بقلم فضيلة بن محمّد
يُعدّ العنف عامة والعنف الاقتصادي تحديداً ظاهرة عامّة وعالمية، مرتبطة عضويّا بالنظام الرأسمالي، إلا أنّ هذه الظاهرة تفاقمت مع تفاقم أزمة هذا النظام. وهي تستدعي يقظة دائمة ونضالا متواصلا للتصدي لكافّة أشكال العنف التي لا تزال تسلّط على النساء رغم تاريخهنّ الطويل في الكفاح ضد الاستغلال والتحكّم والظلم بأنواعه. إن المرأة في العالم مازالت ترزح تحت نير الاضطهاد وإن كان بنسب متفاوتة، ولعلّ أتعس الحالات تُرصد في البلدان العربية والإسلامية المهيمن عليها من قبل الدول الامبريالية والمقموعة شعوبها من قبل أنظمتها الرجعية والعميلة. وليست نساء تونس استثناء بل هنّ جزء من نساء هذه الشعوب اللواتي يطمحن ويسعين إلى التحرر من ربقة الاستغلال والدونية والقهر المسلط عليهن.
تعاني نساء بلادنا من الظلم والتهميش والتمييز والحرمان من الحقوق التي تضمن لهن استقلاليتهن وتصون كرامتهن. فإلى جانب المشاكل الاجتماعية التي يكابدنها سواء في الصحة أو في التعليم والنقل وغيرها من الخدمات، فهن يقارعن تحديات اقتصادية حادة جعلتهن تحت طائلة الحرمان والمنع والسيطرة. لقد تراوحت نسبة البطالة في صفوف النساء عامة في تونس، حسب المعهد الوطني للإحصاء وحسب بيانات 2024-2025، ما بين 20.4 % و22.2 % وهي أعلى من معدلات البطالة عند الرجال التي تبلغ 13.1%. وهو ما يعكس فارقا كبيرا بين الجنسين في المجال الشغلي.
وفي هذا السياق تبلغ نسبة البطالة في صفوف حاملات الشهائد العلمية العليا أكثر من 32.3%. وقد كشفت الإحصائيات أن 70 % من الخريجين هم من الإناث ولكنهن الأقلّ حظّا في التشغيل. هؤلاء قضين سنين طويلة في الدراسة، يسهرن ويبحثن لينجحن آملات في مستقبل شغلي مستقر وحالمات بتحسين أوضاعهن وأحوال عائلاتهن ماليا واجتماعيا فيجدن أنفسهن في الآخر معطلات مهمّشات.
إلى جانب هذه الفئة نجد كذلك صاحبات شهائد التكوين اللواتي يتعرّضن لصنف آخر من العنف الاقتصادي. فهنّ، حسب تعداد 2024، يتعلّمن كثيرا ويشتغلن قليلا ليغادرن الحياة الشغلية مبكّرا ويواصلن العمر عاطلات إذ تنخفض مشاركتهن ما بين سن الأربعين والخمس وأربعين في حين تنخفض مشاركة الرجل في السن الستين. وهي فجوة عميقة أخرى بين الجنسين إذ تبلغ مشاركتهن 33.6 % في حين تبلغ مشاركة الرجال 63.5 %.
وللطرد والتسريح وغلق المؤسسات والمعامل والمصانع نصيب في زيادة نسب البطالة في صفوف النساء مقارنة بالرجال. لقد وقع مؤخرا (فيفري 2026) في ولاية نابل (سيدي التومي) طرد 60 عاملة وعامل بـ”مصنع ناني للنسيج” طردا تعسفيا لمجرد المطالبة بحقوقهن كما طرد سابقا بالڨصرين 140 بين عمال وعاملات يضاف إليهم/ن الكثير في شركات المناولة. كما تمّ تقليص عدد العاملات في مصانع سيدي بوزيد بشكل لافت وتمّ إلزام البقية بزيادة الانتاج محذرينهن من”أعمال الشغب” أي دون المطالبة بحقوقهن المهنية والمشروعة ولو بشكل سلمي وإلا يفصلن من العمل، إضافة إلى انتهاكات أخرى في مناطق أخرى. والأدهى والأمر أن الأمن يتدخل لمنع العاملات من الدخول لمقرات عملهن، والسلطة لم تتدخل لفائدة العاملات وصُمّت آذانها عن ندائهن وصرخاتهن.
ومن جهة أخرى علينا ألّا ننسى أن التقشف الحكومي في خفض عجز الميزانيات هو عامل آخر في تزايد منسوب البطالة الذي يمسّ بالنساء في العظم في مجتمع يستفحل فيه التفاوت الطبقي وينتشر فيه الفساد ويشتد النهب ويتوخّى فيه نظام الحكم سياسة غير عادلة: ينهار الاقتصاد وتتهاوى المالية فتعجز الحكومة على توفير أساسيات العيش للشعب إذ لجأ إلى حلول مدمرة من بينها التخطيط لميزانيات تقشفية مؤلمة تنعكس إن آجلا أو عاجلا على الفئات المفقرة أصلا وفي مقدّمتها النساء،والمتمعن في ميزانيات السنوات القليلة التي خلت يلاحظ انسداد أفق الانتدابات، وهزال النفقات المخصصة للاستثمار وبالتالي لخلق أسباب توفّر الشغل وهو ما يديم حالة العطالة في صفوف الشباب والشابات خاصّة.
علينا أن لانغفل عن عامل آخر لا يقل أهمية ألا وهو انحدار المستوى التعليمي في صفوف البنات فالأمية منتشرة في صفوفهنّ (25 %) كما أنّهن الضحية الأولى للانقطاع المدرسي الذي يتجاوز الـ100 ألف سنويّا. وهو بدوره حصيلة تمش سياسي تربوي لاديمقراطي ولاشعبي، أصبح مقلقا بشكل لايسمح للنساء بالحصول على فرص عمل لائق بسبب الأمية أو الانقطاع المبكر عن التعليم الذي من أسبابه المباشرة عدم قدرة الأولياء على تحمل تكاليف الدراسة وكذلك أوضاع المدارس والمعاهد (نقص الاعتمادات والمستلزمات، نقص الإطار التربوي، الاكتظاظ…).
وبشكل عام فقد أصبحت الأبواب موصدة أكثر فأكثر أمام تشغيل النساء تشغيلا لائقا. ومع ازدياد الأوضاع الاجتماعية صعوبة بارتفاع تكاليف العيش والمداواة وتمدرس الأطفال، اضطرت هؤلاء النساء لمصارعة الواقع والقبول بأيّ عمل يضمن لهن ولعائلاتهن أدنى أسباب البقاء فتوجهن إلى حضيرة الأشغال الهشة كالتنظيف في البيوت أو الإدارات أو المؤسسات مثلا مع كل أهوالها وتعاستها وتكبدن مسار عذابات ومهانة، منهن من قبلن بهذه الظروف و”صبرن على المرّ” هروبا من الفقر وشظف العيش، ومنهن من لم يتحملن وزر المشقة وسوء المعاملة فانقطعن ومنهن من تعرضن للهرسلة والتحرش فالطرد، فهِمن (من هام- يهيم) في دوامة البحث عن شغل آخر. وهناك من كنّ أقل سوء حظ فتوجهن إلى معامل النسيج والخياطة في المدن وبعض السواحل ومنهن من توجّهن إلى الأرض وانخرطن في العمل الفلاحي مع بعض العاملات المسنات وأصبحن يمثلن العمود الفقري للإنتاج الفلاحي إلا أنّ الإهمال وسوء الأداء السياسي والخيارات الاقتصادية الفاشلة همشت هذا القطاع مما أثر سلبا في اليد العاملة وكان للمرأة النصيب الأوفر من الضرر فهي تعاني بدرجة عالية من التهميش رغم أن منتوجها يساوي 80 % من المنتوج العام في حين أن مشاركتها في إبداء الرأي في العمل والتفكير في المشاريع الفلاحية والنقد والملاحظة وتملك القرار المهني والقيادة، لا تتجاوز 3 % وهي تعاني كذلك من التمييز في الأجور (حوالي نصف أجر الرجل)، ناهيك عن غياب التغطية الاجتماعية والصحة وحسب إحصائيات 2025 يوجد 92 % من العاملات الفلاحيات يعملن بدون عقود رسمية وفي ظروف غير آمنة عملا ونقلا وبيئة وتوقيتا. من لا يعرف أن تونس بلد فلاحيّ أساسا؟ وهي تزخر بالثروات الفلاحية وأرضها معطاء، ولكن سياسة نهب الأرياف واستنزاف خيراتها مع الإبقاء على أوضاعها المتخلفة لا تنتج سوى المعاناة لقوى العمل. وهنا لابد من إجراءات جذريّة تنهض بالعمل الفلاحي وتطور القطاع وتحرره من قبضة كبار المالكين حتى يتحقق الاطمئنان والأمان للعاملات والعمال، إجراءات تقضى على أسباب التمييز وتحرّر العاملات من الدونية والإقصاء من البرمجة والقيادة واتخاذ القرارات المهنية.
ومن جهة أخرى علينا أن نذكر الزوجات والمطلّقات والأرامل القابعات في المنزل يشتغلن صباحا مساء دون أجر ولا منحة ولا تغطية اجتماعية، يتجشمن أعباء التنظيف والطبخ ورعاية الأطفال وهن غير قادرات على توفير حاجياتهن الخاصة فيبقون رهائن السلوكات “الاستعبادية” المتخلفة للزوج والأب والأخ يمارسون عليهنّ كل أشكال التعسف. وما يزيد المسألة إيلاما أن الأنظمة المتعاقبة فرطت ومازالت في عدد من المؤسسات العمومية التي من شأنها تخفيف الأعباء عن الأمهات وشجعت الخوصصة مما جعل تكاليف المحاضن والروضات والدراسة باهظة فزادت في تفقير العائلات والنساء. والأجدى أن تتحمل الدولة مسؤولية الطفولة وتتكفل مؤسساتها بتوفير المحاضن ورياض الأطفال ودعم المدارس العمومية ومجانية التعليم فيها وحتى تتمكن الأمهات من المشاركة في عملية الإنتاج ويكن عوامل فاعلة في الاقتصاد الوطني وهو ما لا يمكن أن يتمّ في ظلّ دولة تمثّل مصالح الأقليات الثرية المحلية والأجنبيّة وتسهر على حمايتها.
إن النظام الأبوي والموروث الثقافي والديني الرجعي مازالا حاضرين بقوة في الذهنية العامة في مجتمعنا وهو ما يقلّل من أهمية مشاركة المرأة في الشأن الاقتصادي كما في الشأن العام ويحصر دورها في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال وحتى إذا خرجت إلى العمل تعامل بشكل دوني. يضاف إلى ذلك أنّها ما زالت تحرم من الموارد والميراث خارج دائرة القانون أو يسند لها نصف ميراث الرجل إذا طالبت ذلك عن طريق المحاكم والأعدل أن تراجع قوانين الميراث وأن يساوي القانون بين الأنثى والذكر في هذا المضمار وذلك لتمكينها من الحياة بقدر مساو للرجل وهذا مايتطلبه الواقع والمنطق فعلى القوانين أن تكون عادلة ومفعلة لأن شكليتها ودكها في الأدراج يساهم في مزيد الاضطاد الاقتصادي والعنف ضد النساء بكل أشكاله،وعلى نساء تونس أن يداومن النضال لنيل هذا الحق.
وفي الختام فإنه لمن المحال أن يكون مجتمع حرا بنساء مضطهدات وإن النظام القائم على الفوارق الطبقية كما هو حالنااليوم لن يحرر النساء المكبلات بالفقر والدونية كما أنّه لن يحرر عموم العمال والكادحين والفقراء من الاستغلال والبؤس. إن المساواة في الحقوق هي طريق البناء الحقيقي لمجتمع خال من العنف والاستغلال ولن يتم ذلك إلا في مناخ الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة التامة والفعليّة وهو ما يتحقّق في مجتمع جديد يقوم على أنقاض المجتمع الحالي في بلادنا الذي تتفاقم فيه مظاهر اضطهاد النساء كما يتفاقم فيه استغلال عامة الشعب وتفقيره فضلا عن قمعه واضطهاده.
صوت الشعب صوت الحقيقة
