الرئيسية / الافتتاحية / إضراب الثانوي: صيحة فزع في وجه التدمير والتصفية
إضراب الثانوي: صيحة فزع في وجه التدمير والتصفية

إضراب الثانوي: صيحة فزع في وجه التدمير والتصفية

شنّ قطاع التعليم الثانوي أيام 16 و17 و18 فيفري الجاري إضرابا عاما عن العمل تمّ تقسيمه إقليميا، ليشمل اليوم الأول ولايات الشمال ثم الوسط والجنوب. وقد اعتبرت جامعة التعليم الثانوي الإضراب ناجحا من جهة حجم المشاركة التي شملت 75% من المدرسين. ويعود سبب هذا الإضراب إلى تعطل العلاقة بوزارة الإشراف منذ أكثر من عام في إطار تكريس موقف قيس سعيد الرافض للتعامل مع المنظمات النقابيّة وفي مقدّمتها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعمل منذ مدّة على إلغاء دوره كـ”وسيط تفاوضي” بين الحكومة والأعراف من جهة وبين العمال والأجراء من جهة ثانية، كمقدّمة لإلغاء وجوده. وللعلم فقد كانت نقابة الثانوي قرّرت في طور أوّل الإضراب عن إنجاز امتحانات التلاميذ بداية من الثلاثي الثاني لكنّها راجعت هذا القرار بناء على تقييم الوضع النقابي في القطاع وفي البلاد عامّة، واستبدلته بالإضراب عن العمل، وهو ما شهد تعبئة محترمة تعكس حجم الاحتقان والغضب الذي يشقّ هذا الصنف من الأجراء.

لقد سفّه إضراب الثانوي بعض الدعاوي التي تروّج من مدّة ومفادها أنّ “الحركة النقابية” بما في ذلك قطاعاتها الأكثر حيويّة تاريخيّا، أي التربية والتعليم، أصبحت في حالة “عطالة” (inertie) بل في حالة عجز عن القيام بتعبئة هامة ومؤثّرة.كما سفّه أوهام أتباع قيس سعيّد الذين يحلمون بقرب نهاية النقابات في تونس ليحلّ محلّها “القائد الأوحد” في اتخاذ كل القرارات التي تعني العمال والأجراء دون أن يشاركه في ذلك أي إطار يمثّلهم. لقد أكّد إضراب الثانوي أن الحركة النقابيّة قادرة على استعادة أنفاسها وتعبئة قواعدها وإنجاح التحرّكات التي تقرّرها رغم كل العوائق الموضوعية والذاتيّة التي تعترض طريقها، وأنّ حالة الغضب والتذمر هي بصدد التوسع ضمن جمهور الأجراء الذين تشهد أوضاعهم المادية تقهقرا كبيرا يجد تعبيرا صارخا عنه في أوضاع المدرسين التي تتعرّض للتدمير الممنهج والمتصاعد، علما وأنّ بلادنا تحتلّ أدنى المراتب في سلّم التأجير العالمي للمدرسين. كما يؤشر تنامي الغضب صلب المدرسين لرفض واقع المدرسة العمومية الذي يشهدا انحدارا مرعبا يطال اليوم كل جوانب حياتها من البنية الأساسية المهترئة وغير الصالحة، والتي كثيرا ما تشكل أخطارا جدية على مرتادي المؤسّسة التربوية وهو ما أكدته حادثة المزونة في العام الماضي ومدرسة باجة هذا العام. إنّ الدمار يطال القاعات والمخابر ووسائل الإيضاح البيداغوجي، والجدران والساحات وملاعب التربية البدنية. كما يطال الخراب حتّى قاعات الأساتذة ومكاتب المدير والموظّفين. ويستفحل الخلل حين يتعلق الأمر بالموارد البشرية لكل أسلاك التربية، ففي منتصف العام الدراسي لازالت أعداد كبرى من تلاميذ تونس دون أساتذة في عديد المواد، وتقدّر نقابة الثانوي أنّ النقص يصل إلى ألف موقع عمل شاغر في مختلف المواد. أمّا النقص الذي يطال القيّمين والإداريين وأعوان التأطير فهو فاقع وظاهر للعموم حتى أن معاهد كبرى يتجاوز عدد تلاميذها الألف تلميذ ليس لها أكثر من قيّمين أو ثلاثة في أفضل الحالات، علما وأنّ هؤلاء يتكفلون بنصيب وافر من الأعمال الإدارية. أمّا عن العملة فالأمر أكثر فظاعة، فعديد المؤسسات ليس لها أكثر من حارس يكلف غالبا بأعمال التنظيف وحتى الصيانة. وقد شهد العام الجاري عزوفا كبيرا عن الاضطلاع بمهمة مدير بحكم التعطل الحاصل مع الطرف النقابي والنفور الكبير من تحمل مسؤولية الإدارة في مؤسسات تفتقد أبسط الشروط، ممّا حدا بالمندوبين إلى اعتماد طريقة التعيين وما تختزنه من ضغط وتخويف، وهو ما أفضى إلى غياب مديرين أو نظار في عديد المؤسسات وهو ما تعالجه المندوبيات بآلية التكليف بالنيابة وهو حال عشرات المعاهد والإعداديات. ويطال النقص الفادح للإطارات أسلاك مستشاري الإعلام والتوجيه والأخصائيين النفسيين، وهي أسلاك تتعالى الأصوات للتنويه بأهمية وجودها ومحورية دورها في التعاطي مع ما يخترق المؤسسة التربوية من تصاعد ظواهر العنف والمخدرات والانتحار والتنمر والنزاع… لكن واقع الحال مخالف لما يقتضيه الوضع السليم فعدد هؤلاء المختصين والخبراء التربويين لا يتجاوز بضع عشرات في كامل البلاد.

إنّ جوهر المسألة هو الخيارات المتبعة من قبل منظومة الحكم، هذه المنظومة التي لا ترى في القطاع التربوي إلا قطاعا ثانويا، غير منتج، لذلك لا يتجاوز نصيب التربية من ميزانية الدولة 14%، وهي نسبة حافظت عليها كل منظومة ما بعد 14 جانفي بما يعكس تناسقها وانسجامها في خياراتها الجوهرية. والنصيب الأوفر من ميزانية التربية يوجه إلى الأجور (حوالي 92%)، وبالتالي فإن ما آلت إليه المؤسسة التربوية من دمار أمر منطقيّ جدّا طالما أنّ الشرط الأساسي لإقامة قطاع تربوي غير متوفر. وحال التربية ليس أفضل من حال الصحة والنقل العموميين في إطار سياسية ليبرالية متوحشة تضرب في العمق القطاع العمومي وتخلق كل المسوغات لتطور القطاع الخاص الذي أصبحت له الكلمة الفصل في مجالي التعليم والصحة: التعليم الجيد والصحة الراقية لمن له المال، أمّا باقي الشعب فليس أمامه غير المتاعب والأوجاع. مقابل تدمير القطاعات الاجتماعية، تتزايد ميزانيات الأجهزة العسكرية والأمنية إضافة إلى مؤسّسة الرئاسة، وهي طبعا القطاعات الأهمّ في نظر حكم الاستبداد، الفاشستي، بما أنّها الضامنة لبقائه. وبالإضافة إلى ذلك كلّه فإن شلل القطاع التربوي لا يشمل الجوانب المتعلقة بالبنية التحيّة وبالموارد البشريّة فحسب، بل يطال أيضا مضامين التعليم والبرامج والمناهج والطرائق والوسائل والأهداف والغايات التي لا تتناسب مع الواقع ولا تستجيب لحاجيات الشعب، يضاف إلى ذلك الاختلال العميق بين درجات التعليم (الأساسي والإعدادي والثانوي والعالي) التي يصحّ وصفها بأنها جزر متباعدة بل متنافرة. ويعرف الوضع التعليمي بشكل عام جمودا لا بسبب استبعاد أصحاب الشأن من نقابات ومنظمات فحسب، بل أيضا للأوهام التي بثها سعيد بإعلان بعث “المجلس الأعلى للتربية” والتنصيص عليه في دستوره، وهو مجلس لا يعرف أحد سواه مهامه وصلاحياته وحدودها مع مهمات وزارات الشأن التربوي رغم إصدار الأمر المنظم له من قبله (أي سعيد) مثل كل النصوص. ورغم ذلك فإن المجلس لم يرَ النور مثله مثل عديد الوعود التي أطلقها ولا يزال. وفي المحصلة فإن الشأن التربوي في بلادنا تنخره أزمة عميقة وشاملة. تتحمّل ومسؤوليتها بكل تأكيد الأزمة سلطة الانقلاب التي حافظت على نفس الخيارات السابقة التي عملت على تدمير المدرسة وتهميشها وإفقادها دورها الأساسي في تكوين أجيال جديدة متعلّمة ومتشبعة بالمعارف والقدرات التقنية والعملية التي تؤهّلها للنهوض بالمجتمع والبلاد وحصر ذلك الدور في توفير الحدّ الأدنى الضروري من العملة والتقنيين الذين تحتاجهم القطاعات الاقتصادية والمالية لحفنة الكبرادور المحليين والشركات الأجنبية. وعلى العموم فإنّ أوضاع المدرسين والمربين المتدهورة هي نتاج من نتاجات من هذه الخيارات التي تريد تبخيس دور المربي ومهمته وضرب مكانته الاعتبارية من خلال تدمير قدراته المادية والضغط عليه كي يتخلى عن صفة المربي لصالح التاجر والمُرابي والغشاش والمتحيل، وهو أخطر ما تتعرض له المدرسة العمومية والمربين اليوم. إنّ النضال دفاعا عن المدرسة العمومية والتعليم الديمقراطي والمجاني والعقلاني، فضلا عن الحقوق المادية للمربين وعلى رأسهم المدرسين، هي مهمات عاجلة لا تنتظر التأجيل، وهي مهمة الشعب بأسره وليس المدرسون وحدهم، فكلفة التجهيل المقنّع وتدمير التربية والمربين باهظة جدا، وها هي ثمارها تملأ الفضاء العام من عنف وإجرام وانخرام قيمي وثقافي وتفاقم نسب الأمية. إنّ الدولة والطبقات الرجعية التي تمثلها هي فقط صاحبة المصلحة فيما آل إليه وضع التربية والتعليم اليوم، فما على قوى التقدم ومنها نقابات التربية والتعليم بكافة أسلاكها ودرجاتها إلا توحيد جهودها دفاعا عن تربية حقيقية، تربية تضطلع بدورها في تطور بلادنا وما على القوى الحيّة في شعبنا إلّا إسناد المربّين والمدرسين في نضالهم فهم لا يناضلون من أجل مصالحهم الخاصة بل أيضا من أجل مصالح شعينا بأسره.

إلى الأعلى
×