الرئيسية / صوت المرأة / 8 مارس 2026: تفاقم الهوّة بين القانون والواقع
8 مارس 2026: تفاقم الهوّة بين القانون والواقع

8 مارس 2026: تفاقم الهوّة بين القانون والواقع

بقلم إيناس ميعادي

توطئة: 8 مارس المجيد

ليس تاريخ 8 مارس تاريخا للاحتفال الشكلي بل هو تخليد لنضالات العاملات و حفر في ذاكرة التاريخ واستحضار لمظاهرات عاملات النسيج الأمريكيات في شيكاغو (حسب بعض المصادر) اللواتي خرجن للشارع في ذلك اليوم من عام 1857 احتجاجا على ظروف عملهنّ اللاإنسانيّة فجابههنّ البوليس بالرصاص، فأصبح هذا التحرّك مصدر إلهام سواء لنساء الولايات المتحدة اللواتي خرجن في شوارع نيويورك في نفس اليوم من سنة 1908 للمطالبة بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حقّ الاقتراع، أو لنساء العالم اللواتي جعلن منه بمبادرة من النساء الاشتراكيات وعلى رأسهن المناضلة الشيوعية الألمانية كلارا زتكين، المجتمعات في مؤتمرهنّ الثاني بكوبنهاغ، يوما عالميّا تم الاحتفاء به لأول مرّة سنة 1911 ليكون مناسبة للتقييم والتخطيط على درب فرض المساواة التامة والفعلية بين الجنسين في مجتمع ينتفي فيه استغلال الإنسان كما ينتفي فيه التمييز لأيّ سبب من الأسباب. وحين جاءت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكيّة في روسيا أخذت الدولة السوفياتية بقيادة البلاشفة جملة من الإجراءات الملموسة لفائدة المرأة والأسرة على طريق تكريس المساواة التامة والفعلية في الحقوق بين الرجال والنساء كما أقرّت بداية من سنة 1921 وببادرة من لينين يوم 8 مارس يوما للنساء في الاتحاد السوفياتي. ومع تطور الحركة النسائية في القرن العشرين وتوسع دائرة الاحتفال بيوم 8 مارس اعتمدت الأمم المتحدة سنة 1977 هذا التاريخ ليصبح رمزا لنضال النساء ومناسبة لتقييم المكتسبات ومواصلة التعبئة من أجل المساواة في الأجور والحقوق المدنيّة والسياسيّة ومقاومة العنف بل من أجل تحقيق المساواة التامة والفعلية في الحقوق.

أمّا في تونس فتذكر بعض المصادر أنّ أوّل مرّة احتفل فيها بيوم 8 مارس كانت سنة 1938 ببادرة من الشيوعيّين التونسيّين ثماني سنوات بعد صدور كتاب الطاهر الحدّاد “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”. ولم تقع العودة إلى إحياء هذه المناسبة إلا مع ظهور الحركة النسائيّة الجديدة التي تشكّلت نواتها من مناضلات يساريات كوّن ناديا خاصّا بدراسة قضية المرأة سنة 1979 وفي العام الموالي، 1980، احتفلن بيوم 8 مارس. وفي سنة 1981 تمّ تنظيم نقاش عام حول “النساء والعمل” أعلن عنه في لافتة تحمل لأول مرّة تاريخ 8 مارس. وفي العام الموالي، 1982، احتفل نادي الطاهر الحدّاد بالاشتراك مع نقابة التعليم العالي باليوم العالمي للنساء بتنظيم نقاش حول جذور اضطهاد المرأة وبالمناسبة أعلن الأمين العام للاتحاد عن بعث لجنة المرأة العاملة. وفي سنة 1983 سيتم إحياء 8 مارس حول موضوع “حقوق المرأة العاملة” وفي العام الموالي 1984، حول “الحق النقابي للعاملات والحق في الشغل” وفي سنة 1985 حول ظروف العاملات في قطاع النسيج الخ… ومنذ ذلك التاريخ سيصبح الاحتفاء بيوم 8 مارس تقليدا في تونس تحييه القوى التقدمية من تنظيمات نسائية وسياسية ونقابية وحقوقية. وقد شارك النساء في كافة التحركات الجماهيرية التي أعدّت للثورة في بلادنا وعرفن السجون والتعذيب بمخافر البوليس السياسي. وكنّ إلى جانب نضالهنّ من أجل تخليص الشعب التونسي من الدكتاتورية يتُقن إلى كسب حقوقهن المدنية والسياسية والاجتماعية وتحقيق المساواة التامة والفعلية بينهن وبين الرجال كركن من أركان النهوض بمجتمعنا. ولكنّ رياح الثورة المضادّة جرت بما لا تشتهيه نساء بلادنا ورجالها التقدميون. وسنحاول في المقال التالي تناول جملة من التشريعات الخاصّة بالنساء في المجال الاجتماعي مع التركيز بشكل خاص على فترة ما بعد انقلاب 25 جويلية 2021 للوقوف عند الفجوة الكبيرة القائمة بين القانون والواقع وهو ما يدعونا ونحن نحيي 8 مارس هذا العام إلى مزيد النضال والتعبئة من أجل تغيير واقعنا السياسي والاجتماعي بصورة جذرية لتوفير الشروط الحقيقية لتحرير نساء بلادنا من الميز والاضطهاد.

اتساع الهوّة بين التشريعات والواقع

رغم وجود قوانين عديدة تهمّ حقوق النساء الاجتماعيّة في بلادنا وخاصة منها ما ظهر بعد ثورة 2010-2011 فإنّ واقع المرأة التونسيّة ازداد سوءا مع منظومات الحكم الرجعية المتعاقبة بشقيها الديني والليبرالي وخياراتها اللاشعبية. فقد تفاقم الاضطهاد والتمييز عمليّا رغم ما تتوشّح به الخطابات الرسمية من “انفتاح” ورغم إصدار قوانين لصالح النساء شكليّا تحت ضغط الحركة التقدمية أحزابا ومنظمات ديمقراطية سواء عبر التحرّك من داخل البرلمان أو خارجه ناهيك أنّ دستور 2014 أقرّ صراحة بالمساواة في الحقوق بين الجنسين وهو ما أفشل مناورات حركة النهضة لاجتناب التنصيص على مبدأ المساواة وتعويضه بمبدأ « التكامل ». لكن بعد انقلاب 25 جويلية 2021 سيتم الانقلاب على حقوق النساء خطابا وتشريعا وممارسة. فقد أنكر سعيّد بشكل واضح مبدأ المساواة وسعى إلى تعويضه بمبدأ “العدل” بالمفهوم الفقهي التقليدي الذي يعتبر التمييز الجنسي من باب “العدل”. ولم يكن الاحتفاظ ببعض بنود دستور 2014 في دستور الانقلاب (2022) حول “المساواة في الحقوق والواجبات” إلّا ذرّا للرماد في العيون. ومن جهة أخرى فإنّ سلطة الانقلاب الدكتاتوريّة والمحافظة ستهمل التشريعات التي وقع سنّها بشكل لافت وهو ما سيعمّق الهوّة بين القانون والواقع وهو ما سنبيّنه من خلال أمثلة ملموسة.

1. الحقّ في الشغل

وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء بلغت نسبة البطالة في تونس 15.20 % خلال الثلاثي الأخير من سنة 2025. وقد بلغت نسبة البطالة في صفوف الرجال في حدود 12.60 % أما معدّل البطالة في صفوف النساء فقد بلغ 20.80 %. ومن جهة أخرى فإنّ نسبة البطالة من بين حاملات وحاملي الشهائد العليا وصلت إلى 22.50 % خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025 وتقدر هذه النسبة لدى الإناث بـ 30.50 % في حين تقدّر لدى الذكور بـ 11.70 %. وتعكس هذه النسب بشكل واضح استمرارية الفجوة في سوق الشغل بين الجنسين.

وإذا نظرنا إلى التشريعات فإنّنا نجد أنّ تشغيل النساء في تونس يستند في جانب منه إلى إقرار حقوق المرأة في مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي صدرت في 13 أوت 1956 وفي مجلة الشغل التي صدرت بمقتضى القانون عدد 27 لسنة 1966 (الفصل 68) الذي يؤكّد على حق المرأة في العمل ومبدأ المساواة خاصة عبر حظر التمييز في الأجور وهو ما أكده (الفصل 139). كما نذكر في هذا السياق ما جاء في قانون الوظيفة العمومية قانون عدد 112 لسنة 1983 ضمن المبدأ العام للمساواة في الأجر والراتب بين أعوان الوظيفة العمومية بناء على الصنف والرتبة والدرجة لا على أساس الجنس أو التمييز ووفقا لاتفاقية رقم 100 حول المساواة في الأجور – القانون عدد 21 المؤرخ في 2 جويلية 1968 .

2. قانون تنظيم العمل المنزلي (سنة 2021)

وهو يمثّل نظريّا خطوة لضمان حقوق العاملات المنزليات. فقد نص القانون على ألّا تتجاوز ساعات العمل 48 ساعة أسبوعيا. كما نصّ على ألّا تتجاوز ساعات العمل في اليوم العشر ساعات مع ضمان راحة أسبوعية لا تقل عن 24 ساعة وراحة سنوية في حدود 15 يوما. لكن هذه الخطوة ظلت متعثرة فيما يخص التطبيق بالنظر إلى ضعف المراقبة إن لم نقل انعدامها أحيانا لصعوبة مهمة أعوان تفقدية الشغل ومراقبي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذين لا يمكنهم دخول المنزل إلا بإذن من وكيل الجمهورية.

3. القانون عدد 44 لسنة 2024 المتعلق بتنظيم عطل الأمومة والأبوة في الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص

فهذا القانون وإن كان يوحي بمواكبة المتغيرات لكنه يطرح إشكالية تطبيق قاعدة الحقوق المكتسبة بين الجزئية والكلية وأحيانا حرية الاختيار بين ما نص عليه القانون وما نصت عليه الاتفاقيات المشتركة القطاعية مع عدم دقة بعض الفصول وصعوبة تأويل بعضها أو ورود بعض الفصول على سبيل الإمكان وليس الإلزام.

4. القانون عدد51 لسنة 2019

وهو الذي ينظم “نقل العملة الفلاحيين” كصنف جديد من النقل العمومي بهدف تأمين سلامتهم عبر وسائل نقل مرخّص لها ومجهّزة. لكن هذا القانون لم يجد طريقه إلى التنفيذ عبر آليات محدّدة وهو ما نتج عنه أنّ ما بين سنة 2015 و2023 فقدت 55 عاملة فلاحية حياتهن في حوادث نقل بينما أصيبت حوالي 796 منهنّ في تلك الحوادث بجروح مع العلم أن جلّ العاملات الفلاحيات تتقاضين أجورا زهيدة مقارنة بالرجال مع تردي ظروف عملهنّ. فالعاملة الفلاحيّة تعمل أكثر من 10 ساعات يوميا ولا تتمتّع بأي حقوق ولا بأي تغطية اجتماعية ولا بأجر عادل. وتجدر الإشارة الى أن عدد النساء العاملات في القطاع الفلاحي يقارب 600 ألف امرأة وهنّ يمثلن حوالي 80 % من اليد العاملة في الفلاحة وبالمقابل فإنّهن لا يملكن إلا 0.40 % من الأراضي الفلاحية. وتبلغ نسبة العاملات اللواتي يتمتعن بتغطية اجتماعية حسب دراسة حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء في تونس عرضتها جمعية “أصوات نساء” يوم 13 فيفري 2025 لا تتجاوز 12 % في ظل ظروف عمل تغيب فيها السلامة المهنية. فالعاملات الفلاحيّات عرضة للأمراض والأوبئة نتيجة استعمالهن الأدوية والمبيدات دون استعمال وسائل الحماية والوقاية اللازمة مما يعزز وضعيتهن الهشّة في ظل مواصلة منظومة حكم سعيّد تجاهل وضعهنّ وتحالفها مع الأعراف لمزيد استغلالهن وتعرضيهنّ للطرد التعسفي والتسريح في أي وقت.

5. القانون 58 الخاص بمقاومة العنف المسلّط على النساء

فقد جاء هذا القانون تحت ضغط القوى التقدمية وفي مقدمتها الحركة النسائيّة إثر تصاعد مظاهر العنف المسلّط على النساء في الفضاء المنزلي وفي أماكن العمل وفي الفضاء العام. لكن عدم توفير آليات تنفيذ هذا القانون أدّى إلى استفحال الظاهرة. فعلى سبيل المثال تضاعفت جرائم القتل الشنيعة التي استهدفت النساء على يد الزوج أو الطليق أو أحد أفراد العائلة خاصة خلال الثلاث سنوات الأخيرة: 21 جريمة قتل سنة 2023 و17 جريمة أخرى سنة 2024 و22 سنة 2025.

خاتمة

إنّ الأمثلة التي قدمناها لتأكيد الهوة بين التشريع والواقع إنّما تكشف أنّه لا يمكن للنساء أن يكسبن حقوقهن بشكل كامل وفعلي في ظلّ نظام اقتصادي واجتماعي رأسمالي تابع لا ينتج غير مزيد التبعية والفقر والبؤس ونظام سياسي دكتاتوري واستبدادي لا دور له غير حماية مصالح المنتفعين من ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي من بيروقراطيي دولة وكبار بورجوازيّين محليين وشركات ومؤسسات رأسماليّة أجنبيّة. وهو ما يتطلّب من القوى الثورية والتقدمية في كافة الميادين والمجالات والمواقع مضاعفة الجهود في المستوى الفكري والميداني للتصدّي لهذا النظام الرجعي بشكل ملموس وعبر محاور عمل محدّدة وواضحة وتعزيز النضال في اتجاه الخلاص منه لتحرير المرأة وتمكينها من حقوقها بالكامل ممّا يحرر المجتمع من الاستبداد والاستغلال ويفتح الباب نحو الانتقال إلى مجتمع اشتراكيّ بحق يلغي كافة مظاهر التمييز في التشريعات والممارسة ويوفّر الأرضية لمقاومة كل الأفكار والتقاليد التي تعادي حقوق النساء وتبرّر استعبادهنّ ووضعهنّ الدونيّ.

إلى الأعلى
×