الرئيسية / صوت النقابة / “معركة” المواقع.. آخر “المعارك” قبيل المؤتمر
“معركة” المواقع.. آخر “المعارك” قبيل المؤتمر

“معركة” المواقع.. آخر “المعارك” قبيل المؤتمر

بقلم جيلاني الهمامي 

انتهت “كل المعارك” وحانت ساعة “المعركة” الأخيرة، “معركة” المواقع وهي “أم المعارك” من وجهة نظر خريجي المدرسة البيروقراطية. سلسلة المعارك السابقة حول انعقاد الهيئة الإدارية ثم حول انعقاد المجلس الوطني ثم حول مخرجاته ثم حول مؤتمر استثنائي أو مؤتمر عادي مع تقديم تاريخه ثم حول “تحصين” المؤتمر وأخيرا وبعد طي كل هذه الصفحات وتحديد موعد المؤتمر لأيام 25 – 27 مارس الجاري انتقل الخلاف إلى مجال آخر وهو الذي يختزل كل الخلافات الأخرى، إنها المعركة من أجل الموقع النقابي أو بعبارة أدق “الكرسي النقابي في المكتب التنفيذي” للاتحاد.

الأجواء ملائمة “للاقتتال” الانتخابي

مؤشرات كثيرة تفيد بأن “المعركة الانتخابية” في مؤتمر الاتحاد ستكون حامية الوطيس وسيستمر التنافس فيها على أشده حتى آخر لحظة من عملية الاقتراع لانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي الجديد. موضوعيا ثمة ما يدفع إلى تفهّم ذلك دون أن يعني تبريره. فالأزمة التي عرفها الاتحاد في السنوات والأشهر الأخيرة خلقت قناعة عامة في الوسط النقابي بأن القيادة الحالية سترحل إثر المؤتمر وفي أسوأ (أو أحسن) الأحوال لن يبقى منها إلا قلة قليلة من أعضائها. هذه القناعة شحذت “شهية” الكثير من الإطارات النقابية الوسطى (أعضاء في مكاتب الجامعات أو في مكاتب الاتحادات الجهوية) للطمع في الفوز بمقعد في المكتب التنفيذي. وحسب الأخبار الرائجة فإن الغالبية العظمى من أعضاء الهيئة الإدارية عدا البعض ينوون تقديم ترشحهم.

ويمكن تفسير هذا التهافت على الترشّحِ بالانطباع السائد لدى طيف واسع من النقابيين بأن الوصول إلى موقع في القيادة هذه المرة بات متيسّرا ومتاحا أكثر من أي وقت مضى أوّلا بسبب عدد المقاعد التي ستكون شاغرة نتيجة مغادرة عدد كبير من أعضاء المكتب التنفيذي المتخلي كما سبق قوله وثانيا لاعتبارات وحسابات أخرى كثيرة. منها الاعتقاد بأن التنافس سيكون هذه المرّة مفتوحا للجميع ولن يكون هناك حاجز “قائمة الأمين العام” التي كانت تقطع الطريق أمام الكثير فيرتدعون عن الترشّح قناعة منهم أن لا طائل من منافسة “القائمة الرّسمية” ومن الأفضل تحاشي الصدام معها بما أنها ستكون لا محالة هي القائمة الفائزة مهما كان من أمر. ومنها أيضا الاعتقاد أن السلطة لن تتدخل بشكل مباشر في هذا المؤتمر ولن ترفع “الفيتو” في وجه أي مرشح من المترشحين مثلما حصل في كل المؤتمرات السابقة تقريبا.

وعلاوة على ذلك يرى الكثير من النقابيين في انقسام الفريق القيادي البيروقراطي عاملا مشجعا على الترشح. فالأكيد أن الخلاف بين شقي المكتب التنفيذي المتخلي سيستمر وسيتجسم انتخابيا في تقديم قائمتين أو أكثر. ويجري الحديث في كل مكان حول قائمة شق التسعة بقيادة مسؤول النظام الداخلي السابق فاروق العياري فيما يروج كلام كثير حول قائمة الرباعي أو بعبارة أدق “قائمة الاتحادات الجهوية” في إشارة إلى التنسيق الجاري بين اتحادات بن عروس وصفاقس ومدنين وقابس وتونس ونابل صاحبة المبادرة في نشوب مسار الصراع الداخلي بين شقي القيادة.

ومازال من غير معلوم ما إذا ستكون هناك قائمات أخرى سواء منشقة عن جماعة التسعة أو عن جماعة الأربعة إذ أن الحسابات الانتخابية هي الآن بصدد إثارة تباينات كان خافية رفعتها إلى السطح الخلافات حول “الأمانة العامة” وأحيانا حول مكونات القائمات ذاتها.

ومع تقدم الوقت باتجاه موعد يوم 25 مارس القادم يزداد اليقين باستحالة عودة الوئام للمكتب التنفيذي القديم وبالتالي يتأكد احتمال ظهور كثير من القائمات كسبيل وحيد لاستيعاب “اللهفة” العارمة على الترشح وكوسيلة لتلبية النزعات التي ظهرت من جديد مثل الجهويات والانتماء القطاعي وأنماط كثيرة من الولاءات. ويبدو أن مساعي الأمين العام للتوفيق بين الشقين على الأقلّ عبر من يتزعمهما لم تؤت أكلها حتى الآن ولا يتوقع أن تُثْمِرَ شيئا في هذا الاتّجاه.

وفوق كل ذلك هناك ظاهرة أخرى تُميّز هذه المرحلة من تاريخ الحركة النقابية التونسية وهي ما يمكن التعبير عنه بـ”انقراض” الزعامات النقابية “الكبيرة” والوازنة التي كانت تلعب أدوارا محددة في تعديل “سوق المساومات الانتخابية” في مثل هذه المناسبات أي المؤتمر الوطني لاتحاد الشغل. الأمر الذي جعل الغالبية العظمى من القيادات الجديدة من الجيل الحالي ترى، كل من موقعه، أنه جدير بموقع قيادي ولا شيء يمنعه من خوض غمار الفرصة التي وفرها المؤتمر الحالي والتي قد لا تتكرر في المستقبل أو على الأقل على المدى المنظور.

هنالك عامل نفسي يدفع بكل قوة أعدادا كبيرة من الإطارات النقابية الوسطى إلى الانقضاض على فرصة تاريخية في اعتقادهم أنها تحمل في طياتها تسهيلات غير مسبوقة للنجاح ومن باب البلاهة (في منظورهم) تفويتها.

نفس الرهانات بأدوات بالية

في هذه الأجواء ينتظر أن يشهد هذا المؤتمر أكبر عدد من الترشحات مازالت إلى حد الآن لم تتوفق إلى بلورة المعالم النهائية للتحالفات التي ستفرز القائمات المتنافسة. وتتفق أصداء الاتصالات والمشاورات الجارية على أن الأدوات المعتمدة لنسج التحالفات الانتخابية (الأساسية منها على الأقل) تكرر وتعيد استعمال الأدوات القديمة المعروفة. من ذلك مثلا عادت إلى السطح عند تشكيل القائمات النزعات الجهوية لدى البعض أو “الخطّية الحزبية” لدى البعض الآخر دون مراعاة أبسط اعتبارات الكفاءة والنضالية. علاوة على بعض ممارسات المخاتلة جريا وراء كسب ود الجهات ذات الثقل الانتخابي.

صحيح أنه في ظل كل هذا الفساد النقابي الذي ساد في مثل هذه المناسبات لعقود من الزمان والذي يتجدد اليوم في نسخ وضيعة ومبتذلة، في ظل ذلك هنالك من الجانب الآخر مساع ليس من المعلوم بعد ما إذا ستنجح في فرز تشكيلة قيادية يتم اختيارها على أساس معايير مبدئية تُعْلِي شأن الكفاءة والكفاحية والنظافة وتتشبّع بمبادئ أرضية العمل النقابي المستقل والمناضل والديمقراطي التي ضحّى في سبيلها الكثير من النقابيين وعلى رأسهم شهداء انتفاضة 26 جانفي 1978 وفي مقدمتهم الكوكي وسعيد قاقي.

هذا لا يمنع من القول إجمالا أنّ المشاورات والاتصالات الجارية انخرطت عموما في أجواء الحمّى الانتخابية المنقادة بعبادة الموقع على حساب المضامين والبرامج والأهداف. وفي حدود الأخبار التي تتناقلها الساحة النقابية لم يحصل بَعْدُ أن اتّفقت قائمة من القائمات على بيان انتخابي يحمل برنامج عمل يحتاجه الاتحاد العام لتجاوز أزمته الراهنة.

ومن نافل القول أنه لن يتسنى للاتحاد تجاوز هذه الأزمة بقيادة جديدة سمتها الأساسية الرداءة والابتذال والانتهازية واللهث وراء المنافع. فقيادة من هذه النوعية ستنتهي إلى ما انتهت إليه القيادة المتخلية كما ستنتهي إلى مجرد خادم ذليل يتمسح على عتبات السلطة.

إن الاتحاد في حاجة إلى قيادة جديدة تجمع في صفوفها أفضل الكفاءات النقابية القادرة على رفع التحدي في علاقة باستقلالية الاتحاد ومناعته في وجه استهداف السلطة له في وجوده من جهة والقادرة على تكريس الديمقراطية الداخلية التي في غيابها طوال السنوات الأخيرة انزلق الاتحاد إلى أسوأ المنزلقات ما أدى به إلى أزمة حادة من جهة ثانية والقادرة من جهة ثالثة على استرداد نضالية الاتحاد الذي تكبد في المدة الأخيرة خسائر كبيرة لعل أبرزها إلغاء المفاوضات الاجتماعية وضرب الحق النقابي (التفرغات والرخص النقابية…) وإيقاف العمل بالاقتطاع المباشر.

إن الأمل لمعقود على النقابيين النزهاء، المناضلين الحقيقيين، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في منع هذا المؤتمر من إعادة إنتاج نسخة مشوهة من مؤتمرات البيروقراطية القديمة التي وكما يعلم الجميع أودت بالاتحاد إلى ما هو عليه اليوم.

إلى الأعلى
×