بقلم محمد خالد الغول
في لحظة فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية، وبينما تلملم غزة جراحها من وسط الركام، برزت إلى العلن معركة جديدة لا تقل ضراوة عن المواجهة العسكرية؛ إنها معركة “السيادة والقرار الوطني”. جاء البيان الأخير للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الصادر بتاريخ 5 فيفري 2026 عن دائرة الإعلام المركزي، ليضع حداً لجدل واسع حول مستقبل إدارة القطاع، معلناً مجموعة من الثوابت التي لا تقبل التأويل تحت مسمى “اللاءات الوطنية”، وجددت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحفظها على دور ما يُسمى “مجلس السلام العالمي”، تأكيداً على موقفها الثابت الذي أعلنت عنه في الاجتماع الفصائلي بتاريخ 15 جانفي 2026؛ حيث حذّرت حينها من سعي هذا المجلس إلى فرض وصايته على الفلسطينيين ونزع حقهم في تقرير مصيرهم.
اللجنة الإدارية: جسر للعبور لا منصة للارتهان
تؤكد الجبهة الشعبية أن قبولها بـ “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” لم يكن شيكاً على بياض، بل هو ضرورة تكتيكية فرضتها ظروف حرب الإبادة ومخططات التهجير. فالمهمة الأساسية لهذه اللجنة، من وجهة نظر الجبهة، هي مهمة “انتقالية” بحتة، تهدف إلى تسيير حياة الناس وقطع الطريق على أي بدائل مشبوهة قد يحاول الاحتلال أو حلفاؤه فرضها كأمر واقع.
إن التشديد على أن قرارات هذه اللجنة يجب أن تكون “فلسطينية المنشأ والهدف” يعكس مخاوف عميقة من تحول هذه الأجسام الإدارية إلى أدوات لتكريس الانقسام أو فصل غزة عن سياقها الوطني الشامل في الضفة والقدس، لذلك سبق وقدمت الجبهة الشعبية في اجتماعاتها ولقاءاتها مقترحات عديدة لضمان الحفاظ على المرجعية الوطنية للجنة من بينها إصدار مرسوم رئاسي بتشكيل اللجنة، وأن تكون مرجعيتها الحكومة وإذا تعذر ذلك يمنح رئيسها درجة وزير ويضاف للحكومة.
“مجلس السلام العالمي”: قناع جديد لوصاية قديمة
لم يكن الهجوم اللاذع الذي شنته الجبهة على ما يسمى “مجلس السلام العالمي” وليد الصدفة، بل هو استشعار لخطر استعماري متجدد. ففي الوقت الذي يسعى فيه هذا المجلس للتدخل في إدارة شؤون غزة، تراه الجبهة امتداداً لعقلية “وعد بلفور” التي تمنح من لا يملك لمن لا يستحق.
التحذير هنا واضح: أي محاولة لإحلال “شريعة القوة” أو الانتداب الدولي تحت ستار الإغاثة أو الإعمار هي محاولة للالتفاف على المكونات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية والقانون الدولي، وهو ما تعتبره الجبهة “خروجاً فاضحاً عن الإجماع الوطني”.
اللاءات الأربعة: دستور المرحلة الانتقالية
يلخص المقال الموقف الشعبي والوطني في أربعة محددات كبرى اعتبرتها الجبهة “خطوطاً حمراء”:
- الإعمار مقابل السيادة: الإعمار حق أصيل ومكتسب لشعبنا، ويجب أن يتم دون قيد أو شرط، ونرفض رفضاً قاطعاً ربطه بأي تنازلات سياسية أو مشاريع أمنية تخدم العدوان.
- الوعي والتعليم: “المناهج التعليمية والهوية الوطنية الفلسطينية “خط أحمر”؛ لن نسمح بأي تدخل أجنبي أو أمريكي يستهدف تزييف الوعي أو طمس الهوية تحت ذرائع “التطوير أو السلام”.
- السيادة المؤسساتية: رفض إحلال أي كيانات دولية، بما فيها “مجلس السلام”، كبديل عن المؤسسات الوطنية أو المنظمات الدولية المحكومة بالقانون الدولي، ونعتبر أي تعاون في هذا السياق خروجاً فاضحاً عن الإجماع الوطني”.
- وحدة المصير: ستبقى غزة جزءاً لا يتجزأ من الكيان السياسي الفلسطيني الموحد، وأي محاولة لتحويل ملف إدارتها إلى مدخل للوصاية الشاملة ستتحطم أمام إرادة شعبنا الصامد.
الرهان على الوعي الوطني
إن رسالة الجبهة الشعبية اليوم تتجاوز مجرد التحفظ الإداري؛ إنها دعوة لليقظة الوطنية الشاملة. فالصمود الذي أظهره الشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب لا يجب أن يتم التفريط في نتائجه على طاولات المفاوضات الدولية التي تسعى لفرض وصاية ناعمة.
يبقى الرهان الحقيقي على قدرة القوى الوطنية على التمسك بهذه “اللاءات” وتحويلها إلى برنامج عمل يحمي غزة من “المؤامرات الخارجية” ويضمن بقاءها قلعة صامدة في وجه التصفية والتبعية.
غزة في 6 فيفري 2026
صوت الشعب صوت الحقيقة
