الرئيسية / صوت الوطن / الحصيلة النقابية والاجتماعية لسنة 2025: اشتدي أزمة تنفجري
الحصيلة النقابية والاجتماعية لسنة 2025: اشتدي أزمة تنفجري

الحصيلة النقابية والاجتماعية لسنة 2025: اشتدي أزمة تنفجري

بقلم حبيب الزموري

سيحتل عام 2025 موقعه بلا ريب في ذاكرة النقابيين وفي تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل والبلاد عامة، إلى جانب سنوات أخرى بقيت منحوتة بالدم والنار والدموع في الذاكرة النقابية على غرار سنة 1952 و1978 و1985، لما شهدته من تفاقم أزمة المركزية النقابية إلى حدّ تفجير المكتب التنفيذي الوطني واستحالة العمل الجماعي داخله وتزامن هذه الأزمة مع استهداف غير مسبوق وغير تقليدي للاتحاد العام التونسي للشغل ودوره الاجتماعي من قبل السلطة الشعبوية عبر التراجع حتى عن المكتسبات الاجتماعية الشكلية المتعلقة بالعلاقات الشغلية والحوار الاجتماعي ونسفها تماما.

الأزمة النقابية: اشتدّي أزمة تنفجري

رغم أنّ الأسباب العميقة لأزمة الاتحاد العام التونسي للشغل تعود إلى سنوات وعقود خلت وتتعلق أساسا بنموذج التسيير البيروقراطي والوظيفي الذي دأبت عليه المكاتب التنفيذية الوطنية المتعاقبة، فإن السنوات الخمسة الأخيرة شهدت هجمة جديدة لهذا التيار الوظيفي البيروقراطي داخل الاتحاد لاسترجاع ما اضطر للتنازل عنه سابقا في علاقة بالنظام الداخلي في فصوله المتعلقة بالتداول على المسؤولية النقابية في المكتب التنفيذي الوطني أو بآليات اتخاذ القرار عبر تكييف القانون الأساسي والنظام الداخلي وفق ما تقتضيه رؤية هذا التيار للعمل النقابي. كان ذلك عبر الدعوة إلى عقد المجلس الوطني يوم 26 أوت 2020 لتقرير عقد مؤتمر وطني غير انتخابي بهدف تنقيح النظام الداخل وفتح “ممرّ قانوني آمن” لأعضاء المكتب التنفيذي الوطني الذين استوفوا حقهم في الترشح وعلى رأسهم الأمين العام نور الدين الطبوبي. وهو ما تمّ بتسهيلات من السلطة التي رخّصت لهذا المؤتمر في ظل الحجر الصحي الشامل ممّا ساهم في مزيد اهتراء سمعة وصورة المنظمة لدى الرأي العام، لينعقد المؤتمر العام الاستثنائي بصفاقس في فيفري 2022. تمّت كل هذه الخطوات بسلاسة وبتنسيق تام مع السلطة رغم حجم الخروقات المقترفة في حق المنظمة وفي حق البلاد، ولكن عندما يتعلق الأمر بمغادرة المسؤولية النقابية عبر مسار لا يختلف كثيرا اجرائيا عن المسار السابق فإن كافة عراقيل الأرض والبدع والحيل القانونية تكون حاضرة في بطحاء محمد علي للحيلولة دون استكمال المجلس الوطني لأشغاله بل تتعطل حتى اجتماعات المكتب التنفيذي الوطني والهيئات الإدارية الوطنية وتصبح الهياكل القيادية العليا مسرحا للصراع العبثي حول المواقع على حساب الاستحقاقات النقابية والعمالية. وقد استغلت السلطة الشعبوية أفضل استغلال صراع “الإخوة الأعداء” داخل المنظمة لقضم المكاسب الجزئية التي حققتها الطبقة العاملة التونسية طيلة تاريخ نضالها النقابي ولم تتورع السلطة الشعبوية بقيادة قيس سعيد حتى عن انتهاك القوانين والمعاهدات الدولية المنظمة لعالم العمل وعلاقات الإنتاج التي صادقت عليها الدولة التونسية فضلا عن القوانين المحلية ومصادرة مؤسسة الحوار الاجتماعي والتضييق على النقابيين. وممّا زاد الأزمة النقابية القيادية حدة وتفاقما هو حالة الجمود والبهتة التي أصابتها في مواجهة هذا الاستهداف المباشر، فلا الوعي القيادي ولا الممارسة القيادية ارتقت إلى مستوى ما يتهدد المنظمة من أخطار، فعلى مستوى الوعي عجزت القيادة النقابية منذ بداية العهد الشعبوي عن قراءة المرحلة السياسية الجديدة قراءة موضوعية وأخطأت التقدير ولكن رغم مراجعتها لذلك الموقف فإن المراجعة لم تكن مبدئية قائمة على النقد والنقد الذاتي بقدر ما كانت مراجعة مفروضة على القيادة النقابية من قبل السلطة التي ما فتئت تسحب البساط من تحت أقدام المنظمة الشغيلة وتستحوذ على مهامها في سياق مشروعها الاستبدادي للانفراد بتسيير الشأن العام.

بالإضافة إلى الصبغة الهيكلية للأزمة النقابية والتي أصبحت تطرح بجدية مدى قدرة نموذج نقابة المساهمة والوفاق الاجتماعي على مواصلة التواجد التاريخي فإن للأزمة أبعاد اجتماعية وسياسية تتعلق بعجز القيادة النقابية عن قراءة الواقع الموضوعي الذي تمرّ به البلاد قراءة علمية موضوعية لاتخاذ القرارات والخطوات الملائمة للوضع وللدفاع عن المصالح المادية والمعنوية للشغالين وعدم تركها فريسة للشعبوية ولرأس المال وهو ما جعل المنظمة الشعيلة تخيّب انتظارات منظوريها وفئات عريضة من التونسيات والتونسيين المتشبثين بمواصلة النضال في سبيل الدفاع عن الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للشعب التونسي والتي هي من صميم أهداف المنظمة حسب نظامها الداخلي.

وجاءت استقالة الأمين العام للمنظمة الشغيلة بعد أن سبقتها استقالة الأمين العام المساعد أنور بن قدور قبل أيام من نهاية سنة 2025 لتزيد الأزمة حدة ولتقود المكتب التنفيذي الوطني إلى نقطة اللاعودة وتُفاقم من الهشاشة الداخلية للمنظمة الشغيلة في ظرفية هي في أمسّ الحاجة إلى رصّ الصفوف وقيم التضامن والوحدة النقابية، ولكن ذلك أصبح بعيد المنال في ظل الظروف الحالية وتحت هذه القيادة النقابية شبه المنحلة.

الأزمة الاجتماعية بعيدة عن الانفراج قريبة من الانفجار

رغم حجم الكذب والتدجيل الذي تمارسه الدعاية الشعبوية حول الإنجازات والمعجزات الاقتصادية والاجتماعية التي حققها “القائد الأوحد المظفر” و”الزعيم الملهم” في حربه ضدّ كل شيء وأيّ شيء فإن الأرقام والإحصائيات الصادرة عن أجهزته تكذّب هذه الدعاية الشعبوية، بعد أن وصل حجم التدجيل والأوهام إلى مستوى تعجز معه كافة الاحصائيات والتبريرات عن التغطية. فاستقرار معدل نسبة التضخم المالي عند 5% خلال الأشهر الثلاثة الماضية لا يعكس بالمرة ما يحسّ به المواطن التونسي من غلاء فاحش للأسعار. فتقريبًا نصف قفة المواطن (47.1%) والمتكوّنة من التغذية والمشروبات واللباس والأحذية والتعليم والمطاعم والمقاهي ومواد مختلفة أخرى شهدت ارتفاعًا لأسعارها بأكثر من 5%. فأسعار الخضر الطازجة ارتفعت بـ 21.1% وأسعار لحم الضأن ارتفعت بـــ 20.2 % وأسعار الأسماك ارتفعت بـ 10.1 % وأسعار الغلال ارتفعت بــــ 9.9 % وأسعار الملابس والأحذية ارتفعت بـــ 9 % وأسعار المطاعم والمقاهي ارتفعت بــــ 10.1 % وأسعار خدمات التعليم ارتفعت بـــ 5.6 %.

هذا التراجع في نسبة التضخم المالي لم يكن بالمرة تحت تأثير السياسة النقدية للبنك المركزي، بل إنه حسب عدد من الاقتصاديين كان نتيجة التراجع الذي سجلته الأسعار العالمية لزيت الزيتون التي تراجعت بصورة ملحوظة ممّا أسهم في تراجع كبير في أسعار الزيوت الغذائية (-324 %) وهو ما خفّض في معدّل التضخم المالي إلى 5%، كما أن تراجع الأسعار العالمية للنفط أسهم في تراجع أسعار بعض السلع والخدمات في تونس. ولم تختلف السياسة المالية للبنك المركزي عن السياسة الشعبوية لرئيس الدولة، حيث يعتبر مجلس إدارة البنك المركزي أنّ السبب الرئيسي للتضخم المالي هو ارتفاع استهلاك العائلات التونسية ممّا يستوجب الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للترفيع في كلفة القروض وبذلك يقلّص المواطن التونسي من استهلاكه. لكن ما يضغط به البنك المركزي باليمين على المواطن التونسي يمنحه بالشمال للدولة في شكل اقتراض مباشر بـ 14 مليار دينار في سنتين، فهو حسب تعبير الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي: “كمن يصبّ الزيت على النار ويريد أن يطفئها بسياسته النقدية الحذرة”.

ولا تقتصر مؤشرات تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي وتهاوي الدعاية الشعبوية وعلى رأسها خطابات قيس سعيد الجوفاء على نسبة التضخم وسياسات البنك المركزي التي تدير الأزمة لا غير بل تتجاوزها إلى جملة من المؤشرات الاجتماعية التي تبرز تواصل نفس الحصيلة الاجتماعية والبشرية لعقود من سياسات التبعية والريع التي ألحقت الاقتصاد التونسي بخدمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي بواسطة حفنة من الوكلاء حيث وصلت نسبة البطالة العامة خلال سنة 2025 إلى 15.4 % وتقفز في صفوف أصحاب الشهادات العليا لتبلغ 24.9 % وفي صفوف النساء 22.4 %، كما عجزت الدعاية الشعبوية والخطابات الرنانة لقيس سعيد حول التريية والتعليم عن الحدّ من نزيف عدد التلاميذ المنقطعين عن الدراسة سنويا الذي بقي يتراوح بين 60000 و100000 تلميذ، كما بقيت نسبة الأمية تراوح مكانها منذ سنوات في حدود 17.3 % وتدهورت الخدمات الأساسية تدهورا غير مسبوق وصل إلى حدّ العجز عن توفير الأدوية الحيوية للمواطنين، كما تواصل الانقطاع المتكرر للمياه الصالحة للشرب في عدة مناطق من البلاد واهتراء أسطول النقل العمومي والبنية التحتية… لكن الأفظع من هذه المؤشرات هي المبررات التي ما فتئت ترد على لسان رئيس الدولة التي تحمل مسؤولية هذا التدهور للوبيات والعصابات والمتآمرين والخونة ولم يسلم من اتهاماته العشوائية حتى أعضاء حكومته وإدارته التي تنفذ سياساته وتعليماته.

السلطة الشعبوية تحفر قبرها بيديها

مهما حاول رأس السلطة الشعبوية التنصل من مسؤولية العبث الذي صبغ سياسات الدولة وإدارة الشأن العام سواء على مستوى التعيينات أو الإجراءات أو التصرف والتسيير… فإن النظام الرئاسوي المطلق الذي يرتقي إلى مرتبة الحكم بحق إلاهي في بعض تجلياته الشعبوية وانفراده بجميع السلطات يجعله المسؤول الأول عن جميع الإخفاقات والتجاوزات ويحرمه حتى من التعلات التي تعوّد النظام البورقيبي أو النوفمبري على استعمالها من خلال حصر التجاوزات والجرائم التي تقترفها الدولة في أشخاص وتبرئة أجهزتها التي تبقى عرضة للتجاوزات الفردية، أمّا بالنسبة لقيس سعيد فهو مصر على تقمص دور الشمس التي تشرق على كل شبر من أرض البلاد وعلى تحمّل “المسؤولية التاريخية” الملقاة على عاتقه لقيادة مسار التغيير ليس في تونس فحسب بل في العالم، هذه “الأنا” المتضخمة والمتسعة لاحتواء كل فرد وكل تنظيم وكل وجود غير مستعدة بتاتا للتنازل عن مثقال ذرة من السلطة أو الصلاحيات لأي كان بما في ذلك وزراءه وحكومته ومسانديه بنفس درجة حرصها على التنصل من مسؤولية الإخفاقات والتجاوزات ولكن نظام الحكم الذي شكله في دستوره ليتربع على عرشه وحده لا يفسح له مجالا للتنصل من مسؤولية الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لسنوات حكمه فهو من أقصى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لطالما لعب دور الصمام الاجتماعي للسلطة القائمة من خلال التحكم في وتيرة الاحتجاج ومن خلال مؤسسة الحوار الاجتماعي التي قام قيس سعيد بنسفها تماما.

إلى الأعلى
×