الرئيسية / صوت الوطن / كيف ستواجه الأسرة التونسية شهر رمضان؟
كيف ستواجه الأسرة التونسية شهر رمضان؟

كيف ستواجه الأسرة التونسية شهر رمضان؟

بقلم علي البعزاوي

حل شهر رمضان ثقيلا هذه السنة، أكثر من أيّ وقت مضى، أولا بسبب الأزمة العامة التي تعيشها بلادنا وحالة التعطل التي يمرّ بها الاقتصاد المحلي نتيجة تراجع الاستثمار الخاص والعام والارتفاع الجنوني للأسعار وضعف الدينار المحلي بالقياس مع العملات الأجنبية، إضافة إلى الثقافة الاستهلاكية التي تفرض نفسها على الأسر التونسية في مثل هذا الشهر.

شهر الاستهلاك بدل العبادات

شهر رمضان لم يعد شهر العبادات والتقوى مثلما كان في أزمنة سابقة، بل بات رويدا رويدا شهر الاستهلاك بامتياز، فالأسر التونسية تدّخر الأموال والسلع والمواد الغذائية المختلفة وتقدم على الاقتراض والتداين لتوفير الحد الأدنى من الوجبات الدسمة التي تتضمن البريك والشربة والحلويات إلى جانب اللحم والحوت والغلال.

التونسي خلال الشهر لا يأكل كثيرا لكنه يكثف المشتريات وكأنه “يأكل بعينه” مثلما يقول المثل الشعبي. هذا الإنفاق غير العادي والمكلف جدا في نفس الوقت – مع التفاوت طبعا بين أسرة وأخرى – يرهق الأسرة ماليا أولا ويضرّ أيضا بالاقتصاد المحلي الذي يعتبر اقتصادا غير منتج أصلا (حابسة وتمركي).

تدهور غير مسبوق للقدرة الشرائية

يؤكد أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي أن الأجير الذي كان يتقاضى 500 دينار شهريا في جانفي 2015 كان يفترض أن يصل أجره إلى نحو 966 دينار في 2026 للحفاظ على نفس القدرة الشرائية المهترئة وذلك وفق الأرقام الرسمية، ويعود هذا التدهور الخطير للقدرة الشرائية إلى ارتفاع الأسعار ولو بوتيرة بطيئة في الفترة الأخيرة. مقابل توقف الزيادات في الأجور وتجميد الحوار الاجتماعي بطريقة أحادية واعية من طرف الحكومة التي يبدو أنها غير قادرة على تحمل نفقات إضافية بسبب شح الموارد المالية وعدم القدرة على تعبئة الضروري منها لتغطية العجز رغم ارتفاع نسب التداين الداخلي والخارجي الذي وصل معدلات خيالية غير مسبوقة باتت تنذر بالخطر.

الحكومة لم تكتف بهذا الإجراء – أي وقف الحوار الاجتماعي – بل مرّت إلى تجميد تنفيذ الاتفاقيات الممضاة مع الطرف النقابي وعديد القطاعات الأمر الذي اضطر بعضها إلى خوض نضالات إقليمية قد تتطور إلى إضراب عام قطاعي، وقد تنجرّ قطاعات أخرى للتصعيد رغم الأزمة الداخلية التي يمرّ بها الاتحاد العام التونسي للشغل.

وما يجعل هذا التدهور للقدرة الشرائية أكثر خطورة هو عملية التراكم المستمرة لهذا التدهور وهشاشة الاقتصاد المحلي وهي هشاشة هيكلية تتعلق بالخيارات العامة للدولة والتي تجعل من معالجتها معالجة جذرية أمرا مستحيلا إذا لم تقع مراجعتها وإذا لم تعد الحكومة إلى سياسة الحوار الاجتماعي مع الطرف النقابي بدل الضغط عليه ومحاصرته في أفق اجتثاثه.

مزيد من التداين من شأنه تعميق الأزمة

سلاسل التداين لا تتوقف وتمتد لتصل من الحكومة إلى الأسر. حكومات ماضية في الاقتراض والتداين من البنوك المحلية بنسب فائدة عالية ومرهقة للمالية العمومية ومن البنوك والمؤسسات والدول الأجنبية بنسب أعلى من النسب المعتادة لصندوق النقد الدولي عندما كانت تربطه بالحكومات التونسية المتعاقبة علاقات “تعاون”.

إلى جانب الحكومة، المؤسسات الاقتصادية على اختلاف أحجامها منخرطة بدورها في عملية الاقتراض وغير قادرة على الحياة دون تمويل. تليها الأسر التونسية التي تقترض سواء من البنوك أو من الأشخاص. ما يشكل حلقة تداين دائرية ستؤدي بالضرورة إذا تواصلت إلى حالة إفلاس عام: دولة غير قادرة على تعبئة الموارد وخلاص الأجور وتنشيط المؤسسات الاقتصادية بالاستجابة لطلباتها، ومؤسسات اقتصادية عاجزة عن تلبية مستلزمات النشاط وأسر مفلسة وعاجزة عن توفير الأدنى الضروري لعيشها.

رمضان هذه السنة جاء مرآة تعكس حدود نموذج اقتصادي بلغ مداه. والسؤال لم يعد كيف ستتدبر الأسرة أمرها هذا الشهر، بل كيف سنبني أفقا جديدا يضمن لها الكرامة في كل الأشهر. الخلاص ممكن، لكن فقط حين نجرؤ على تجاوز منظومة أثبتت عجزها، وبناء أخرى ديمقراطية شعبية على أنقاضها.

إلى الأعلى
×