بقلم فتحي المرايحي
مثّلت ثورة 14 جانفي 2011 لحظة تاريخية فارقة أعادت الشعب إلى مركز الفعل السياسي، وفتحت أفقًا ديمقراطيًا قوامه السيادة الشعبية، والتعدد، والعدالة الاجتماعية. وقد تجسّد هذا الأفق في شعار «الشعب يريد»، بوصفه تعبيرًا عن إرادة جماعية لبناء دولة الحرية والكرامة. غير أنّ المسار اللاحق كشف تحوّل هذا الشعار من أفق تحرّري مفتوح إلى أداة خطابية تُستعمل لتبرير غياب الفعل العمومي، واختزال السياسة في مشهد، والسيادة في خطاب، والإرادة الشعبية في شخص.
أولًا: الشعبوية كمنطق سياسي في السياق التونسي
برزت الشعبوية في تونس في سياق أزمة الديمقراطية البرجوازية التمثيلية، التي ظلت في الكثير من الأحيان أداةً للتعبئة السياسية و تعميق الانقسام المجتمعي أكثر منها إطارًا فعليًا لتحقيق السيادة الشعبية و خدمة المواطنين، وذلك في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتآكل الثقة في الأحزاب والمؤسسات التمثيلية، وتعطّل مسارات الإصلاح البنيوي. وقد استثمر الخطاب الشعبوي هذا الإحباط الشعبي، لا عبر إنتاج بدائل سياسية وبرامج تنفيذية واضحة، بل من خلال خطاب أخلاقي تبسيطي يقسّم المجتمع إلى «شعب نقي» في مواجهة «نخب فاسدة».
في هذا السياق، تحوّلت السياسة إلى مشهد دائم: خطابات متكرّرة، زيارات ميدانية ذات طابع استعراضي، ولغة تمجيد للزعيم، دون أن تُترجم هذه المشهدية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ أو التقييم. وهكذا أُديرت الدولة بالخطاب لا بالبرامج، وبالشعارات لا بالمشاريع، ما عمّق الفجوة بين القول والفعل.
ثانيًا: «الشعب يريد» بين الأفق الثوري والاختطاف الشعبوي
كان شعار «الشعب يريد» سؤالًا مفتوحًا حول المستقبل، لا جوابًا مغلقًا يُستخدم لتبرير تركيز السلطة أو تفكيك المؤسسات. غير أنّ الخطاب الشعبوي اختطف هذا الشعار وحوّله إلى تفويض مطلق يُغني عن النقاش العمومي والمؤسسي، ويُضعف الفعل البرامجي الجاد.
وأُعيد تشكيل «الشعب» في هذا الخطاب بوصفه كيانًا متجانسًا، منزوع التعدّد والصراع الاجتماعي والطبقي، في اختزال يلغي الواقع المركّب للمجتمع، ويستبدله بثنائية أخلاقية مبسّطة. وفي هذا الإطار، لم يعد الزعيم ممثّلًا خاضعًا للمساءلة، بل جرى تقديمه باعتباره التجسيد الوحيد للإرادة الشعبية، فيما أُقصيت الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني بدل تعزيزها كفضاءات شرعية للتنافس السياسي.
ثالثًا: السيادة الشعبية بين القوانين الجائرة وتآكل الحريات
لم يتوقّف هذا التحوّل عند إعادة هندسة النظام السياسي، بل امتدّ إلى تقييد الحريات الأساسية. ففي ظل خطاب يُقدَّم باسم «إرادة الشعب»، جرى سنّ وتوظيف نصوص قانونية تحت عناوين مكافحة الفساد أو حماية النظام العام، بصياغات فضفاضة تسمح بتأويلها على نحو يقيّد حرية التعبير والصحافة والعمل المدني والسياسي.
وفي هذا السياق، مثّل المرسوم عدد 54 لسنة 2022 مثالًا دالًا على توظيف التشريع في تكريس مشهدية الرأي الأوحد وإقصاء التعددية. فرغم تقديمه رسميًا كأداة لمكافحة الأخبار الزائفة، فإن الصياغة الفضفاضة لفصوله، خاصة ما يتعلّق بـ«نشر أخبار كاذبة» أو «المساس بالأمن العام»، فتحت الباب أمام تأويلات واسعة استُخدمت لتجريم الرأي المخالف أكثر من مكافحة الجريمة الفعلية.
وقد أدّى ذلك إلى خلق مناخ من الردع الذاتي داخل المجال العمومي، حيث بات الصحفيون والنشطاء والمواطنون يمارسون رقابة ذاتية خشية التتبعات، ما أفرغ الفضاء الرقمي من دوره كمساحة للنقاش الحر، وحوّله إلى مجال تُعاد فيه إنتاج سردية رسمية شبه وحيدة، باسم حماية السيادة.
رابعًا: غياب الفعل العمومي وتفكّك الدولة الاجتماعية
مع الإقرار بصعوبة السياق الاقتصادي والإقليمي والدولي، وثقل المديونية، وتعقيدات الإرث الهيكلي المتراكم، فإنّ هذه العوامل لا يمكن أن تشكّل تبريرًا كافيًا لغياب الفعل العمومي أو لتعليق المساءلة السياسية. فإدارة الأزمات لا تُقاس بحجم الإكراهات، بل بقدرة السلطة على تحويل الخطاب إلى سياسات واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
يتجلّى هذا الخلل بوضوح في ملف تجريم التطبيع، الذي قُدّم كوعد انتخابي مركزي سنة 2019، دون أن يُترجم إلى مبادرات تشريعية فعلية، ما يؤكد أنّ السيادة ظلّت في كثير من الأحيان أداة تعبئة رمزية لا إطارًا لصنع القرار.
كما يظهر الانفصام بين القول والفعل في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي. فرغم الإعلان عن رصد نحو 2.5 مليار دينار لمشاريع البنية التحتية لسنة 2025، لم يتجاوز التنفيذ الفعلي 60–65%. وبلغت ميزانية دعم قطاعات حيوية كالصحة والتعليم نحو 1.8 مليار دينار، مع تسجيل فجوة تنفيذ تقدّر بـ30–35%، انعكست نقصًا في الأدوية الأساسية، وتعطّل صيانة المؤسسات التربوية، وتدهور جودة الخدمات العمومية.
أما البطالة، فقد بلغت نحو 15.3% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2025، مع نسب مقلقة لدى الشباب قاربت 36.8%، وبطالة حاملي الشهادات العليا التي ناهزت 24%. وتعمّق هذا الوضع بفعل فشل السلطة في خلق مواطن شغل حقيقية، مقابل الترويج لأغاني ومبادرات اتصالية دعائية قُدّمت كبدائل رمزية للسياسات التشغيلية، ما ساهم عمليًا في تطبيع البطالة بدل معالجتها. ويُضاف إلى ذلك إلغاء القانون عدد 38 المتعلّق بتشغيل من طالت بطالتهم، في خطوة كشفت تراجع الدولة عن التزاماتها الاجتماعية.
وقد تعرّى غياب الفعل العمومي أكثر خلال موجة الفيضانات التي اجتاحت عدة مناطق من البلاد، حيث اقتصر التعاطي الرسمي على زيارات ميدانية ذات طابع مشهدي: التقاط الصور، توزيع القبل، التشكيك في المسؤولين المحليين واتهامهم بعدم التدخل، دون الإعلان عن خطط إنقاذ أو برامج إصلاح للبنية التحتية، خاصة في ظل حلّ المجالس البلدية.
وتتكرّر هذه المشهدية في المزونة بعد سقوط جدار معهد ووفاة عدد من التلاميذ، وفي جرجيس حين قيل «صبرًا ستأتيكم الحقائق»، وفي قابس مع وعود متكرّرة بحلول للتلوث البحري والجوي. غير أنّ هذه الوعود لم تتحوّل إلى أفعال، بل قوبلت لاحقًا بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية التي جرى التعامل معها بالعنف البوليسي والإيقافات، في تناقض صارخ بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السلطوية.
خامسًا: من أوهام الشعبوية إلى سلطة شعبية حقيقية: نحو تثوير العقلية المواطنية واستعادة الفعل الثوري
لا يمكن الانتقال من وهم الشعبوية إلى سلطة شعبية حقيقية دون تحوّل عميق في العقلية المواطنية ذاتها. فالشعبوية لا تستمر فقط بفعل القمع أو التحكم في المجال العمومي، بل أيضًا بفعل القبولٍ الاجتماعيٍّ الصامتٍ والمتراكمٍ الذى جرى بناؤه عبر الخوف، واليأس، وتطبيع الفشل بوصفه قدرًا لا خيارًا سياسيًا قابلًا للمساءلة. من هنا، يصبح تثوير العقلية المواطنية شرطًا أساسيًا لكل مسار تحرّري بديل.
غير أنّ هذا التحوّل لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير النخب التي قامت الثورة ضدّها، ولا على التعويل على قوى سياسية مارست الحكم وفشلت فشلًا ذريعًا في الاستجابة لمطالب الشعب، سواء قبل 2011 أو بعدها. فإعادة إنتاج المنظومة القديمة، أو الرهان على نفس الأدوات والسياسات التي عمّقت التبعية والتفاوت الاجتماعي، لا يمكن أن يشكّل أفقًا للتحرّر، بل يُعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
إنّ تجاوز المأزق الراهن يقتضي شقّ طريق ثالث مستقل، لا هو امتداد للاستبداد القديم، ولا هو خضوع لشعبوية فردانية تُفرغ السياسة من مضمونها، بل مشروع ديمقراطي واجتماعي بديل، ينبني على برامج واضحة لا على خطابات، وعلى تنظيم جماعي لا على زعامة مخلِّصة. طريق ثالث يطرح بدائل حقيقية في السياسات الاجتماعية، تقوم على الحق في الشغل، والصحة، والتعليم العمومي، والعدالة الجبائية؛ وفي السياسات الاقتصادية، عبر القطع مع النموذج الريعي والارتهان للخارج؛ وفي السياسات الثقافية، من خلال تحرير الوعي ومقاومة الرداءة والتجهيل؛ وفي السياسات البيئية، بوصفها جزءًا من الحق في الحياة والكرامة لا ملفًا هامشيًا مؤجّلًا.
كما يفترض هذا الأفق كسر حاجز الخوف واستعادة الثقة في الفعل الجماعي، عبر إعادة الاعتبار للاحتجاج المنظّم، والعمل النقابي والمدني المستقل، وبناء قوى اجتماعية قادرة على فرض التوازن مع السلطة، لا انتظار الحلول منها. فلا سلطة شعبية دون مواطنين فاعلين، ولا سيادة دون قدرة على المحاسبة والضغط والتغيير.
وفي هذا السياق، يصبح تحميل المسؤولية السياسية لرأس السلطة التنفيذية أمرًا جوهريًا، بوصفه مركز القرار والاختيارات الكبرى، بدل الاكتفاء بإزاحة الفشل نحو الإدارة الدنيا أو «المنظومة السابقة». فالمساءلة شرط السيادة، وربط الخطاب بالنتائج شرط الديمقراطية.
إنّ استعادة الفعل الاجتماعي والسياسي الثوري لا تعني الحنين إلى لحظة 2011، بل تعني تحويل روحها التحرّرية إلى مشروع مستقبلي، يقطع مع الاستبداد والتبعية، ويؤسّس لسلطة شعبية حقيقية تُبنى من الأسفل، وتُدار بالبرامج، وتُراقَب بالمحاسبة، لا بالمشاهد والخطابات.
خاتمة
تكشف التجربة التونسية أن الشعبوية لا تُعيد السياسة إلى قوتها، بل تُحوّلها إلى خطاب بلا فعل، وسيادة بلا مؤسسات، وشعب بلا تعددية. فهي تستثمر شعار «الشعب يريد» كرأسمال رمزي، لكنها تُفرغه من معناه الديمقراطي عبر اختزال الإرادة الشعبية، وتقييد الحريات، وتفكيك الدولة الاجتماعية.
إنّ إعادة الاعتبار للسيادة الشعبية تمرّ عبر تحويل الخطاب إلى سياسات عمومية واضحة، ومساءلة فعلية، ومواطنين قادرين على كسر الخوف واستعادة الفعل الجماعي.
فالشعب يريد… حلولًا حقيقية، لا رأيًا واحدًا، ولا مشاهد عابرة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
