وقت لا أكثر ولا أقل. ولعلّ نذر المقاومة المتفرّقة والضعيفة في المجالين السياسي والشعبي دليل ملموس على الإرهاصات الأولية للقادم الذي يحمل مصاعب أكثر لمنظومة الاستبداد والعبث التي فشلت فشلا ذريعا في تمويل وعودها الانتخابية وتلبية طموحات الطبقات والفئات المتضررة كما أخفقت في تعميم الخوف وفرض الهدوء على الجميع إن في ميدان النضال السياسي أو الحقوقي والنقابي وبطبيعة الحال الشعبي.
إنّ توسيع رقعة القمع وصلف السلطة من شأنهما دون شك تحقيق بعض المكاسب الظرفية لسلطة الانقلاب غير أنهما بمرور الوقت قد ينقلبان إلى سلاح عكسي تستفيد منه الحركة الاحتجاجية التي من المؤكّد أنها تتطور وفق وعي معطيات الحاضر وموروث الذاكرة الجماعية لثورة الكرامة وما سبقها من ملاحم في التاريخ الطويل لمقاومة الديكتاتورية.
فنذر المقاومة السياسية والاجتماعية متزايدة حتى وإن بدت ضعيفة ومشتّتة بالإضافة إلى المصاعب الإضافية المتأتّية من عوامل عديدة منها ضعف الوعي الشعبي وتخريب القوى الانتهازية وغدر البيروقراطية النقابية وتحديدا قيادته التي أدخلت حالة من الإرباك وسط الاتحاد العام التونسي للشغل.
إنّ بؤر الغضب والاحتجاج سواء ببعض الجهات أو بعض القطاعات مازالت قائمة، أكثر من ذلك فإنّ الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمنظومة الحكم هي في حدّ ذاتها بمثابة العامل الدافع لفئات وشرائح جديدة إلى ساحات الفعل من أجل تحقيق المطالب الملحّة سواء المرتبطة بما هو سياسي أو مطلبي الخ…
صوت الشعب صوت الحقيقة
