الرئيسية / صوت الوطن / حين يتحوّل الحق في التعليم إلى ورقة رسميّة: فشل المدرسة العمومية وكارثة الحرمان من التعلّم
حين يتحوّل الحق في التعليم إلى ورقة رسميّة: فشل المدرسة العمومية وكارثة الحرمان من التعلّم

حين يتحوّل الحق في التعليم إلى ورقة رسميّة: فشل المدرسة العمومية وكارثة الحرمان من التعلّم

بقلم حمادي المثلوثي

“التّعليم ليس فعلا محايدا، إمّا أن يكون أداة لتحرير الانسان، أو أداة لإخضاعه” باولو فريري

ليست أزمة التعليم العمومي في تونس اليوم أزمة برامج أو مناهج أو طرق تقييم فقط، بل هي في جوهرها أزمة خيارات سياسيّة وإرادة غائبة. فيكفي المتمعّن في طريقة تعاطي سلطة الإشراف مع ظاهرة عدم تدريس مواد دراسية كاملة (مثل الرياضيات والفرنسية والتربية المدنية والتاريخ والجغرافيا…) طيلة الثلاثي الأوّل لفهم عمق هذا الخلل. فبدل الاعتراف بالمشكل ومعالجته من جذوره، يجري الالتفاف عليه بيداغوجيا ولغويا تحت مسمّى “دروس التّدارك” وكأنّ تغيير التسمية قادر على محو واقع الحرمان من حق التعلّم.

هاجس السّلطة: بطاقة نتائج مدرسيّة بلا فراغات

يتبيّن اليوم، دون كبير عناء، أنّ الهمّ الحقيقي لسلطة الاشراف ليس ضمان حق التلميذ في التعلّم، بل تفادي وجود خانة “معفى” في بطاقة النتائج المدرسيّة للثلاثي الأوّل.

لقد تحوّل المشكل من مسألة تعليميّة تمسّ جوهر الحق في المعرفة، إلى إشكال شكلي إداري يهمّ مظهر الوثائق لا مضمون التعلّم. بهذا المنطق لا يطرح السّؤال هل تعلّم التلميذ؟ هل أنجز البرنامج؟ هل اكتسب الكفايات الأساسية المستهدفة؟ بل يطرح فقط: هل امتلأت الخانات؟ هل صدرت بطاقة النتائج المدرسيّة نظيفة بلا فراغات؟

وهكذا تُختزل المدرسة العموميّة في وظيفة محاسبية، وتُفرغ العملية التعليمية من محتواها، ويُستبدل الحق في التعلّم بإدارة الأرقام.

تدارك بلا تدريس: مغالطة بيداغوجية مقصودة

بيداغوجيا لا يستقيم الحديث عن “تدارك” في غياب التدريس، فالتّدارك هو إجراء لاحقٌ لمعالجة تعثّر أو نقص في تعلّم تمّ الشروع فيه. أمّا حين لا تدرّس المادّة أصلا طيلة الثلاثي، فنحن أمام غياب كامل للتعلّم.

فإصرار سلطة الاشراف على استعمال مصطلح “تدارك” في غير محلّه، وهو ليس خطأ بريئا بل مغالطة واعية تهدف إلى:

  • التهرّب من الاعتراف بالإخلال المؤسّساتي
  • تحويل أزمة هيكلية إلى اشكال ظرفي
  • تحميل التلميذ كلفة فشل لم يكن طرفا فيه

التوصيف العلمي: فقدان تعلّم وانقطاع بيداغوجي

إن التوصيف العلمي الدقيق – وهو المطلوب نظريا من سلطة الاشراف – لما يحدث هو فقدان التعلّم النّاتج عن انقطاع بيداغوجي مؤسّساتي وهو توصيف معتمد في علوم التربية لوصف الحالات التي يحرم فيها المتعلّم من حقّه في التعلّم بسبب اختلال خارج عن إرادته – ولا أخال سلطة الإشراف تجهل هذا الأمر – كغياب الإطار التربوي وسوء التخطيط أو السياسات العمومية الفاشلة. وهو ما يفيد أن سلطة الإشراف تعمّدت التظليل وتزييف الواقع.

والأخطر من حجم هذا الفقدان هو طابعه المعمّم، فما كان في السّابق ظاهرة جزئية ومحدّدة، أصبح اليوم واقعا واسع الانتشار شمل أغلب ولايات الجمهورية، وبدرجات متفاوتة ما يجعلنا أمام أزمة وطنية شاملة لا يمكن التّعامل معها بمنطق الترقيع.

ظاهرة قديمة لكن بلا سقف اليوم

صحيح أنّ المدرسة العموميّة عرفت في فترات سابقة حالات عدم تدريس جزئية أو مؤقّتة، غير أنّ الفارق الجوهري اليوم يتمثّل في: اتّساع الظّاهرة وتكرّرها وغياب أيّ اجراءات جذرية لوقفها. والأخطر من ذلك هو غياب أيّ ضمانات رسميّة لعدم تواصل هذه الظّاهرة خلال ما تبقّى من هذه السّنة الدّراسيّة، أو خلال السنوات القادمة. فلا خطط واضحة ولا التزامات معلنة ولا معالجة لأسباب هذا الانقطاع البيداغوجي ممّا ينذر بتحوّل فقدان التعلّم من وضع استثنائي إلى نمط دائم في إدارة التعليم العمومي.

اختزال البرنامج تقنين للنّقص وليس حلاّ للأزمة

إن اقتراح تدريس جزء من البرنامج بدل إنجازه كاملا لا يمثّل حلاّ واقعيا، بل هو تقنين للنّقص واعتراف ضمني بالعجز. فاختزال البرنامج يعني القبول بتعليم منقوص لفئة واسعة من التلاميذ، وهو ما يضرب في الصميم جودة التعلّم وخاصّة مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤسّس لمدرسة عمومية متفاوتة الجودة حسب الجهة والظّرف.

إن، البرنامج الدراسي ليس ترفا (شهوة) يمكن التّنازل عنه، بل هو تعاقد تربوي بين الدّولة والمجتمع وكلّ مساس به هو مساس بحقوق المتعلّمين

التعليم التعويضي الحل الّذي يؤجّل عمدا

إنّ المعالجة البيداغوجية الوحيدة التي تنسجم مع خطورة هذه الوضعية هي التعليم التعويضي، أي تعويض فعلي لما فقد من تعلّم لا مجرّد تسريع للنّسق أو ضغط الزّمن. لكن هذا الخيار يقتضي: اعترافا صريحا بفقدان التعلّم وتوفير الموارد البشرية والمالية الكافية وزمنا تربويا إضافيا ومنظّم. وهي شروط لا تنسجم، بطبيعة الحال، مع السياسات الحالية القائمة على إدارة الأزمة بأقلّ كلفة ممكنة، حتى وإن كان الثّمن هو مستقبل أجيال كاملة.

بالمحصّلة: الدّفاع عن التّعليم معركة لا تقبل الحياد

يمكننا أن نجزم بأن ما يجري اليوم في المدرسة العمومية ليس خطأ عابرا بل سياسة إنكار ممنهجة تقوم على التطبيع مع فقدان التعلّم وتغليفه بإجراءات شكلية (كما خطّطوا بشكل ممنهج من قبل للتّطبيع مع فقدان المواد الأساسية المدعّمة وفقدان بعض الأدوية والقبول باستعمال نقل عمومي رديء…). سياسة لا يهمها أن يتعلّم التلميذ، بقدر ما يهمها أن تختفي آثار الفشل من الوثائق الرّسمية.

إنّ تحويل بطاقة النتائج إلى أداة تطمس الواقع التربوي هو اعتداء على الحق في التعليم وعلى كرامة أبناء الشعب. وأمام هذا الاعتداء لا مجال للحياد ولا للصّمت، لأنّ السّكوت تواطؤ والتّعايش مع هذا الواقع هو في نهاية المطاف قبول بمدرسة عمومية منقوصة ومهمّشة. لذلك ندعو كل المربيّن والأولياء والتلاميذ والنّقابيين وكل القوى التقدّمية إلى رفض سياسة الانكار وفرض الاعتراف بفقدان التعلّم والنّضال من أجل تعليم كامل غير قابل للاختزال أو المساومة عبر حل جذري يتمثّل في الانتداب الفوري والكافي للأساتذة لسدّ الشغورات، وضمان استمرارية التدريس واحترام حق التلميذ في التعلّم.

إن الدّفاع عن المدرسة العمومية ليس خيارا تقنيا، بل معركة اجتماعية وسياسية بامتياز لا تحتمل التأجيل أو الحياد. فإمّا مدرسة عمومية عادلة ومحرّرة وإمّا مزيد من التهميش وإعادة إنتاج اللامساواة. وستضل جريدة “صوت الشعب” اللسان المركزي لحزب العمّال منحازة لهذه المعركة وصوتا كاشفا للسياسات المعادية لمصالح الشعب، ومدافعا عن حق أبناء هذا الشعب في تعليم شعبي ديمقراطي نيّر يليق بهم. والمستقبل يُبنى بالمعرفة والعدالة والنّضال، لا بالأرقام الفارغة والإجراءات الشكلية.

إلى الأعلى
×