الرئيسية / صوت الوطن / تعطيل البطاقة المهنية للصحفيين: انتهاك دستوري متعمّد أم حرب على الإعلام
تعطيل البطاقة المهنية للصحفيين: انتهاك دستوري متعمّد أم حرب على الإعلام

تعطيل البطاقة المهنية للصحفيين: انتهاك دستوري متعمّد أم حرب على الإعلام

بقلم جيهان اللواتي

مع دخول العام الجديد يجد أكثر من ألفي صحفي وصحفية في تونس أنفسهم في وضع قانوني ومهني غير مسبوق من الفراغ للسنة الثانية على التوالي حيث يحرمون من بطاقة الصحفي المحترف تلك الوثيقة الأساسية التي تمثل أبسط أشكال الاعتراف الرسمي بمهنتهم وضمان حمايتها. فقد انتهى التمديد الاستثنائي الأخير لبطاقات عام 2024 في 31 ديسمبر 2025 دون إصدار أي بطاقات جديدة لعامي 2025 و2026 مما أدى إلى شلل شبه كامل في آليات الاعتماد المهني. وهذا الواقع يعمق أزمة خطيرة تهدد جوهر حرية الصحافة في البلاد التي كانت تُعتبر نموذجاً نسبياً في المنطقة العربية بعد ثورة 2011 محولاً إياها إلى حالة من التراجع والقلق حول مستقبل الإعلام المستقل

الإطار القانوني المنتهك: واجب ملزم لا سلطة تقديرية

ينظم المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر آلية إسناد بطاقة الصحفي المحترف بطريقة واضحة ودقيقة مستندًا إلى مبادئ الحرية والاستقلالية في ممارسة المهنة الصحفية.

وفقًا للفصل 8 من هذا المرسوم يتم إحداث لجنة مستقلة محددة التركيبة تتكون من ممثلين عن الجهات المهنية والرسمية ذات الصلة وتشمل:

  • مستشار من المحكمة الإدارية يعين باقتراح من الرئيس الأول للمحكمة الإدارية ليضطلع بمهام الرئيس
  • ثلاثة أعضاء يتم اقتراحهم من قبل منظمة الصحفيين الأكثر تمثيلا
  • عضو يمثل مديري مؤسسات الإعلام العمومي
  • عضو يتم اقتراحه من طرف منظمة مديري الصحف التونسية الأكثر تمثيلا
  • عضو يتم اقتراحه من طرف منظمة مديري مؤسسات الإعلام السمعي البصري الخاص الأكثر تمثيلا

يتم تعيين رئيس وأعضاء اللجنة بأمر لمدة أربع سنوات غير قابلة للتجديد ويقع تجديد أعضاء اللجنة كل سنتين بالتناوب في حدود النصف

أعضاء محددين قانونيًا لضمان التوازن والحيادية ليفرض بذلك النص التزامًا قانونيًا صريحًا على رئاسة الحكومة بإصدار الأوامر الحكومية اللازمة لتعيين أعضاء اللجنة في حال حدوث أي شغور دون أن يمنحها مجالًا للسلطة التقديرية فهذا الإجراء يُعد واجبًا إلزاميًا يستمد قوته من القانون ولا يتحمل التأخير غير المبرر أو الخضوع لتفسيرات سياسية أو مصلحية مما يعزز استقلالية القطاع الصحفي ويحمي من التدخلات التعسفية

من جانب آخر يحدد الأمر الحكومي عدد 229 لسنة 2021 المؤرخ في 7 أفريل 2021 الإطار التنظيمي لهذه البطاقة بدقة بالغة حيث يقرر أن مدة صلاحيتها تقتصر على سنة واحدة تبدأ من 1 جانفي وتنتهي تلقائيًا في 31 ديسمبر من كل عام مع السماح بتمديد استثنائي مؤقت لا يتجاوز سنة واحدة في حالات التعذر الإداري المؤقت مثل عدم قدرة اللجنة على الاجتماع. ومع ذلك يحظر النص صراحةً تحويل هذا التمديد الاستثنائي إلى ممارسة روتينية أو آلية للتستر على التقصير الإداري المزمن مما يعكس التزامًا بمبادئ الشفافية والكفاءة في تنظيم المهنة الصحفية ويضمن تجديدًا دوريًا يعتمد على تقييم موضوعي للشروط المهنية. هذا الإطار القانوني المتكامل يؤكد على دور الدولة في دعم حرية التعبير مع الحرص على احترام الالتزامات الدستورية والدولية المتعلقة بحقوق الصحفيين

التداعيات المباشرة على الميدان: أزمة مهنية متعددة الأبعاد

يتجاوز الضرر الجانب الإداري ليصبح أزمة ميدانية حقيقية تمسّ جوهر المهنة

الحماية الأمنية والقانونية: يتعرض الصحفيون لمخاطر متزايدة أثناء تغطية التظاهرات والأحداث الحساسة دون أي وثيقة رسمية تحميهم من التوقيف التعسفي أو الاعتداء

المؤسسات العمومية: ترفض العديد من الوزارات والمؤسسات الدستورية والإدارات العمومية اعتماد الصحفيين لتغطية النشاطات الرسمية بدعوى عدم وجود بطاقة مهنية حديثة

التغطية الرياضية: منذ انطلاق الموسم الرياضي 2025-2026 يُعطّل الصحفيون والمصورون الصحفيون من دخول الملاعب والقاعات الرياضية لعدم حملهم بطاقة سارية المفعول مما يُعطّل التغطية

الاستقلالية المهنية: يضطر بعض المؤسسات الإعلامية إلى الاعتماد على العلاقات شخصية في التمكين من التغطية مما يُضعف استقلالية العمل الصحفي ويُعرّضه لشبهات التبعية

الأبعاد الدستورية والقانونية للانتهاك

يُشكّل الوضع الحالي مساساً خطيراً بعدة نصوص دستورية ودولية صادقت عليها تونس

الفصل 32 من دستور 25 جويلية 2022

”تكفل الدولة حرية الرأي والفكر والإعلام والنشر وتمنع أي تدخل في استقلالية وسائل الإعلام العمومية والخاصة”

المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) الذي صادقت عليه تونس منذ 1969

المبادئ التوجيهية لمنظمة العمل الدولية واتفاقياتها المتعلقة بحرية التنظيم النقابي وحقوق الصحفيين كعمال في قطاع الإعلام

توصيات مجلس حقوق الإنسان وتقارير المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير التي تُشدّد على ضرورة توفير بيئة قانونية وإدارية تمكّن الصحفيين من أداء مهامهم دون عوائق تعسفية

البطاقة المهنية.. سلاح جديد لتقويض حرية الصحافة في تونس

البطاقة المهنية التي كانت يومًا رمزًا للاعتراف بحق الصحفي في ممارسة مهنته بحرية وحماية تحولت اليوم في تونس إلى سلاح إداري بارد يُستخدم لتقويض ما تبقّى من أنفاس حرية الصحافة

في مشهد يجمع بين العبثية والمكر السياسي يُعطل تجديد تركيبة اللجنة المستقلة لإسناد البطاقة للسنة الثانية على التوالي فيُترك أكثر من ألفي صحفي بلا أي وثيقة مهنية صالحة في 2025ثم يمتد الخنق إلى 2026 ليصبح الصحفي بلا هوية مهنية قانونية عاجزًا عن تغطية حدث عن الدخول إلى فضاء عام عن التصوير في ملعب أو ساحة بل وعن إثبات أنه صحفي أصلاً أمام أجهزة أمنية باتت ترى في كل قلم محتملاً تهديدًا

هذا ليس تأخيرًا إداريًا بريئًا بل استراتيجية ممنهجة للتحكم في الوصول إلى المعلومة وتضييق الخناق على من يجرؤ على كشف الحقائق. إنها طريقة “ناعمة” للقضاء على الصحافة دون الحاجة إلى اعتقالات جماعية صاخبة تكفي بطاقةٌ لم تُصدر وقرار لم يُنشر وهيئةٌ تُترك مُعطّلة عمدًا ليصبح الصحفي متسللاً في بلده مطاردًا في مهنته مذنبًا حتى تثبت براءته… بالبطاقة التي لا تأتي أبدًا

من يمنع البطاقة المهنية اليوم إنما يمنع الشعب كله من معرفة الحقيقة والثورة الحقيقية تبدأ حين يرفض الصحفيون أن يصبحوا رهائن ورقة إدارية وحين يُدرك الجميع أن حرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه السلطة بل حقًا وجوديًا لا يقبل التفاوض ولا التأجيل

موقف النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين: مطالب واضحة وجدول زمني ملح

جددت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين خلال الأشهر الفارطة دعوتها لـ:

  • الإصدار الفوري للأمر الحكومي بسد الشغور في تركيبة اللجنة المستقلة
  • استئناف أشغال اللجنة خلال أجل أقصاه شهر واحد من تاريخ تعيين الأعضاء الجدد
  • معالجة الطلبات المتراكمة وإصدار بطاقات سنتي 2025 و2026 في أسرع وقت ممكن
  • الالتزام بعدم اللجوء مجدداً إلى تمديدات استثنائية خارج الإطار القانوني المنصوص عليه
  • فتح حوار جدي حول إصلاح منظومة إسناد البطاقة لضمان استقلاليتها وشفافيتها في المستقبل

لم يعد الأمر مجرد إشكال إداري… بل اختبار مصداقية بعد خمس عشرة سنة من ثورة الحرية والكرامة يصعب قبول أن يظل حراس الحقيقة في تونس محرومين للسنة الثانية من أبسط أدوات عملهم القانونية بسبب تقاعس إداري لا يجد له مبرراً قانونياً أو فنياً مقبولاً

احترام المرسوم 115 لسنة 2011 والأمر 229 لسنة 2021 لم يعد مجرد التزام إجرائي بل أصبح معياراً أساسياً لقياس مدى جدية السلطة التنفيذية في حماية استقلالية الإعلام وضمان سلامة الصحفيين واحترام التعهدات الدستورية والدولية

استمرار هذا الانسداد لم يعد إشكالاً تقنياً يُدار بالصمت أو التسويف لقد تحول إلى مؤشر خطير على طبيعة العلاقة الراهنة بين السلطة وحرية التعبير في تونس والسؤال المطروح اليوم ليس فقط متى ستُصدر البطاقات؟؟ بل هل لا تزال

الدولة التونسية قادرة – ومستعدة – على الوفاء بالتزاماتها تجاه حرية الصحافة التي كانت أحد أبرز مكتسبات الثورة؟

إلى الأعلى
×