الرئيسية / صوت الوطن / جمعية القضاة تفضح آليات الترهيب والتركيع
جمعية القضاة تفضح آليات الترهيب والتركيع

جمعية القضاة تفضح آليات الترهيب والتركيع

سياسة “تأميم” الفضاء العام بين الفراغ المؤسسي الممنهج وتجريم المعارضة

بقلم سمير جراي

عبّرت لائحة المؤتمر الخامس عشر لجمعية القضاة التونسيين المنعقد تحت شعار “من أجل استقلال القضاء ودولة القانون” عن انشغال كبير بسبب غياب المؤسسات القضائية الضامنة لاستقلال القضاء والقضاة ومنها بالأساس المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية ومن غياب قوانين أساسية للسلطة القضائية متلائمة مع المعايير الدولية، ما يؤثر حتما على دورهم في حماية الحقوق والحريات وفي ضمان المحاكمة العادلة و في تكريس التوازن بين السلط. ونبّهت اللائحة من خطورة تواصل وضعية الفراغ المؤسسي وانفراد السلطة التنفيذية بإدارة الشأن القضائي ما تسبب في تقويض مقومات دولة الحق والقانون.

في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة التي يمرّ بها المرفق القضائي بسبب سياسات قيس سعيد، تبدو مخاوف القضاة واضحة وجليّة، وقد تبيّنت من خلال انشغالهم الكبير جراء غياب ضمانات استقلال القضاء، وتأكيدهم أنه “لا استقلال للقضاء ولا نزاهة للأحكام ولعدالتها في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على المسارات المهنية للقضاة”.

تقويض الهياكل الدستورية والفراغ المؤسسي الممنهج

يعمد قيس سعيد منذ إجراءاته الاستثنائية إلى استهداف استقلالية القضاء عبر تجميد وإلغاء المؤسسات الضامنة له، وعلى رأسها المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية، ولم يكن هذا الفراغ المؤسسي عرضيا، بل مكّن السلطة التنفيذية من الانفراد بإدارة الشأن القضائي بالكامل، تبعه انهيار التوازن بين السلط، وكانت نتيجته أبواب سجون مشرّعة أمام كل من سوّلت له نفسه معارضة “المسار” أو حتى انتقاده.

ومنذ 2021 تحوّل القضاء إلى مرفق تسيّره وزارة العدل عبر “مذكرات العمل” والتدخل المباشر في المسارات المهنية للقضاة العدليين. وأدى هذا النهج إلى هندسة حركة قضائية خارج الضوابط القانونية، حيث يتم نقل القضاة وتوزيعهم بناء على الولاء أو العقاب، مما سلب القاضي الأمان الوظيفي وجعل أحكامه تحت ضغط التهديد بالنقل أو العزل.

واقع مخيف يعيشه القضاة في مناخ من الترهيب غير مسبوق، تمثّل في ملاحقتهم جزائيا وإيقاف بعضهم دون احترام الحصانة القضائية أو الإجراءات القانونية، واقع يؤكد أن الهدف هو تطويع القضاء وتحويله من سلطة مستقلة إلى أداة تنفيذية، حيث يتم استهداف كل من يتمسك باستقلاليته بتهم “كيدية” وتتبعات إدارية وجزائية مشدَّدة، والأمثلة هنا كثيرة، لعلّ أبرزها ما يتعرض له رئيس جمعية القضاة أنس الحمادي من مضايقات، وقد وُجهت ضده تتبعات جزائية وإدارية مباشرة بسبب نشاطه في الدفاع عن استقلال المهنة، وإيقاف القاضي المعزول هشام بن خالد الذي أودع السجن الأسبوع الماضي على خلفية تدوينات فيسبوكية.

ومن الأمثلة أيضا، استخدام ملف القضاة المعفيين كأداة لترهيب البقية، فرغم صدور أحكام قضائية لفائدة الكثير منهم، رفضت السلطة تنفيذها في ضرب صارخ لمبدأ علوية القانون، كما تعمدت إحداث حالة من الشلل في القضاء الإداري والمالي عبر تعطيل التسميات في المناصب العليا (مثل رئيس أول لمحكمة التعقيب ورئيس محكمة المحاسبات). كما تم تجميد الموارد المالية والبشرية للمحكمة الإدارية وتعطيل ترقيات القضاة، ما أدى إلى عرقلة سير العدالة وإضعاف قدرة القضاء على الرقابة على تصرفات الدولة والمال العام.

سياسة “تأميم” الفضاء العام وتجريم المعارضة

لقد مثّلت المحاكمات السياسية تحت غطاء “قضايا التآمر” لضرب خصوم سياسيين ونشطاء وحقوقيين ومحامين وصحافيين، نهجا لم يستهدف الأفراد فحسب، بل سعى إلى خلق مناخ خانق من الخوف والحذر، مما عزل المجتمع المدني عن دوره الطبيعي في نقد السلطة ومقارعتها، وقد راهنت السلطة على حالة التشتت والضعف التي أصابت مكونات المجتمع المدني وغياب خارطة طريق موحدة يلتفّ حولها الجميع. وبدلا من الحوار، عمد نظام سعيّد إلى التغوّل مستغلا غياب التنسيق بين الحركات الاجتماعية، مما سمح له بتشديد القبضة الأمنية والقضائية دون وجود جبهة مدنية متماسكة قادرة على الصدّ وفرض التنازلات.

ولم تسلم المؤسسات الإعلامية من نهج القمع والترهيب والتدجين، وجرى محاصرة الجميع، واستهداف الصحافيات والصحافيين بالتشريعات السالبة للحرية والملاحقات القضائية. وهو نهج لا يهدف لإخراس الأصوات الحرة فحسب بل إلى ضرب الحاضنة الإعلامية التي يتنفس من خلالها المجتمع المدني. وشيئا فشئيا تحولت المنابر الإعلامية من فضاءات لتداول البدائل والأفكار إلى أدوات للتخوين والشيطنة والتفاهة، مما قطع الطريق أمام المجتمع المدني لإيصال صوته للرأي العام أو تقديم حلول لأزمات البلاد والمجتمع.

تهميش الملفات الاجتماعية وتكريس الفشل التنموي

فضلا عن كل ذلك، سعى النظام الشعبوي إلى عزل المطالب الحقوقية عن سياقها الاجتماعي عبر تجاهل الأزمات المعيشية (غلاء الأسعار، فقدان المواد الأساسية)، فبحسب تقرير جديد للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يعاني 33% من التونسيين من الخصاصة، وهي أرقام تعكس فشل السلطة وإضعاف المواطن اقتصاديا لإنهاك الحركات الاجتماعية التي تمثله، وصرف نظرها عن الحقوق السياسية نحو البحث عن لقمة العيش وتوفير سبل الحياة الكريمة. ومن خلال الإهمال المتزايد للخدمات الأساسية (التعليم، الصحة، النقل)، ساهم النظام في زيادة هشاشة الحقوق الاقتصادية وهو تدهور يؤكد عجز كل السلطات الشعبوية بمحلياتها وجهوياتها ومركزها وإضعاف قدرة المجتمع المدني على المطالبة بالإصلاح، حيث يجد نفسه يواجه نظاما مغلقا يرفض الحوار ولا يقر بالأزمة، مما يعمق حالة اليأس ويدفع نحو الانكفاء الفردي بدلا من العمل الجماعي المنظم.

من “دولة المؤسسات” إلى دولة الحكم الفردي المطلق

تمرّ البلاد بعد سنوات من حكم سعيّد بمرحلة الإحكام الشامل، حيث لم يعد الصراع مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى عملية إعادة هندسة كاملة للنظام السياسي والاجتماعي. ولم يعد القضاء سلطة، وأصبح مجرّد “وظيفة” تنفيذية بأدوات تهدف لتحويل المحاكم إلى ساحات لتصفية الخصوم بدلا من أن تكون ملاذا للحقوق.

يدرك قيس سعيد أن المجتمع المدني التونسي كان تاريخيا “الدرع المتين” ضد الاستبداد، لذا يتّبع اليوم استراتيجية الإنهاك المزدوج، إنهاك حقوقي بالملاحقات، وإنهاك اجتماعي بتعجيز المواطن اقتصاديا، لقطع الرابط بين النخب الحقوقية والقواعد الشعبية وليس ما يحدث مع الاتحاد العام التونسي للشغل إلا نتيجة واقعية لهذه الاستراتيجية. إن سياسة “التجاهل” للأزمات المعيشية (غلاء، فقر، شلل خدمات) يعكس مراهنة السلطة على أن الخوف والحاجة سيحدّان من الاحتجاجات، مع استغلال تشتت المعارضة لفرض واقع سياسي أحادي الجانب.

لقد وصلنا فعلا إلى حالة “انسداد تاريخي” ناتجة عن تصفية الأجسام الوسيطة. ففي غياب قضاء مستقل يحمي الحريات، ومجتمع مدني قوي يراقب ويوجه، وإعلام حر يمارس مهنته وفقا لأخلاقياتها دون خوف من مراسيم قمعية، وجدت البلاد نفسها أمام معادلة صفرية، فعلى المستوى السياسي ألغى الانفراد التام بالسلطة أيّ تعددية ممكنة وقضى على مبدأ التداول السلمي، وحقوقيا يسيطر مناخ من الترهيب والوعيد، يهدد بتفكيك ما تبقى من مكتسبات المسار الديمقراطي، أما اجتماعيا فهناك “انفجار صامت” ناتج عن تردي الخدمات الأساسية واتساع رقعة الفقر والتهميش، وهو ما سيؤدي حتما إلى احتجاجات عفوية قد تبقى غير مؤطرة في ظل غياب الوساطة الاجتماعية.

وبالسيطرة على القضاء وتحويله إلى “سوط” في يد السلطة، وبخنق المجتمع المدني ومحاصرة الحركات الاجتماعية، يسعى النظام إلى عزل المواطنين عن كل الطلائع المناضلة من أحزاب ومنظمات ونقابات، لتمرير سياسات التفقير والارتهان للخارج.

إنّ الرهان اليوم يتجاوز حدود البيانات والتنديد وإمضاء العرائض والمساندة الفيسبوكية، فالمواجهة تفرض على القوى المناضلة والتقدمية والحركات الاحتجاجية والشبابية العودة إلى الشارع، والإصداح بصوت واحد، لا استقرار دون حرية وعدالة اجتماعية، ولا عدالة في ظل قضاء مكبّل ومجتمع مدني محاصر ومهدّد.

إلى الأعلى
×