تستمرّ الحرب العدوانيّة الهمجيّة التي تشنّها الإمبرياليّة الأمريكيّة والكيان الصهيونيّ على إيران منذ يوم 28 فيفري الماضي وسط تواطؤ واسع لكبريات دول العالم الامبرياليّة والرجعيّة وهيئاته “الأمميّة” التي باتت تتجنّب حتّى خطاب الإدانة، وانخراط غير مشروط للنظام الرسميّ العربيّ الذي يشارك جزء منه، ونعني أنظمة الخليج، في العدوان الذي ينطلق من القواعد العسكريّة المنتصبة على أراضيه. ولكن من الواضح أنّ قرار وقف هذه الحرب لم يعد بيد مثيريها الذين أرادوها خاطفة لإسقاط النظام الإيراني ووضع البلاد تحت سيطرتهم لتفتيت وحدتها ونهب ثرواتها في إطار مخطّط عام يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة من جديد على أسس دينيّة وطائفيّة وعرقيّة لتسهيل الهيمنة عليها. لقد تمكّنت إيران من الصمود في وجه العدوان ومن إلحاق ضربات موجعة بالمعتدي الأمريكي الصهيوني علما وأنّها وسّعت ضرباتها لتشمل كافّة القواعد الأمريكيّة المنتشرة في بلدان الخليج. وإلى ذلك فقد أغلقت مضيق هرمز لتردف المواجهة العسكريّة بمواجهة اقتصاديّة ناهيك أنّ سعر البرميل الواحد من النفط تجاوز اليوم 100 دولار. وهكذا حوّلت إيران الحرب إلى حرب استنزاف شاملة عسكريّة اقتصاديّة. وهكذا بدأت عصابة واشنطن بقيادة ترامب، شأنها شأن باقي الحكومات الغربيّة، تعدّ خسائرها الناجمة عن الخسائر العسكريّة وعن ارتفاع سعر البترول، كما بدأ انتقاد شنّ الحرب على إيران يتسلّل حتى إلى الدوائر الحاكمة والمؤثّرة في واشنطن، بينما دائرة مناهضة الحرب ما انفكّت تتّسع لتشمل جماهير واسعة من مختلف أقطار العالم بما فيها الولايات المتحدة.
كلّ هذا يعني أن العدوان يتعطّل في تحقيق مراميه المعلنة كما يتعطّل في تحقيق نقاط جديدة في استعادة السيطرة على كامل المنطقة. لقد اعتقد ترامب بعد عملية فنزويلا الجبانة أن الطريق سالكة لبسط منطقه في إدارة العالم بالقوة الفاشية الغاشمة. لكن معطيات الميدان ما انفكّت تبيّن خطأ حساباته فإيران ليست فنزويلا، هذا من جهة ومن جهة أخرى فلئن اعتقد العديد، وفي مقدمتهم المجرم نتنياهو، أنّ الساحة اللبنانية خمدت إلى الأبد وأنّ الوضع مستقرّ لصالح حكومة الخضوع والقوى الطائفيّة الانعزاليّة، فإنّ المقاومة تنهض من جديد وتدكّ مستوطنات العدو كما كان قبل أكثر من عام وتنسّق العمليات مع إيران. كما أنّ المحور الذي ظنّ ترامب ونتنياهو ووكلاؤهما أنّه تفكّك بلا رجعة يعود من جديد في لبنان والعراق واليمن، بما يعزّز صمود إيران. وما من شكّ في أنّ العدوان على هذا البلد وعلى بلدان المنطقة الأخرى، فضلا عن استمرار التقتيل والتهجير والتدمير في فلسطين المحتلة، ما كان له أن يكون وما كان له أن يتفاقم لولا الدور القذر للنظام الرسمي العربي بتمامه وكماله الغارق في التواطؤ واللامبالاة. لقد باتت جامعة الدول العربيّة عاجزة هذه المدّة حتى عن الاجتماع بل إن الاجتماع الوحيد الذي التأم يوم 8 مارس عن بعد وضمّ وزراء خارجيّة الدول المعنيّة تكلّم بـ”صوت واحد” حسب عبارة المصري أبو الغيط، الأمين العام للجامعة، هو صوت أمريكا، لإدانة إيران بسبب قصفها القواعد العسكرية في بلدان الخليج التي تستعمل في العدوان عليها. أما الاعتداء على لبنان و العراق وفلسطين، كأقطار عربيّة، فلا مشكل فيه بالنسبة إلى أولئك الوزراء وحكوماتهم العميلة طالما أنه يستهدف قوى “فالتة” و”موالية لإيران” في نظرهم. إنّ النظام الرسميّ العربيّ هو اليوم خارج كل إحداثيّات التاريخ والوقائع والتحوّلات رغم كون السياسات والنوايا الأمريكيّة الصهيونيّة يصرّح بها في العلن وهي لا تستهدف فقط الشعوب ومقدراتها وحاضرها ومستقبلها،بل تشمل حتى هذا النظام العربي الرسمي البائس رغم خضوعه وولائه. فالجميع يعلم أن الدور آت على “المحور السني” ممثّلا في تركيا ومصر والسعودية والجزائر بعد تصفية “المحور الشيعي” حتى يستتبّ الوضع الإقليمي لصالح قوة أحادية لا منافس لها هي كيان الاحتلال ممّا يساعد الولايات المتحدة على “التفرّغ” لواجهات أخرى وفي مقدمتها الواجهة الآسيوية وتحديدا الصين التي تعدّها واشنطن منافسها الرئيسي على الهيمنة على العالم. ورغم ذلك تصرّ أنظمة العار التي انضمّ إلى صفّها حتى أولئك الذين كانوا يتظاهرون بالممانعة وبالتعاطف مع إيران ومنهم حكام تونس والجزائر على الخنوع والخضوع في انتظار الصفعة التي ستوجّه إليها. وفي مثل هذا الوضع فلا خيار أمام شعوب المنطقة غير التخلّص من سلبيّتها والنهوض في وجه العربدة الصهيو-أمريكية قبل فوات الأوان. فمن غير المقبول أن تُدكّ القواعد العسكرية والبوارج الحربيّة الأمريكية وكيان الاحتلال من قبل إيران والشعوب العربية المهدّدة في حاضرها ومستقبلها تكتفي في معظمها بالمتابعة على شاشات التلفزيون، فكما ينهض الشعب الإيراني دفاعا عن الوطن والسيادة، على شعوبنا وقواها التقدمية التحرّك لإسناده وتحويل المنطقة بكاملها إلى نار تشتعل تحت أقدام الصهيو-أمريكي وتحمّل المهمّات التي يمليها الواقع واللحظة التاريخية بصعوباتها وأيضا بفرصها وإمكانياتها. إن صمود إيران يخدم قضايا شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني ويفشل أو على الأقل يعرقل مخطّط الهيمنة الأمريكيّة الصهيونيّة. كما أنّ صمود إيران يخدم قضايا شعوب العالم وفي مقدّمتها شعوب أمريكا الجنوبيّة التي يخطّط اليانكي الأمريكي لإخضاعها الواحد بعد الآخر وهو يلوّح بعقيدة مونرو. وأخيرا فإن فشل العدوان على إيران عبر وقفه في أسرع وقت يخدم مصالح شعوب البلدان الغربيّة وفي مقدمتها الشعب الأمريكي باعتبارها تدفع ثمن الحرب وارتداداتها من قوتها وحريتها وكرامتها. فلتنهض شعوب المنطقة وشعوب العالم في وجه العدوان على إيران وفلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن فنزويلا وكوبا وغيرها دفاعا عن مصالحها الحيوية المباشرة والبعيدة وعن السلم العالمي فلا شيء يصدّ الوحش الامبريالي وأذرعه غير النضال الذي لشعب تونس وقواه الثوريّة والتقدميّة دور فيه.
صوت الشعب صوت الحقيقة
