الرئيسية / صوت المرأة / حقّ المرأة في الشغل: حين تتحوّل المرأة إلى قوّة تغيير فعليّة
حقّ المرأة في الشغل:  حين تتحوّل المرأة إلى قوّة تغيير فعليّة

حقّ المرأة في الشغل: حين تتحوّل المرأة إلى قوّة تغيير فعليّة

بقلم كوثر الباجي

ليس الحديث عن حقّ المرأة في الشغل مجرّد دفاع عن مبدأ قانوني أو مطلب مساواتي معزول، بل هو مدخل لفهم طبيعة النظام الاجتماعي القائم. فموقع النساء في سوق العمل يكشف بوضوح تداخل البعد الجندري بالبعد الطبقي، ويُظهر كيف تُعاد صياغة علاقات الهيمنة داخل فضاء الإنتاج كما داخل الأسرة. إن إقصاء النساء أو إدماجهنّ بشروط هشّة ليس عرضًا جانبيًا، بل جزءًا من منطق اقتصادي استغلاليّ يقوم على استثمار الفوارق وتعميق التراتبيّة.

من هنا، فإنّ معركة المرأة من أجل العمل اللائق ليست صراعًا فئويًا محدودًا، بل لحظة من لحظات الصراع الطبقي الأشمل، حيث يتحدد معنى العمل: أهو أداة لتحرير الإنسان أم وسيلة لإعادة إنتاج التبعية؟ وفي هذا الأفق، يصبح الدفاع عن حقّ النساء في الشغل دفاعًا عن كرامتهنّ الإنسانيّة، وعن ضرورة إعادة بناء العلاقات الاجتماعيّة على أسس تُنهي الاستغلال بكافّة أشكاله.

العمل شرط للتحرّر والاستقلاليّة

ليس الشغل مجرّد نشاط اقتصادي يُقايَض بالأجر، بل هو موقع أساسي داخل علاقات الإنتاج، تتحدد فيه مكانة الإنسان في البنية الطبقية. لذلك، فإن حقّ المرأة في العمل ليس مطلبًا جزئيًا أو امتيازًا يُمنح من أعلى، بل هو شرط لتحرّرها من التبعية داخل منظومة الاستغلال. فالاستقلال المادي هو الأساس الذي تُبنى عليه حرية القرار، والقدرة على مقاومة العنف، والمشاركة في الصراع الاجتماعي من موقع الفاعل لا التابع. امرأة بلا دخل مستقلّ تظلّ رهينة الإعالة، وأحيانًا رهينة الخضوع خوفًا من السقوط في هاوية الفقر إن هي تمرّدت على واقع جائر تصنعه علاقات الهيمنة.

في مجتمعات بورجوازيّة عدّة، حين توسّعت مشاركة النساء في سوق العمل وتمكّنّ من فرض مكتسبات ، تغيّر ميزان القوى داخل الأسرة بوصفها وحدة لإعادة إنتاج قوة العمل. لم يعد الطلاق يعني الانحدار إلى البؤس، ولم يعد العنف يُواجَه بالصمت القسري. إن تمكين النساء اقتصاديًا أضعف إحدى أدوات السيطرة التقليدية القائمة على الاحتكار الذكوري للموارد. الدرس واضح: لا كرامة بلا استقلال اقتصادي، ولا استقلال اقتصادي خارج تفكيك علاقات الاستغلال.

لكن الاستقلال لا يعني مجرّد الولوج الشكلي إلى سوق العمل، بل الولوج إليه بشروط عادلة داخل صراع مفتوح مع منطق الربح الأقصى. فالمرأة التي تعمل بأجر زهيد، ودون ضمان اجتماعي، إنما تُدمَج في منظومة الاستغلال الرأسمالي من موقع هشّ. لذلك يصبح النضال من أجل الشغل اللائق جزءًا من معركة أوسع ضد هيمنة رأس المال. العمل الذي يعمّق التبعية لا يحرّر حتّى وإن كان يخلق للمرأة أرضيّة أنسب للنضال من أجل حقوقها، فهو خطوة في اتجاه الوعي بالموقع الطبقي وبناء التضامن الكفاحي بينها وبين بقية العاملات وبين العاملات والعمّال بشكل عام.

البنية الاجتماعية والاقتصادية وإعادة إنتاج التمييز الطبقي

رغم ما في الخطاب البورجوازي من كلام عن ”المساواة في الفرص“، ما تزال البنية الاقتصادية الرأسماليّة تعيد إنتاج التمييز بوصفه ضرورة وظيفية لاستمرار تراكم رأس المال. فالتقسيم التاريخي للعمل بين إنتاج مدفوع يُقاس بالربح ورعاية منزلية غير مدفوعة يُلقى عبؤها على النساء، ليس مسألة ثقافية فحسب، بل آلية لتخفيض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. ملايين الساعات التي تقضيها النساء في الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنّين تمثّل عملاً غير مدفوع يرفد الاقتصاد الرأسمالي دون أن يُحتسب في الحسابات الرسميّة.

هذا التقسيم يخلق حلقة مفرغة: تتحمّل المرأة عبء الرعاية، فيقلّ وقتها المتاح للعمل المأجور، فتُدفَع إلى وظائف جزئية أو منخفضة الأجر، ثم يُقال إن إنتاجيتها أقلّ. هكذا يُعاد إنتاج الفجوة في الأجور بوصفها نتيجة ”طبيعية“، بينما هي نتاج لبنية تستفيد من هشاشتها. في البلدان الرأسماليّة، ما تزال النساء يتقاضين أجورًا أقلّ من الرجال عن العمل نفسه، ويُحصرن في قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة، لأن هذه القطاعات تقوم أساسًا على استغلال العمل الكثيف منخفض الكلفة.

كما تُستعمل النساء كـ”جيش احتياطي“ للعمل داخل الدورة الاقتصادية: يُستدعين في فترات التوسّع لخفض كلفة الإنتاج، ثم يُقصين في الأزمات بحجّة حماية ”المعيل الرئيسي“. خلال الأزمات، النساء هُنّ مثلا أوّل من يخسر وظيفته في قطاعات مثل السياحة والنسيج والخدمات. هذا ليس انحرافًا عرضيًا، بل منطقا بنيويّا يرى في عمل المرأة عنصرًا مرنًا يمكن التضحية به لحماية أرباح الأقلية التي تملك وسائل الإنتاج.

ويتجلّى هذا المنطق أيضًا في التحرش والتمييز داخل أماكن العمل. فكم من امرأة تُحرم من الترقية لأنها ”قد تحمل قريبًا“، أو تُجبر على تحمّل سلوك مهين خوفًا من فقدان مورد رزقها. إن التحرّش ليس سلوكًا فرديًا معزولًا، بل انعكاسا لعلاقة قوة غير متكافئة داخل فضاء تتحكّم فيه الإدارة ورأس المال، حيث تُستعمل الحاجة الاقتصادية أداة للضغط والإخضاع.

الواقع الملموس: بطالة النساء وهشاشة العمل في السياق التونسي

في السياق التونسي، تتخذ هذه التناقضات طابعًا أكثر حدّة. فبطالة النساء، خاصة خريجات الجامعات، تكشف حدود نمط إنتاج تابع، نيوكولونيالي، مفكّك وعاجز عن استيعاب الكفاءات إلا بقدر ما تخدم منطق السوق. آلاف الشابات اللواتي استثمرن سنوات في التعليم يجدن أنفسهن خارج دورة الإنتاج. شهادات عليا معلّقة، وطموحات مؤجّلة. إن هذا الإهدار ليس خللاً تقنيًا، بل نتيجة خيارات اقتصادية كرّست اقتصادًا هشًّا، تابعًا، لا يخلق قيمة مضافة عالية ولا يوفّر شغلًا مستقرًا ذلك أنّ عمليّة التراكم تتمّ أساسا في المتروبولات الرأسماليّة وليس في الداخل.

في المناطق الريفية، تعمل نساء في القطاع الفلاحي في ظروف قاسية وغير آمنة، بأجور زهيدة، دون حماية اجتماعية . يستيقظن قبل الفجر، يركبن وسائل نقل غير آمنة، ويبعن قوة عملهن بأبخس الأثمان. حوادث النقل التي أودت بحياة عاملات فلاحيات في السنوات الأخيرة عرّت حجم التهميش الطبقي الذي تعيشه هذه الفئة. ومع ذلك، يظلّ عملهنّ غير مرئي، كأنّهنّ خارج دائرة الاعتراف الرسمي.

في المصانع، خاصة في قطاع النسيج، تعمل آلاف النساء بعقود هشّة، تحت ضغط الإنتاجية العالية، في إطار سلاسل توريد عالمية تبحث عن اليد العاملة الأرخص. وفي العمل المنزلي، تعاني غالبيّة المعينات من غياب العقود والحماية، ما يجعلهن في موقع ضعيف أمام المشغّل. هذه الوقائع ليست استثناءً، بل جزء من بنية سوق عمل تقوم على تفتيت الطبقة العاملة وإضعاف قدرتها التفاوضية.

حتى في الوظيفة العمومية، ورغم الحضور العددي للنساء في التعليم والصحة، فإنّ مواقع القرار تبقى محدودة. ”السقف الزجاجي“ ليس مجرد صورة بل تعبيرا عن احتكار المواقع العليا من قبل شبكات نفوذ تقليدية، غالبًا ما تتقاطع فيها الامتيازات الطبقية والجندرية. هكذا يتجلى التمييز في منع الصعود الاجتماعي، لا عبر الإقصاء الصريح فقط، بل عبر إغلاق مسارات الترقّي أمام من لا ينتمين إلى دوائر القوة.

أفق النضال: من المساواة الشكلية إلى تغيير علاقات الإنتاج

إنّ مواجهة هذه الاختلالات لا تتحقّق بالاكتفاء بالمساواة القانونية، بل بطرح سؤال جوهري حول طبيعة نمط الإنتاج الاقتصادي نفسه. المطلوب ليس فقط إدماج النساء في سوق عمل قائم على الاستغلال، بل تغيير شروط هذا السوق. شغل لائق بأجر عادل، حماية اجتماعية شاملة، وحق فعلي في التنظيم النقابي، هي مطالب تتجاوز البعد الجندري لتلامس جوهر الصراع الطبقي.

كما أن تخفيف عبء الرعاية عن النساء عبر سياسات عمومية – حضانات، نقل آمن، إجازات أمومة وأبوة عادلة – لا ينبغي أن يُنظر إليه كامتياز، بل كاستثمار اجتماعي يعيد توزيع كلفة إعادة إنتاج قوة العمل من الأسرة إلى المجتمع ككل. تقاسم الأدوار داخل الأسرة ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل خطوة في اتجاه تفكيك تقسيم العمل التقليدي الذي يخدم منطق الهيمنة.

غير أن الإصلاحات الجزئية تبقى محدودة ما لم تُسند بوعي طبقي جماعي. تفكيك الخطاب الذي يصوّر عمل المرأة كتهديد ”للاستقرار“ يتطلّب كشف المصالح التي تستفيد من بقائها في موقع التبعية. الأسرة القائمة على الاحتكار الاقتصادي ليست فضاءً محايدًا، بل بنية تتقاطع فيها السلطة الأبوية مع علاقات الملكية. أما الشراكة المتكافئة، فهي ثمرة توازن قوى جديد تفرضه النساء والرجال معًا في سياق نضال اجتماعي أوسع.

إن حقّ المرأة في الشغل يتقاطع مع معركة أعمّ ضد البطالة والتهميش. لا يمكن عزله عن الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة بأسرها. فالقضية ليست فقط تمكين النساء من العمل، بل تحرير العمل ذاته من منطق الاستغلال. حين يُوضع الربح فوق الإنسان، تُستغل النساء والرجال معًا، وإن اختلفت أشكال الاستغلال.

لقد أثبتت النساء عبر التاريخ أنهنّ فاعلات في قلب الصراع الاجتماعي: في المصانع، في الحقول، في الإضرابات والاحتجاجات. كل مكسب تحقّق كان نتيجة تنظيم وكفاح جماعي، لا هبة من سلطة. واليوم، في ظل أزمات متكررة، يُطرح السؤال بوضوح: هل يُعاد إنتاج تهميش النساء كلما اشتدّت الأزمة، أم تتحول الأزمة إلى لحظة وعي تُعمّق التضامن الطبقي؟

إن حقّ المرأة في الشغل ليس قضية فئوية معزولة، بل معيار لمدى عدالة النظام الاجتماعي. مجتمع يستند إلى استغلال نصفه لا يمكن أن يكون حرًا. ومن هنا، يصبح الدفاع عن هذا الحق جزءًا من مشروع تحرري أوسع، هدفه تغيير علاقات الإنتاج ذاتها، حتى يصبح الشغل فعلًا للتحرر الجماعي، لا أداة لإعادة إنتاج الهيمنة.

إن العاملات التونسيّات وإن كان من مصلحتهنّ الدفاع بشراسة عن حقوقهنّ وافتكاك ما يمكن افتكاكه منها في ظلّ النظام الاجتماعي الحالي، الرأسمالي التابع، فإنّهن لن يظفرن بتلك الحقوق كاملة وبصورة فعليّة إلّا بالإطاحة بهذا النظام وبدولته الدكتاتورية والفاشية وبناء نظام اجتماعي جديد، شعبي، يفتح الباب على الانتقال إلى الاشتراكيّة، تكون فيه السيادة على الثروة والدولة للعمال والكادحين. فهذا الإطار وحده هو الكفيل بخلق الأرضيّة المناسبة لتحرّر النساء التونسيات وتحقيق المساواة التامّة والفعليّة وقبر مجتمع القهر والتمييز على أساس الجنس نهائيّا.

إلى الأعلى
×