بقلم علي البعزاوي
شهدت العلاقات بين تونس وإيران منذ وصول قيس سعيد لسدّة الرئاسة وسيطرته على الحكم بعد انقلاب 25 جويلية 2021 تطورا ملحوظا، حيث تعزز التنسيق الدبلوماسي وحصل تقارب في المواقف إزاء ما كان يحصل في غزة من حرب إبادة ومحاولات تهجير للفلسطينيين. وتجري محاولات لتفعيل التعاون الاقتصادي انتهت بتوقيع جملة من الاتفاقيات في مجالات مختلفة.
كما وقع تبادل الزيارات الرسمية والإعلان عن تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة لتفعيل بروتوكولات تعاون في مجالات مثل الزراعة والصحة وغيرها. وقامت تونس من جانبها بتسهيل شروط دخول الإيرانيين إليها. ورغم أن المبادلات التجارية مازالت محدودة باعتبار ارتباط تونس بشكل رئيسي بالشريك الأوروبي، فإنه بالإمكان القول أنّ العلاقة بين البلدين وُضعت على سكة التطور والتوسع كما لم يحصل من قبل. ويتنزل هذا في إطار محاولات المنظومة الشعبوية توسيع وتنويع علاقاتها والبحث عن شركاء وممولين جدد خاصة بعد فشلها في إمضاء اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي مع السعي بطبيعة الحال للحفاظ على الشركاء التقليديين.
موقف “صادم” من العدوان الامبريالي الصهيوني على إيران
على نقيض ما كان يتوقعه البعض جاء الموقف من العدوان الامبريالي الصهيوني على إيران مخالفا لهذا السياق. وقد أثار حفيظة المتابعين في الداخل قبل الخارج إذ اكتفت الخارجية التونسية بالتعبير عن “تمسكها بسيادة الدول” و”رفض انتهاك حرمتها الترابية” ودعت إلى “وقف فوري للعمليات العسكرية وتغليب الحوار”. وفي هذا إشارة محتشمة وغامضة لرفض العدوان علما وأن البيان لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى أن إيران هي المعنية باعتبارها ضحية هذا العدوان، وأن الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني هما المعتديان. لكن ما أضعف أكثر هذا البيان الخجول وجعله غير ذي معنى هو الإدانة الصريحة للضربات الإيرانية على الدول العربية، حيث أكدت الخارجية التونسية “رفضها المطلق لأي استهداف لأراضي دول عربية شقيقة”. وأعربت في نفس الوقت عن تضامنها الكامل مع كل من السعودية والكويت وقطر والبحرين والإمارات والأردن والعراق. إذا اكتفت الخارجية بالتمسك بسيادة الدول وطالبت بالوقف الفوري للعمليات العسكرية، وفي هذا إقرار بأن هناك طرفان متحاربان لا طرف مُعتد وأخر معتدى عليه.. لكنها في المقابل صعدت اللهجة وجاءت إدانتها صريحة وحاسمة عندما تعلق الأمر بالضربات الإيرانية على مواقع وقواعد أمريكية في الدول الخليجية.
مضامين متناقضة مع شعار السيادة الوطنية
إن بيان الخارجية التونسية المعبّر بطبيعة الحال عن الموقف الرسمي للسلطة القائمة لم يأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الامبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني هما من بادرا بالاعتداء على إيران وأجهزا على رأس النظام وبعض القادة من الصف الأول في إيران. وهذا في حد ذاته اعتداء صارخ على حرمة إيران وسيادتها الترابية من جهة وعلى القانون الدولي من جهة أخرى.
كما لم يأخذ البيان في الحسبان أن القانون الدولي يبيح للمعتدى عليه حق الرد لحماية نفسه وشعبه، وأن الضربات الإيرانية على الدول الخليجية إنما استهدفت قواعد أمريكية لا منشآت وأماكن تابعة لهذه الدول انطلقت منها الضربات والاعتداءات على إيران. كان على الدول العربية المعنية إذا أرادت فعلا الدفاع عن سيادتها وحرمتها الترابية إخلاء تلك القواعد أو على الأقل منع القوات المسلحة الأمريكية من تنفيذ ضربات على دول الجوار انطلاقا من تلك القواعد. لقد غيّب الموقف التونسي تماما مسالة السيادة الوطنية الحاضرة بكثافة كشعار تعبوي ودعائي في خطابات الرئيس قيس سعيد، وهو ما يؤكد التناقض الصارخ بين الشعارات المرفوعة والمواقف الملموسة الصادرة عن الأوساط الرسمية.
إن من يتمسك بالسيادة الوطنية ويريد تكريسها على أرض الواقع من واجبه حتى تكون أقواله منسجمة مع مواقفه العملية أن يدين في الوضوح الاعتداء الامبريالي الصهيوني على إيران ويدعو الدول الخليجية المتواطئة والعميلة إلى سحب القواعد العسكرية الأمريكية المنتصبة على أراضيها ورفض الاعتداء على الشعب الإيراني انطلاقا منها.
الشعبوية ملتزمة بالخط الدبلوماسي التقليدي
لقد جاء الموقف الرسمي التونسي من العدوان الامبريالي الصهيوني على إيران ليدق المسمار الأخير في نعش الدبلوماسية الشعبوية اليمينية ويلحقها نهائيا بمعسكر الرجعيات التي مرت على حكم البلاد. لقد افتضح في وقت سابق أمر الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسات والميزانيات التي لم تخرج عن المألوف منذ 2021 إلى اليوم، فجاءت منحازة عمليا لمصالح كبرى الشركات والمؤسسات والدول الاستعمارية وفي طليعتها الاتحاد الأوروبي، كما جاءت خادمة لمصالح البورجوازية الكبيرة العميلة. كما سقط شعار الدولة الاجتماعية الذي طالما رُفع ومازال يُرفع إلى اليوم في علاقة بما يُسمّى مخطط التنمية 2026/2030. وتعرت حقيقة الخدمات الاجتماعية التي تدهورت وساءت بمستوى غير مسبوق (تعليم، صحة، ثقافة، بيئة…) وسقط أيضا شعار دولة القانون والمؤسسات بفعل قضاء مدجّن وهيئة انتخابات منصبة وموالية وإعلام مهمش ومجتمع مدني يتعرض للتضييق والمنع. اليوم وبعد افتضاح الدبلوماسية التونسية يكتمل النصاب لأنها لا تحمل أيّ جديد ولا تحترم الشعارات التي يطلقها المسؤول الأول في الدولة أثناء خطاباته ومداخلاته، شعارات السيادة الوطنية والإرادة الشعبية. لقد سقطت ورقة التوت التي كانت تتستر بها الشعبوية اليمينية الحاكمة لتبدو لعموم التونسيات والتونسيين واضحة وجلية بلا مساحيق باعتبارها جزء لا يتجزأ من باقي الرجعيات التي مرّت على حكم البلاد. وقد اتضح لكل عقل أنه جيء بها إلى الحكم لا للإنقاذ البلاد وتصحيح المسار الثوري وخدمة الشعب التونسي مثلما يعتقد البعض، بل للالتفاف السريع على الثورة والتنكر لمصالح الشعب في الشغل والحرية والكرامة الوطنية مثلما بلور ذلك الشعار المركزي للثورة التونسية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
