بقلم منور السعيدي
تعيش تونس في قلب أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة في تاريخها الحديث، حيث أصبح حصول المواطن على دوائه حقًا معلقًا بين الوعود السياسية الفارغة، والأزمات المالية العميقة، وسوء إدارة منظومة الصحة العمومية. الأزمة التي امتدت منذ سنوات، وتفاقمت خلال 2025 و2026، لم تعد مشكلة تقنية أو ظرفية بل نتيجة فشل سياسي متواصل منذ عقود، تجلت أَوْقَعُهَا في وفاة مرضى لا يجدون أدوية حياتية، وتدهور القدرة الشرائية للأسر، وانهيار الثقة في الدولة ومؤسساتها الصحية.
الأزمة في أرقام وتداعيات على المواطن
تشير بيانات وتقارير محلية ودولية إلى أن تونس تواجه نقصًا حادًا في الأدوية الأساسية، حيث يتراوح عدد الأدوية المفقودة بين 500 و700 صنف، منها ما هو حيوي لمرضى السكري، السرطان، أمراض القلب والضغط، وأدوية نفسية وعصبية. الكثير من المرضى باتوا يبحثون عن دوائهم يوميًا في جميع الصيدليات بلا جدوى، بينما البعض يضطر إلى استيراد الأدوية من الخارج بتكاليف باهظة أو شرائها من السوق السوداء من الكناترية من الجزائر أو الاستغناء عن العلاج تمامًا.
ولعل أبشع تعبير عن هذه الأزمة، هو وفاة شابين من مرضى السرطان بعد حرمانهما من أدوية العلاج الكيماوي لمدة طويلة، بسبب رفض صناديق التأمين تغطية تكاليف العلاج أو لعدم توفر الدواء.
هذه الحقائق تبرهن أن الأزمة ليست مجرد نقص في بعض الأصناف، بل هي أزمة نظام صحّي متآكل يعجز عن ضمان أبسط حاجة إنسانية لكل مواطن: الأزمة المالية للدولة ومنظومته الصحية
تعيش تونس منذ سنوات أزمة مالية هيكلية، انعكست بشكل مباشر على قطاع الصحة. الصناديق الاجتماعية مثل الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM) تواجه عجزًا وتراكم ديون تجاه الصيدلية المركزية والموردين الدوليين، مما أدى إلى انقطاع التمويل أو تأخره.
وفي ظل هذه الأزمة المالية، باتت العديد من الصيدليات الخاصة في حالة شبه إفلاس بسبب تأخر سداد مستحقاتها من الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وتراكم الديون عليها، مما دفعها في بعض الأحيان إلى تعليق صرف الأدوية لمنظوري الصندوق.
فشل إدارة منظومة الأدوية واستمرار الفساد
هيكلة النظام الطبي في تونس، وخاصة دور الصيدلية المركزية التي تحتكر استيراد وتوزيع الأدوية، كانت تقوم على بيروقراطية عتيقة وعدد محدود من الموردين. بينما كان من المفترض أن يتم تحديث هذه المنظومة منذ سنوات، إلا أن العجز عن الدفع وتأخر العقود، والتعقيدات الإدارية، والفساد المالي المزمن حوّل هذا النظام إلى عبء قاتل.
إن تراكم الديون، وضعف الرقابة، والمحاباة في عقود الاستيراد والتوزيع، وعدم توفير بدائل إنتاجية محلية قادرة على تزويد السوق بشكل مستدام، يعكس فشل الإدارة السياسية للحكومات المتعاقبة في ضمان حق العلاج للمواطنين.
تبعية الاستيراد وتدهور سعر الصرف
الغالبية العظمى من الأدوية في تونس تُستورد بالعملة الأجنبية، ما يجعل توفير الدواء مرتبطًا بتقلبات سعر صرف الدينار، والقدرة على الدفع للموردين الدوليين. ومع استمرار تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكاليف الاستيراد، أصبح من الصعب تأمين إمدادات منتظمة من الأدوية، خاصة في ظل عجز الخزينة عن التمويل وتراجع الاحتياطات المالية.
نقص التخطيط الاستراتيجي وغياب رؤية صحيّة وطنية
الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة غياب تخطيط استراتيجي واضح في قطاع الصحة منذ سنوات طويلة، وهو ما يُظهر أن المنظومة الحاكمة تفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية لوضع صحة المواطن في مقدمة الأولويات، واعتماد آليات حديثة لتأمين الدواء وإنتاجه محليًا، وتوسيع منافذ التوزيع وتخفيف الاعتماد على استيراد الأدوية فقط.
التداعيات الاجتماعية والاقتصادية
قتل المواطنين بالبطء
بالفعل، لم تكن الأزمة مجرد نقص في “بعض الأدوية” بل سببًا مباشرًا في فقدان الحياة لدى الكثيرين. هذا الأمر يحوّل أزمة الاقتصاد والسياسات العامة إلى جريمة دولة ضد المواطنين، حيث يصبح الوباء الاقتصادي وباءً مميتًا في غياب الدواء.
زيادة العبء على الأسر والاقتصاد
ارتفاع تكلفة العلاج في الخارج، وانقطاع الأدوية، يزيد من الأعباء المالية على الأسر، خاصة الفقراء وذوي الأمراض المزمنة، مما يُفاقم من الفقر وعدم المساواة داخل المجتمع التونسي.
تراجع ثقة المواطنين في الدولة
عندما يشعر المواطن أن الدولة لا تستطيع تأمين دواء طفل مريض أو علاجات أمراض مزمنة، فإن ذلك ينعكس على فقدان الثقة في المؤسسات السياسية والحكومية بشكل عام، مما يؤدي إلى احتقان اجتماعي وسياسي متزايد: المسئولية السياسية للمنظومة الحاكمة لا يمكن فصل الأزمة الصحية عن الأزمة السياسية في تونس:
تواطؤ المنظومة الحاكمة والسلطات المتعاقبة، لم تنتج سياسات حقيقية لحماية حق المواطنين في العلاج، واكتفت غالبًا بإجراءات مؤقتة أو بلاغات إعلامية تخفف من الضغط الشعبي
المنظومة السياسية الرسمية تبنت طوال السنوات الماضية سياسات تقشفية وتقديم تنازلات للجهات الدائنة على حساب الخدمات الاجتماعية الأساسية، مما أدى إلى ترك قطاع الصحة في مواجهة أزمات مالية واقتصادية دون دعم حقيقي.
غياب الرقابة والمساءلة
الفساد وانعدام الشفافية في إدارة منظومة الأدوية وتحويل الأموال، بالإضافة إلى غياب رقابة فعلية جعل من المنظومة الصحية مرتعا للفساد، وهو ما يفاقم الأزمة بدل حلّها.
اعتماد استراتيجية شاملة للخروج من هذه الأزمة الإنسانية:
- وضع آليات شفافة لعقود الاستيراد المحلي والدولي وإجراءات رقابية فعالة على الأسعار وجودة الأدوية.
- دعم الإنتاج المحلي
- الاستثمار في صناعات الأدوية الوطنية وتطوير قدرتها لتغطية جزء كبير من السوق، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والحيوية.
- إعفاءات ضريبية وحوافز للاستثمار في قطاع الأدوية المحلية.
إصلاح صناديق التأمين الصحي
تسوية ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض للصيدليات والموردين لضمان استمرارية التوريد.
توسيع نطاق التغطية الصحية، خصوصًا للفئات الهشة والمهمشة.
ختامًا:
أزمة الأدوية في تونس ليست مجرد فشل إداري مؤقت، بل هي نتيجة تراكم سياسات اقتصادية واجتماعية فاشلة أودت بحياة مواطنين وزعزعت أمنهم الصحي والاقتصادي. ومن منظور حزب العمال، فإن علاج هذه الأزمة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، إصلاحات هيكلية، ومحاسبة لمن تسبب في هذا الانهيار المريع، لأن الصحة ليست سلعة ولا رفاهية، بل حق إنساني أساسي لا يحتمل المساومة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
