بقلم عمار عمروسية
تزايدت في السنوات القليلة الماضية الكثير من المؤشرات الملموسة على عمق الأزمة الشاملة التي تعصف ببلادنا الأمر، وهو ما أسهم بسرعة قياسية في تعرية السردية الشعبوية القائمة على الكذب وتزوير الواقع المزري الذي ينزل بأثقاله على التونسيات والتونسيين. فالحصيلة العامة للسلطة القائمة أكدّت بما لا يدع مجالا للشك بأن انقلاب “قيس سعيد” ليس سوى إمعانا في إعادة إنتاج المضامين المدّمرة للخيارات الاقتصادية والاجتماعية القديمة مع تنشيط مختلف آليات القمع السافر بهدف تجريد المجتمع من أدوات المقاومة والتنظيم حتى يسهل فرض صمت القبور وتعبيد الطريق أمام سيادة الحكم الفردي وديمومته في أفق السّطو من جديد على الانتخابات الرئاسية القادمة بعيدا عن أيّ مساءلة قانونية ودستورية وبطبيعة الحال أخلاقية – قيميّة.
فالمسار الذي دشنه الانقلاب المتخفّي وراء مساحيق خطاب رئاسي عدائي تجاه المنظومة القديمة وضرورات القطع مع جميع مفاسدها وعيوبها لم يكن من جهة سوى حلقات محكمة مسترسلة لإعادة تدوير ورسكلة “السيستام” البالي في جميع محاوره الأساسية المرتبطة بالخيارات الكبرى في كل المجالات ومن جهة أخرى محاولة شرسة ومتعجرفة لغلق المسار الثوري وقضم أهم مكتسباته.
فالبلاد وفق الكثير من المتابعين للشأن العام دخلت إلى منطقة الأزمات المستعصية والخطيرة التي رمت “تونس” إلى مشارف الإفلاس وخانة الدول الفاشلة، وهي تقريبا ذات المعاني التي نجد تعبيراتها بطرق مختلفة داخل الأوساط الشعبية من خلال ترديد الكثيرين “بلاد داخلة في حيط”، “البلاد بركت”، “بلاد حابسة وتمركي” الخ…
أمام اشتداد تداعيات تلك الأزمة ونذر استفحالها مستقبلا، بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية مرتبطة بالمتغيّرات المتسارعة عربيا وإقليميا وعالميا، مازال حاكم الأمر الواقع متحصنا بآلية الإنكار لهذه الأزمة التي تعصف بالبلاد، إمّا ممعنا في تشغيل اسطوانة “الرفاه القادم” و”البناء والتشييد” و”العلوّالشاهق” الخ… أو موغلا في نحت خطاب تبريري ينزع كل مسؤولية عن نفسه ومنظومته إزاء هذه الجرائم المرتكبة. فكل مشكلات بلادنا السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية وحتى البيئيّة مثلما هو الحال بمدينة “قابس” هي وفق منطق الديكتاتور والجوقة من افتعال الآخر الذي يرد حينا منسوبا للمجهول ضمن نمطية مضحكة يختزلها لفظ وحيد: أطراف… وطورا آخر محددا حسب مفردات منتقاة من القاموس المستهلك من جميع القوى الرجعية التي تعاقبت على السلطة بعد الثورة: إرث الحكم الثقيل، مراكز النفوذ القديمة، اللوبيات، الخونة، العملاء الخ…
حيثيات حكم الديكتاتور طوال السنوات الماضية قدّمت دلائل كثيرة على الفشل الذريع للمشروع الشعبوي ليس فقط في إيجاد الحلول الجذرية لتلك الأزمات وإنما حتى اجتراح مسكنات ظرفية وهو ما تكشّف في مناسبات عديدة وبجهات مختلفة (مشكلة المعطلين، غلاء الأسعار، فقدان بعض الأدوية، مشكلة قابس، أزمات المرافق العمومية…)، فالمشغّل الرئيسي لصاحب السلطات الفرعونية هو المثابرة على الشقشقة الكلامية كما يقال والاستمرار أولا في الترويج لخطابات العنف والكراهية وكيل أقذع الشتائم ضدّ معارضيه وخصومه، فهم بالمطلق “خونة” و”فاسدين”، ووصل به الأمر حدّ نعت البعض منهم “بالحشرات والمخمورين والفاسقين” الخ… وثانيا في حبك المسرحيات الاستعراضية المتقنة من أولها لآخرها بتأطير بوليسي دائم الحضور في زيارات ملتبسة عادة ما كانت تحت جنح الظلام أو في ظروف مناخية صعبة… تتفاقم مشكلات التونسيات والتونسيين كما لم يحدث تحت ديكتاتور رمته الصدف إلى الواجهة وقذفته صناديق الاقتراع المحكومة بحسابات قوى سياسية أضاعت حساباتها وراء وهم التّموقع والشراكة في المغانم التي سرعان مع انقلبت إلى تهميش ومعركة كسر عظام تجاوزت تلك القوى الطامعة والواهمة لتطال البلاد والشعب بأسره تقريبا.
إنّ اختزال أزمة بلادنا كما يزعم “قيس سعيد” في بعض ما أوردنا أعلاه أو حتى ضمن فزّاعة “المؤامرات” ليس سوى خطابا ساذجا تبسيطيا الهدف من وراء معاودته إفساد وعي الجماهير والتعمية على الأسباب الحقيقية المرتبطة بصفة مباشرة بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتواصلة ضمن ما يعرف بالرأسمالية التابعة التي ازدادت مصاعبها بفعل الأزمة العامة للنظام الرأسمالي وتكاثر بؤر التوترات والحروب في أكثر من مكان.
لقد مرّت سنوات على حكم المنظومة الشعبوية دون أن يقدر “قيس سعيد” على المساس بجوهر تلك الخيارات المدّمرة التي يزعم مناصبتها العداء، فمصالح الدول الامبريالية والشركات الأجنبية محفوظة كما كانت في العهود السابقة، شأنها في ذلك ِشأن ثروات الائتلاف الطبقي العميل الذي اكتسب تقاليد راسخة في التكيّف مع جميع المنظومات المتعاقبة منذ زمن الاستعمار المباشر وعلى الأخص في عهد “بورقيبة”.
فالرئيس الذي تعوزه شرعية التاريخ والنضال ولو في الحدود الدنيا وخطر له تقمّص دور الثوري المزيف الذي يقتات من حرب التحرير الوهمية ظل كل هذه السنوات أصغر من مراجعة بعض الاتفاقيات المخلّة بالسيادة الوطنية (اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الشراكة العسكرية مع أمريكا والحلف الأطلسي…)، والرئيس المنادي بالتعويل على الذات أغرق المالية العمومية كما لم يحدث من قبل في المديونية الخارجية ولم يكلّف نفسه مجرّد التلويح بشطب الكريهة منها زمن “بن علي”…
يمارس الرئيس بإتقان كبير لعبة مركّبة، فهو صاحب السلطات الأوحد، وهو زمن بعض المصاعب الاجتماعية المعارض النقود حتى لمن اختارهم بنفسه من شعب الصالحين المؤيدين. فهو – أي الرئيس – العارف بجميع الأمور والمآسي بما في ذلك ويلات الفيضانات والانبعاثات الغازية للمجمع الكيميائي بقابس وبطبيعة الحال لوعة أهالي من فقدوا فلذات أكبادهم سواء في أعماق البحر أو نتيجة سقوط جدار المعهد الثانوي بالمزونة.
يتماهى “قيس سعيد” في دوره المضبوط سلفا من قوى الدولة العميقة في أداء دوره ضمن مشهدية الثأر من الثورة وشعبها بالاعتماد على قوّة الأجهزة الصلبة وخدمات الشريحة العليا من بيروقراطية الدولة التي نمت في أقبية الولاء “للعرف” الكبير وعمولات أصحاب المشاريع الخاصة تونسيين وأجانب.
صوت الشعب صوت الحقيقة
