لا للتّرهيب، نعم للكرامة والأجرة العادلة والسّلامة المهنية
بقلم حمادي المثلوثي
تتواصل أزمة معمل “ناني” المتخصّص في صناعة لعب الأطفال في منطقة سيدي التومي من معتمدية بني خلاد بولاية نابل، حيث يخوض حوالي 3500 عامل وعاملة صراعا مفتوحا دفاعا عن حقّهم في الشغل الكريم والأجر العادل، في مواجهة إرادة أجنبية اختارت الطرد التعسّفي والتنكيل وفرض شروط الاستغلال عبر الترهيب والتهديد.
وقد عمدت الإدارة صباح يوم الجمعة 13 فيفري تسليم قرارات الطرد التعسّفي لـ 60 عاملة بعد منعهنّ من الدّخول إلى مواقع العمل بالقوة العامة، وهي قرارات أحادية تدل على تنكّر العرف الأجنبي للعاملات اللّواتي قضّين سنوات طويلة في المعمل، لحرمانهن من أبسط الحقوق المادية والاجتماعية بما في ذلك ما يضمنه لهن القانون ومبدأ الحقوق المكتسبة.
وأفادت شهادات موثّقة بأنّ أجر السّاعة داخل المصنع لم يتجاوز 3.2 دينار منذ أكثر من خمس سنوات، فيما يقدّر الأجر الشهري عادة في حدود 500 دينار، ويصل في أقصى الحلات إلى 680 دينار فقط، رغم المطالب المتكرّرة بالزّيادة وبتحسين ظروف العمل. وقد خاض العمال والعاملات سلسلة تحركات احتجاجية انتهت بعقد اجتماع بمركز الولاية بحضور ممثلين عن الإدارة والنّقابة والسلطة الجهوية، أسفر عن وعود بتحفيزات مالية مؤقّتة خلال شهر رمضان والعيد وتأجيل التفاوض حول الزّيادة الشهرية، قبل عودتهم إلى العمل.
الاعتداء على الحقوق والسّيادة الوطنية
إنّ ما يحدث في معمل “ناني” لا يمسّ فقط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال والعاملات، بل يمس السّيادة الوطنيّة، حيث اعتمد صاحب المؤسّسة الأجنبي المرور بالقوّة وتطبيق الطرد التعسّفي بالاستعانة بالقوّة العامّة للدولة التونسيّة وبالاعتماد على مجلّة الشغل في تأويل منحرف للنّصوص القانونية لتبرير قرارات تعسّفيّة تمسّ جوهر الحق في العمل والاستقرار المهني.
كما أنّ هذه القرارات تعكس توجّها يرمي إلى كسر إرادة العاملات وإخضاعهنّ بالترهيب وتعميق منطق الاستغلال في سبيل تحقيق الرّبح الأقصى، دون أيّ اعتبار لكرامتهنّ وحقوقهنّ المشروعة.
وقد حاولت إدارة المعمل، بدعم وترويج من سلطة الإشراف وبعض وسائل الإعلام وصفحات مأجورة على شبكات التواصل الاجتماعي، التذرّع بـ”حكاية الغلق” لتبرير هذا التصعيد، وهي مجرّد مناورة للتغطية على قرار جاهز سلفا يتمثل في ضرب الحقوق وتجريم النضال العمّالي وفرض الأمر الواقع بالقوّة.
صراع الطبقة العاملة مع رأس المال
ما يحدث في “ناني” ليس مجرّد خلاف إداري، بل تجسيد واضح لعلاقة الصراع بين رأس المال والطبقة العاملة، فاللجوء إلى الطرد والتهديد والعنف داخل موقع الإنتاج، وقطع سبل التضامن، يؤكد سعي رأس المال الدائم لفرض شروط استغلال قاسية على العمّال بدل احترام القانون والحوار. ولا يقتصر هذا الوضع على مصنع “ناني” فقط، بل تشير المعطيات إلى أنّ العديد من المصانع ذات الرأسمال الأجنبي في ولاية نابل، في مختلف القطاعات الصناعية مثل النّسيج والمعادن والبلاستيك وغيرها، تعيش على وقع نفس الصراع، حيث تمارس أساليب الترهيب والتحكّم في العمّال لمنع مطالبهم العادلة (الأجر العادل والسلامة المهنية والنقل الآمن والحق النقابي…)، وتستغل اليد العاملة لتحقيق أقصى هامش ربح ممكن على حساب الكرامة والأمان المهني.
وأمام خطورة هذا التصعيد وما يحمله من تداعيات اجتماعية وقانونية، برزت ردود فعل نقابية وسياسية عبّرت عن رفضها القاطع لما يحدث ودعت إلى حماية حقوق العمّال والعاملات والدفاع عن كرامتهم/هن.
حيث عبّر الاتحاد الجهوي للشغل بنابل عن موقفه عبر بيان صادر بتاريخ 15 فيفري 2026، مؤكّدا على حماية حقوق العمال والعاملات ومناهضة الطرد التعسّفي والممارسات المسيئة محمّلا إدارة مصنع “ناني” المسؤولية كاملة عن قرارات الطرد التعسّفي وما ينجرّ عنها من توتّر واحتقان، كما عبّر عن رفضه لأي ممارسات تمس من الحق النقابي وكرامة العمّال محمّلا المسؤولية كاملة للإدارة والمستثمر وطالب بإرجاع المطرودات وتعويضهنّ عن الأضرار المادية والمعنوية وفتح تحقيق شفاف وجدّي.
كما عبّر حزب العمال عبر لجنته الجهوية عن موقفه من الأزمة عبر بيانين متتاليين، الأوّل صدر يوم 7 فيفري والثاني يوم 13 فيفري، أكّد فيهما تضامنه الكامل مع العاملات المطرودات واعتبر ما حصل اعتداء صارخا على الحقّ في الشغل والكرامة والحق النقابي. وقد أدان الحزب تعمّد العرف هرسلة العاملات واللجوء إلى القوة العامة بدل احترام الحقوق، كما حمّل سلط الإشراف مسؤوليتها في الانحياز للعرف بدل القيام بدورها في فرض احترام حقوق العمّال. وطالب الحزب بالتراجع الفوري وغير المشروط عن قرارات الطرد وإرجاع جميع العاملات إلى مواقع عملهنّ مع حفظ كامل حقوقهنّ المادية والمعنوية، مجدّدا تأكيده على أنّ المعركة الدائرة لا تخصّ معملا واحدا فحس، بل تعبّر عن صراع أوسع ضد منطق الاستغلال الفاحش والربح الأقصى والسّياسات التي تغذّيه. كما دعا العمّال والعاملات إلى مزيد الوحدة والتنظيم ومواصلة النّضال دفاعا عن الحقوق وصونا لكرامتهم/ن وكرامة الوطن.
وبين التصعيد الإداري والمواقف النقابيّة والسياسيّة المساندة، تتضح طبيعة المعركة الجارية داخل هذا المعمل باعتبارها معركة تتجاوز حدود مطلب ظرفي لتلامس جوهر الحق في الشغل والحق النقابي والكرامة الإنسانية. فهي في جوهرها معركة كرامة وحقوق تخوضها العاملات والعمّال دفاعا عن شروط عمل عادلة تحفظ إنسانيتهم قبل أي اعتبار آخر.
وتدور هذه المعركة اليوم حول جملة من المطالب الأساسية: الأجر العادل والتّصنيف المهني المنصف والسّلامة المهنيّة والحق النقابي والكف عن الهرسلة والعنف داخل المؤسّسة واحترام الكرامة الإنسانية في موقع العمل.
إن 3500 عامل وعاملة لا يدافعون فقط عن مورد رزقهم، بل عن حقّهم في بيئة مهنية تصون كرامتهم في مواجهة منطق الربح والربح الأقصى والترهيب والطرد.
المجد للطبقة العاملة
وحدة وحدة يا عمال… ضد سلطة رأس المال…
صوت الشعب صوت الحقيقة
