الرئيسية / صوت الوطن / تونس: ضيعة الرئيس ولعبة “الفريش” الحكومي
تونس: ضيعة الرئيس ولعبة “الفريش” الحكومي

تونس: ضيعة الرئيس ولعبة “الفريش” الحكومي

بقلم عمار عمروسية

مرة أخرى يجد الرأي العام الوطني نفسه تحت قصف وابل موجة عالية من التسريبات والتكهنات المتصلة بتغيير حكومي مرتقب، فالفضاء الإعلامي وخصوصا الشبكات الاجتماعية مؤخرا يقتات من أسماء تطرح للتوزير وأخرى تستبعد. ومن الواضح أن هذا الضّخ الممنهج يدار من مصادر قريبة من دوائر القرار، المعلنة والمخفية على حد السواء، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد من جهة بأن مجمل الصخب الحاصل ليس سوى رجع صدى لإرادة السلطة وأنصارها بما في ذلك شهوات بعض مراكز النفوذ العائلي المسكونة بجشع مباهج السلطة ومنافعها، ومن جهة أخرى بمساعي متجددة للاستفادة من آلية عبثية لتحقيق جملة من الأهداف فيها جسّ نبض الشارع السياسي والشعبي وتهيئة المناخ لوهم قادم يضمن إعادة صياغة الوعي الجمعي بعيدا عن جوهر الأزمة العامة والعميقة التي تعصف بالعباد والبلاد.

ولعلّ المتتبع لإعادة تشغيل هذه الأسطوانة القائمة على قدر كبير من التكهنات وتواتر التسريبات لن يجد صعوبة في الوقوف على جملة العناصر التالية: أولها الدّخول المكشوف والقوي للرئيس “قيس سعيد” إلى حلبة المطالبين بالتغيير الحكومي وهو ما وجد ترجمته الملموسة في تصريحه بمناسبة لقاءه رئيسة الحكومة “سارة زعفراني” يوم 10 فيفري حيث قال “إن الشعب التونسي يحتاج اليوم لا فقط لنصوص جديدة بل إلى قائمين جدد على تنفيذها”. والحقيقة أن ذاك التصريح كان بمثابة الإيعاز الرّسمي لتنشيط حملات مطالب التحوير الحكومي الذي كان مشغلا أساسيا ضمن توسلات الكثير من أنصار المسار الانقلابي. وثانيها الدفع المتواتر ضمن مختلف التسريبات والتكهنات بوزير الصحة الحالي في خطة رئيس للحكومة الجديدة وهو أمر له دلالات كبيرة ليس فقط لصفته العسكرية وإنما للسياق السياسي العام السائد ببلادنا المفتوح على ضرورات التغيير ضمن سيناريوهات مختلفة من بينها ترتيبات جديدة داخلية وخارجية قد تفضي إلى جعل المؤسسة العسكرية لاعبا أساسيا في دفة الحكم. وثالثا إمعان حاكم الأمر الواقع في نحت سردية الخداع والتضليل والترويج لها من خلال تقديم كل تحوير حكومي على أنه لحظة تصحيح وبداية نهوض اقتصادي واجتماعي وهو أمر يناقض كليا مسار التقهقر المتعاظم مع كل تشكيل حكومي جديد وهو أمر منطقي بما أن معضلة البلاد الأساسية في الخيارات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… إلخ.

لقد أدمن “قيس سعيد” كما لم يحدث في تاريخ تونس على لعبة تغيير الحكومات ولم يخف منذ دخوله “قصر قرطاج” ولعه بجعل السلطة التنفيذية تحت قبضته الغليظة، فكلمته كانت حاسمة أثناء تشكيل الحكومات حتى زمن تقاسم السلطة مع “النهضة” وفلول حزب “النداء”، أما بعد استفراده بجميع السلطات فالأمر أصبح شأنا فرديا لا دخل فيه لا لفرد آخر ولا لمؤسسة أو حزب، الأمر الذي جعل من مسألة تبديل الحكومات مشهدا مكررا وحدثا روتينيا يتمّ وفق قواعد لا يعلمها إلا الرئيس وحده فهو من يعفي وهو من يعيّن دون أبسط آليات المراقبة المؤسساتية أو المجتمعية. فالحكومات مع “قيس سعيد” “كالبطاطا” في أزمنة الرخاء، ومدّة صلوحيات الواحدة منها قصيرة ومن الصّعب جدّا أن تتجاوز العام!! تتوالد الحكومات في غفلة من المجتمع المنهك بمصاعب المعيشة في أبسط تفاصيلها وفي غياب الفضاءات العامة للحوارات السياسية حول القضايا الحارقة مثل تزايد معدّلات التضخم وتفاقم المديونية وارتفاع نسب البطالة وتقهقر خدمات المرافق العمومية كالتعليم والصحة والنقل… إلخ.

تعاقبت حكومات الرئيس ولم يقدر جميعها على إيقاف وضع التردّي الخطير، فهي جميعها بمثابة حلقات متواصلة من مراكمة العجز والفشل تترجم انسداد الآفاق أمام مسار الانقلاب الذي لم يبق منه سوى خواء الشعارات وزيف الوعود التي تعرّت تحت سطوة زحف الديكتاتورية في أبشع صورها ووصلت حدّ التنكيل الهمجي بالبعض من أنصارها وخدمها. إن وقائع الفشل الفظيع لتلك الحكومات التي اصطفاها الرئيس من أوساط الشريحة العليا من بيروقراطية الدولة وفق معايير الولاء المطلق لشخصه والقبول الذليل بلعب دور “الكمبارس” الصامت في مشهدية درامية قوامها إنهاك الدولة وترذيل مؤسساتها وأهمّ وظائفها هي الحاضرة دوما ضمن كل التعيينات السابقة، ولا نعتقد أن القادم سيكون مغايرا على الأقل من وجهة نظر حسابات الرئيس الذي اختار آلية التغييرات الحكومية للهروب من مسؤوليته المطلقة في هذه الإخفاقات المتواترة بما أن انتقاء عناصر الحكومة مثلما ورد أعلاه مهمّة حصرية للأخير زيادة على أنه وفق ما ورد بالمادة مائة من دستور الانقلاب “رئيس الجمهورية يضبط السياسة العامة للدّولة ويحدد خياراتها الأساسية ويعلم بها مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم” وبهذا المعنى يغدو الإخفاق بصفة أساسية لصاحب التكليف وواضع المضامين السياسية الذي لا مشروع له سوى الخطابات المتوترة والوعود الزائفة والقرارات العشوائية المقترنة بحركات استعراضية حوّلت الدولة بسرعة عجيبة إلى جهاز ثقيل وظائفه جمع الجباية وتوزيع الفقر وتوسيع التهميش وتعميق الفوارق الطبقية والجهوية، فالمجال الوحيد الذي عرف منجزات هو ميدان القمع والتأطير البوليسي للفضاء العام الذي أعاد البلاد إلى وضع اختناق شديد يفوق في بعض تفاصيله ما كان حاصلا في عهدي “بورقيبة” و”بن علي”، وهو أمر منسجم مع عقيدة ديكتاتور أخذ على عاتقه غلق قوس الثورة وتصفية مكتسباتها والإجهاز المنظم على جميع مقوّمات نهوض بلادنا من خلال الاستمرار العبثي في رسكلة منظومة البؤس التي ثار عليها الشعب.

إلى الأعلى
×