بقلم كوثر الباجي
منذ أن أعلنت الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، عن إنشاء ما أُطلق عليه اسم «مجلس السلام»، لم يتوقف الجدل حول حقيقة هذا الإطار السياسي الجديد، ولا حول أهدافه العميقة التي تتجاوز الخطاب المعلَن. فبينما جرى تسويق المجلس بوصفه مبادرة دولية لإحلال السلام والاستقرار، خاصة في قطاع غزة، سرعان ما برزت تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام محاولة جادة لوقف الحروب، أم أمام أداة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية-الصهيونية على المنطقة؟
هذا السؤال لا يطرح نفسه من باب التشكيك المجرد، بل من قراءة واقعية للسياق السياسي الذي وُلد فيه المجلس، وللشخصيات التي تشرف عليه، وخطاب مؤسسه، فضلًا عن التجربة التاريخية الطويلة للمنطقة مع مشاريع مشابهة رُفعت فيها شعارات السلام، بينما كانت نتائجها على الأرض مزيدًا من التفكك والارتهان خلال العقود الأخيرة.
أولًا: سياق الولادة… السلام بعد الدمار
لا يمكن فهم «مجلس السلام» بمعزل عن توقيت ظهوره. فقد جاء الإعلان عنه في أعقاب حرب مدمّرة واحدة من أعنف الحروب التي شهدها قطاع غزة، وانسداد الأفق السياسي أمام أي حل عادل للقضية الفلسطينية وفي ظل تصاعد التوتر الإقليمي في جنوب لبنان، واستمرار الحرب في سوريا، وتفاقم الأزمات في السودان واليمن. أي أنه وُلد في لحظة انهيار، لا في لحظة تسوية.
وهنا يبرز السؤال المركزي: لماذا يُطرَح السلام بعد أن تُستنزَف الشعوب وتُدمَّر المدن؟ ولماذا تُعالج النتائج بدل معالجة الأسباب وفي مقدمتها الاحتلال، والحصار، وغياب العدالة الدولية ؟
التجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه المجالس غالبًا ما تُنشأ لإدارة ما بعد الحرب، لا لمنعها. فقد حدث الأمر نفسه في العراق بعد 2003، حين أُنشئت «سلطة الائتلاف المؤقتة» لإدارة بلد محتل، تحت شعار إعادة الإعمار وبناء الدولة، بينما كانت النتيجة تفكيك مؤسسات الدولة، وإغراق البلاد في فوضى ما زالت مستمرة ثم في أفغانستان، حيث تحوّلت المساعدات الدولية إلى أداة ضبط سياسي وأمني دون بناء دولة مستقلة فعلًا.
ثانيًا: من هم صُنّاع «السلام»؟
يُقال إن السياسة تُقرأ من خلال الرجال والنساء الذين يصنعونها ولفهم طبيعة أي مشروع سياسي، لا يكفي النظر إلى أهدافه المعلنة، بل يجب التمعن في هوية القائمين عليه. وفي حالة «مجلس السلام»، تبرز قائمة أسماء لا يمكن اعتبارها محايدة أو ذات سجل وساطي نزيه فإن أسماء الأعضاء التنفيذيين والتأسيسيين تحمل دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها.
في مقدمة هؤلاء يأتي ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه قضايا المنطقة، بدعمه الصريح للتدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية. فقد كان من أبرز الأصوات المطالبة بتشديد الحصار على كوبا وفنزويلا، ودعم الانقلابات الناعمة في أمريكا اللاتينية، فضلًا عن مواقفه المتطرفة تجاه إيران وسوريا وتشديد العقوبات عليهم . هذا السجل يجعل من الصعب تصنيفه كفاعل سلام، بقدر ما يجعله جزءًا من منظومة الضغط والهيمنة.
إلى جانبه، يبرز جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق، أحد مهندسي «صفقة القرن»، التي سعت إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر تجاوز قرارات الشرعية الدولية، وتحويل الحقوق السياسية إلى مشاريع اقتصادية. لقد حاولت تلك الصفقة اختزال فلسطين في استثمارات، والمقاومة في «عائق تنموي»، وقد أثبتت تلك التجربة فشلها، ليس فقط بسبب رفض الفلسطينيين لها، بل لأنها تجاهلت جوهر الصراع القائم على الاحتلال وهو منطق يعاد إنتاجه اليوم في إطار “مجلس السلام”.
كما يظهر ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للشرق الأوسط، والذي يمثل الامتداد التنفيذي لهذه الرؤية، حيث يُنظر إلى المنطقة بوصفها ملفًا إداريًا معقّدًا، لا قضية تحرر وحقوق.
أما توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، فيحمل معه إرثًا سياسيًا ثقيلًا فحضوره يثير أسئلة أعمق. فبلير كان أحد أبرز مهندسي غزو العراق سنة 2003، ذلك الغزو الذي بُرِّر حينها بذريعة «نشر الديمقراطية» و«حماية العالم من أسلحة الدمار الشامل»، قبل أن يتضح زيف تلك الادعاءات وانتهى بتدمير دولة، ومقتل مئات الآلاف، وإشعال فوضى إقليمية ما زالت آثارها قائمة. إن وجوده في مجلس يُفترض أنه للسلام يعكس مفارقة صارخة: من ساهم في إشعال الحروب يُقدَّم اليوم كراعٍ للتهدئة.
إلى جانب هؤلاء، يمثل أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، البعد المالي والاقتصادي للمجلس. وهنا لا بد من التذكير بأن البنك الدولي لعب دورًا محوريًا، في أكثر من تجربة، في فرض سياسات تقشف وخصخصة أضعفت سيادة الدول. ففي إفريقيا وأمريكا اللاتينية، ارتبطت برامج «الإصلاح» التي قادها البنك الدولي بارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع دور الدولة.
ثالثًا: خطاب ترامب… وضوح فظ بدل دبلوماسية ناعمة
لا يمكن فصل «مجلس السلام» عن خطاب دونالد ترامب نفسه، إذ إن هذا الخطاب يشكل الخلفية الأيديولوجية للمشروع. يمتاز خطاب دونالد ترامب بقدر كبير من الصراحة الفظة. فهو لا يختبئ خلف لغة دبلوماسية معقّدة، بل يقول ما يفكر فيه مباشرة. وعندما صرّح بأن «إسرائيل صغيرة ويجب توسيعها»، فإنه لم يكن يطلق شعارًا انتخابيًا عابرًا، بل كان يعبّر عن رؤية استراتيجية تعتبر التوسع الصهيوني أمرًا مشروعًا وهو تصريح لا يترك مجالًا للالتباس بشأن موقفه من قضايا الأرض والسيادة.
كما أن حديثه المتكرر عن «الشرق الأوسط الجديد» يعيد إلى الأذهان المشروع الذي طُرح في عهد جورج بوش الابن، والذي ارتبط بإعادة رسم خرائط الـ18 منطقة سياسيًا، جغرافيًا وأمنيًا. الفرق هنا أن ترامب عبّر عن هذا المشروع
بلغة مباشرة، ولم يحاول تغليف خطابه بلغة دبلوماسية ناعمة، بل عبّر عنه بصراحة فجّة، حين قال إن «على العرب أن يدفعوا»، وإن «دول العالم الثالث» لا مكان لها في نظامه العالمي.
هذه التصريحات هي انعكاس لرؤية سياسية تكشف أن «مجلس السلام» ليس مبادرة معزولة، بل جزء من رؤية أوسع ترى في المنطقة فضاءً تابعًا يجب ضبطه وفي شعوبها أطرافًا يجب إخضاعها اقتصاديًا وأمنيًا، لا شريكًا متكافئًا في
النظام الدولي.
رابعًا: غزة… من قضية تحرر إلى ملف إنساني
في قلب هذا المشروع، تقف غزة. لكن غزة، في منطق المجلس، لا تُقدَّم بوصفها أرضًا محتلة، ولا شعبًا يطالب بحقوقه، بل «مشكلة إنسانية» تحتاج إلى إدارة. وهنا يكمن التحول الخطير: تحويل الصراع من مسألة سياسية إلى ملف تقني.
فبدل الحديث عن:
- إنهاء الاحتلال،
- ورفع الحصار،
- وضمان حق العودة،
- يجري التركيز على:
- إعادة الإعمار المشروط،
- إدارة المساعدات،
- وإعادة ترتيب البنية السياسية والاجتماعية.
فما يُطرح اليوم تحت عنوان «إعادة إعمار غزة» لا ينفصل عن شروط:
- نزع سلاح المقاومة،
- إعادة هندسة المجتمع سياسيًا،
- إخضاع القرار الفلسطيني لوصاية دولية،
- وربط الحياة اليومية للسكان بآليات تمويل مشروطة.
هذا التحول ليس بريئًا. فالتجربة في أفغانستان أظهرت أن تحويل الصراع إلى ملف إنساني أدى إلى إنفاق مليارات الدولارات دون بناء دولة مستقلة. وفي العراق، جرى الحديث عن الإعمار في ظل الاحتلال، ما حوّل الاقتصاد إلى اقتصاد تابع، وأضعف السيادة الوطنية. والنتيجة كانت دولًا هشة، واقتصادات تابعة، ونزاعات مستمرة.
وفي لبنان، بعد حرب 2006، استُخدمت المساعدات الدولية أداة للضغط السياسي، ما ساهم في تعميق الانقسامات بدل معالجتها.
غزة، في هذا السياق، ليست استثناءً، بل نموذجًا وليست نهاية المشروع، بل بدايته .فإذا نجح نموذج الوصاية الدولية الاقتصادية – الأمنية في غزة، يمكن نقله لاحقًا إلى جنوب لبنان، أو إلى سوريا، أو إلى أي منطقة تُعتبر «غير منضبطة» في نظر الاستراتيجية الأميركية – الصهيونية.
وهنا يكمن الخطر الأكبر: تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة رسم التوازنات، وفرض الوصاية تحت عنوان المساعدة.
خامسًا: السلام المُدار مقابل السلام العادل
يفرق الفكر السياسي بين نوعين من السلام:
- سلام عادل، يقوم على الاعتراف بالحقوق وإنهاء الاحتلال.
- وسلام مُدار، يهدف إلى احتواء الصراع دون حلّه.
من هنا، يتضح أن ما يطرحه «مجلس السلام» ليس سلامًا قائمًا على العدالة، بل يندرج بوضوح ضمن النوع الثاني. فهو لا يعالج جذور الصراع، بل يسعى إلى احتواءه وضبط المقاومة لا معالجة أسبابها. ولا يهدف إلى تمكين الشعوب، بل إلى إدارة أزماتها وإنتاج استقرار هش بما يخدم مصالح القوى الكبرى.
فالسلام العادل، تاريخيًا، لا يتحقق دون الاعتراف بالحقوق، ولا دون محاسبة المعتدين. أما السلام الذي يتجاهل هذه الأسس، فإنه يتحول إلى هدنة مؤقتة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار.
سادسًا: مجلس وصاية بثوب دولي
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن «مجلس السلام» أقرب إلى مجلس وصاية دولية غير معلنة. فهو لا يمنح الشعوب حق تقرير مصيرها، بل يسعى إلى إدارة شؤونها عبر المال، والمساعدات، والضغوط السياسية.
وهو، بذلك، يشكل امتدادًا لمشروع الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة، لكن بأدوات ناعمة، تُلبس السيطرة ثوب التعاون الدولي.
فهو في الواقع مجلس لإدارة الخراب، لا لإزالته، ولتثبيت نتائج العدوان، لا لمعالجة جذوره. وهو امتداد طبيعي لمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي فشل عسكريًا في كثير من محطاته، لكنه يعود اليوم بأدوات ناعمة: المال، الإعمار، والمساعدات المشروطة.
خاتمة: سلام بلا عدالة… صراع مؤجل
في المحصلة، لا يبدو «مجلس السلام» مشروعًا لإنهاء الصراعات بقدر ما يبدو محاولة لإدارتها. فالمبادرات التي تُبنى على أنقاض المدن، وتُدار بأيدي من صنعوا الدمار، نادرًا ما تنتج سلامًا مستدامًا.
إن أخطر ما في هذا المجلس ليس فقط تركيبته أو أهدافه، بل محاولته مصادرة حق الشعوب في تعريف السلام بنفسها. فالتاريخ يعلمنا أن السلام الذي يُفرض من فوق، وبقوة المال والسلاح، ولا يُدار عبر مجالس مغلقة لا يدوم، بل يتحول إلى هدنة هشة سرعان ما تنفجر . السلام يولد حين تُستعاد الحقوق، وحين يُرفع الاحتلال، وحين تُحترم إرادة الشعوب.
ومن هنا، فإن توصيف هذا المشروع كمجلس «للسلام» ليس سوى تزييف سياسي، بينما حقيقته تكمن في كونه مجلسًا لإعادة تشكيل المنطقة وفق منطق السيطرة والهيمنة، لا وفق منطق العدالة والتحرر.
وإذا كانت غزة اليوم في قلب هذا المخطط، فإن مستقبل المنطقة بأكملها مرهون بمدى وعي الشعوب والنخب بخطورة تحويل المأساة إلى بوابة لوصاية جديدة، تُلبَس ثوب السلام، بينما تخفي في جوهرها استمرار الاستعمار بأدوات أكثر نعومة وأشد فتكًا.
صوت الشعب صوت الحقيقة
