الرئيسية / صوت الوطن / لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة
لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة

لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة

بقلم علي البعزاوي

كل القطاعات وعموم الفئات الشعبية والوسطى تشكو من تدهور القدرة الشرائية وهي تعيش ضغطا شديدا ما انفك يتعاظم نتيجة غلاء الأسعار التي تجاوزت نسب ارتفاعها (أكثر من 8%) نسب الزيادات الشحيحة في الأجور التي تمت في وقت سابق (5%)، وتتعطل المفاوضات بشأنها حاليا.

هذا بالإضافة إلى تفشي البطالة مما يجعل الشباب عبئا على الأسر التي تضاعفت نفقاتها وتضطر إلى الاقتراض والتداين بطرق مختلفة.

أسباب الظاهرة

هذه الحالة المزرية تعود بالأساس إلى طبيعة الخيارات العامة للدولة وهي خيارات لاشعبية ولاوطنية، وإلى سياسات التقشف التي تتمخض عنها، إضافة إلى التضخم المستورد الناتج عن تراجع قيمة الدينار المحلي بالقياس مع العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار على مستوى العالم، والتي تساهم جميعها في ارتفاع الأسعار في السوق المحلية.

إن اقتصادا ريعيا، هشا، ومرتبطا عضويا بالاقتصاد الرأسمالي العالمي لا يمكن أن يعطي إلا مثل هذه النتائج الكارثية لأن الأزمات الدورية للاقتصاد الرأسمالي لها تداعيات عميقة على الاقتصاد التونسي التابع. والأزمة تصبح مضاعفة وانعكاساتها على الشغيلة وعموم الشعب مدمرة.

ردود الفعل: مواطنو صفاقس مثالا

هذه الأزمة المتفشية لم تمرّ دون ردود فعل. فبالإضافة إلى التذمر والتلويح بالاحتجاج والمطالبة بإيجاد الحلول دخلت بعض القطاعات المهيكلة في سلسلة من التحركات التي من المنتظر أن تتواصل وتتوسع. لكن الفئات غير المهيكلة لجات إلى حلول أخرى تتمثل في مقاطعة السلع كرد فعل على ارتفاع أسعارها ومن أشكال المقاطعة التي لفتت الانتباه في الفترة الأخيرة خلال شهر رمضان هي مقاطعة جزء هام من المتسوقين بمدينة صفاقس لسوق السمك واللجوء في المقابل إلى الأبراج التي تبيع أسماكا مثلجه لكن بأسعار أقل.

قد تكون هذه الحركة آلية فرضت على المواطنين فرضا بحكم ارتفاع أسعار الأسماك الطازجة، لكنها البداية التي قد تجرّ الكثيرين إلى أعمال مقاطعة أكثر تنظيما وتأثيرا لأن المقاطعة لا تكون فعالة إلا إذا كانت واعية ومنظمة، الشرطان الضروريات لتوسع نطاقها لتشمل كل المتضررين وفرض تعديلات هامة في أسعار البيع.

إن المقاطعة سلاح تلجأ إليه الشعوب الواعية وعادة ما تحقق نتائج إيجابية ولو بصورة ظرفية. لكن وفي تونس وتحديدا خلال شهر رمضان، فإن المناخ العام غير ملائم لنجاح مثل هذه الأعمال أولا بسبب أولويات المواطن خلال شهر رمضان حيث يعمل جاهدا على توفير الحاجيات الضرورية وتعبئة الموارد اللازمة لذلك خاصة عبر الاقتراض والتداين. ثانيا بسبب تراجع المعنويات وحالة الجزر التي تتفاقم خلال شهر رمضان. وثالثا بسبب الضعف الذي عليه منظمات المجتمع المدني التي تعيش أزمات مالية إلى جانب سياسات التضييق على حرية النشاط في أفق الإلغاء التام للأجسام الوسيطة.

الحلول

إنّ الحل العلمي والمنطقي يتمثل في ربط الزيادات في الأجور بمعدلات التضخم الحقيقية وإصلاح منظومة الأجور والأسعار لتحقيق الأدنى من العدالة الاجتماعية وحماية ودعم القدرة الشرائية. وهذا يتطلب بطبيعة الحال مراجعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية ووضع حد لسياسات التقشف التي تتمثل في الضغط على الأجور سواء ما تعلق منه بالزيادات وتحسين القدرة الشرائية المجمعة منذ مدة زمنية ليست بالقصيرة، أو ما تعلق منه بالانتدابات والتشغيل عموما، وكذلك التنفيس على الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وثقافة وخدمات بيئية التي تدهورت في السنوات الأخيرة بشكل مفزع وتعبئة الموارد الضرورية لإنعاشها.

إنّ انتهاج خيارات جديدة وطنية وشعبية عمادها الاقتصاد المنتج للثروة وذو القدرة التشغيلية العالية والموجه لخدمة الحاجيات الداخلية الأساسية والتعويل في ذلك على القدرات الذاتية مسألة استراتيجية لا بدّ منها. لكنها غير متاحة أو قابلة للتحقيق في ظل المنظومة الشعبوية اليمينية الاستبدادية ولا في ظل باقي الرجعيات التي سبق لها أن حكمت تونس قبل الثورة وبعدها.

أمّا الإعداد لهذه الحلول الجذرية والمراكمة على طريق تحقيقها بصورة ملموسة فيقتضي جملة من الإجراءات تتمثل أساسا في:

أولا تجميد خلاص الديون الخارجية لمدة زمنية محددة والقيام بتدقيق للديون الخارجية ورفض خلاص الكريهة منها.

ثانيا سن ضريبة استثنائية على الثروات الكبرى.

ثالثا دمج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المنظم واتخاذ الإجراءات المناسبة لتسهيل ذلك.

رابعا استخلاص ديون الدولة الجبائية والقروض غير الخاصة المتخلدة بذمة الشركات الخاصة.

خامسا منع الشركات الأجنبية المصدرة من تحويل أرباحها خارج تونس لمدة زمنية محددة واستثمارها في الدورة الاقتصادية المحلية.

إنّ هذه الإجراءات وغيرها من شأنها توفير موارد مالية قادرة على تنشيط الاقتصاد المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير فرص العمل والتقليل من مآسي الهجرة العشوائية، إلى جانب معالجة أزمة المقدرة الشرائية ولهيب الأسعار الذي يلقي بظلاله على الفئات الشعبية والمتوسطة منذ سنوات.

إلى الأعلى
×