لم يكن يوم الاثنين 9 فيفري 2026 يوما عاديّا بمعهد بورقيبة بالمنستير حيث جدّت جريمة قتل شنيعة. ففي حدود الساعة الثانية وبضعة دقائق من بعد ظهر ذلك اليوم هجم تلميذ مسلّح بسكين على تلميذ آخر ليرديه قتيلا، قبل أن يهجم على تلميذ ثان ويصيبه بجروح. وقد أثارت هذه الجريمة موجة واسعة من الاستنكار سواء في القطاع التربوي أو خارجه وغذّت جدلا كبيرا على صفحات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام التقليدية حول من يتحمّل مسؤولية تصاعد العنف في الفضاء المدرسي خلال السنوات الأخيرة. وبينما كان هذا الجدل مستمرّا انتشر يوم الجمعة 13 فيفري صباحا خبر طعن تلميذ زميله بسكّين أمام إحدى المؤسّسات التربوية بالمروج 1 بولاية بن عروس. وقد جاءت هذه الحادثة الثانية التي لا يفصلها عن الأولى سوى أيام معدودات لتثبت مرّة أخرى أنّ العنف استوطن في الفضاء المدرسي وتحوّل إلى ظاهرة، هذا أوّلا وثانيا أنّه اتخذ منعرجا صادما إذ أصبحت تستعمل فيه الآلات الحادّة (السكاكين) من قبل تلاميذ يافعين ممّا يعني الإعداد المسبق للجريمة والتخطيط لها وتوفير أدواتها.
إن المسؤوليّة الأولى والأصليّة في هذا التطوّر اللافت للعنف في الفضاء المدرسي تتحمّلها بلا شكّ الدولة وهياكلها ومؤسّساتها بما فيها المؤسّسة التربوية التي استفحل فيها العنف، بكافة مظاهره، بين مختلف مكوناتها دون استثناء. ومن غرائب الصدف أنّ وزارة التربية كانت نظّمت قبل حادثة المنستير بأيّام قليلة ندوة وطنيّة حول العنف المدرسي بالشراكة مع منظمة “اليونيسيف” حضرتها 12 وزارة أخرى ذات صلة بالموضوع. وقد خُصّصت الندوة لاستعراض كافّة مظاهر العنف بشكل ملموس ووفقا لأرقام ونسب كانت في الحقيقة صادمة. لقد بينت الدراسة الميدانية أن 28.4% من التلاميذ تعرّضوا للعنف الماديّ، وأن 15.9% من بين هؤلاء تعرضوا لذلك أكثر من مرّة ، وأن 57% من حالات العنف حدثت داخل الفضاء التربوي، وأن 19.6% من هذه الحالات تمّت في الطريق إليه. كما بيّنت الدراسة أنّ نسبة ضحايا العنف من الذكور تبلغ 57.4% بينما تبلغ نسبة الضحايا الإناث42.6%. وتمثّل حالات العنف بين التلاميذ 40%من مجموع الحالات المسجّلة. وعلى هذا الأساس أعلنت وزارة التربية يوم 7 فيفري تاريخا لإطلاق “الخطة الوطنية الشاملة لتحصين المؤسّسات التربوية من العنف”.
لكن ما يعلمه المربّون بكافة أصنافهم ولفيف واسع من المجتمع كون ظاهرة العنف في الوسط المدرسي ماهي إلا نصيب هذه المؤسسة من ظاهرة اجتماعيّة عامة تتفاقم من عام إلى آخر وهي تتغذّى من استفحال أسبابها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. كما أن سياسة الدولة في إدارة الشأن المدرسي لا تقلّص من منسوب العنف بل تخلق له الظروف المناسبة لتفاقمه. لن نتحدث هنا عن سلعنة التعليم العمومي وخواء برامجه وانسداد آفاقه بل يكفي النظر حتى إلى أبسط الأشياء في الحياة المدرسيّة. فما يجب أن يعلمه عموم الناس هو أن معهد بورقيبة تمّ هدم جزء هامّ من سوره الخارجي منذ العام الماضي في إطار موجة إسقاط أسوار المدارس المتداعية بعد حادثة المزونة الفظيعة ولكن لم يقع ترميمه. كما أن التلميذ الذي قتل ليس مرسّما بالمعهد بل هو مرسّم بمعهد خاص، زد على ذلك أنّ المعهد يشكو مثل أغلب المؤسسات التربوية من نقص في أعوان التأطير الذي يصل في عديد الحالات إلى عون لكل 500 تلميذ. كما أنّ البنية الأساسية للمعهد مهترئة على كل الصعد بما في ذلك غياب قاعة للمراجعة تحتضن التلاميذ في “الساعات الجوفاء” أو في حال غياب إطار التدريس. وهذه الحال لا تهمّ معهد بورقيبة بالمنستير فقط بل هي حالة عامّة، وهو ما يؤكّد أنّ المدرسة التونسية أصبحت منفرة وقاتلة ومدمرة للمواهب، كما أصبحت فضاء مواتيا لتطوّر كل أشكال العنف فيه كما تبيّنه الأرقام الرسمية التي ذكرناها والتي يرجّح أنّها دون المعطيات الفعليّة والواقعيّة.
خلاصة القول، إن المدرسة العمومية تتعرض إلى التدمير الممنهج والقتل البطيء شأنها شأن مختلف الخدمات العامة الأخرى مثل الصحة والنقل والثقافة والبيئة، لحساب قطاع خاص متوحّش لا مكان فيه للفقراء ومتوسطي الحال. إنّ المدرسة العمومية تشكو من كل النقائص التي تهمّ الموارد البشرية والمادية وقد أصبحت عاجزة وفاشلة وغير محصنة من العنف والمخدرات والتحرش… مقابل سيطرة مطلقة للمعالجات القسرية التسلطية التي تلغي التواصل والإصغاء والمرافقة والتأطير الثقافي والفنّي والرياضي والترفيهي، معالجات ذات هواجس كمية دعائية للسلطة ورأسها، وما استفحال مظاهر العنف الدمويّ والقاتل إلا مؤشر على حجم ما يعتمل في أهم مؤسّسة اعتباريّة في المجتمع. وهكذا فإنّ وضع التعليم والتربية هو دليل قاطع على حجم الفشل بل حجم الإجرام الذي تمارسه السلطة الشعبويّة، وقبلها كل المنظومات الرجعية المتعاقبة على الحكم، على حساب بنات وأبناء هذا الشعب الذين يشكل التعليم أحد أهم أسلحتهم لمواجهة صعوبات الحياة بما في ذلك امتلاك الوعي اللازم لمواجهة أعداء الحياة. إن تغيير أوضاع المدرسة التونسيّة رؤية وغاية وتسييرا يبقى جزء لا يتجزّأ من التغيير الشامل لمجتمعنا، بل جزء من برنامج يعصف بأسس مجتمع الربح والاستغلال والتجهيل والتمييز لإرساء مجتمع جديد يكون فيه التعليم خدمة راقية ومجانيّة ليس هدفها الربح وإنما النهوض بالفرد والمجتمع والوطن. وما من شكّ في أنّ هذا المجتمع والتعليم الجديدين لن ينزلا من السماء بل لا بدّ من النضال اليومي من أجلهما لتقتنع الغالبية من شعبنا بهما وتجعلهما مطلبا من مطالبها تناضل من أجل فرضه.
صوت الشعب صوت الحقيقة
