الرئيسية / الافتتاحية / قانون إعدام أسرى الحرية أو عن ملحمة القيد والحرية
قانون إعدام أسرى الحرية أو عن ملحمة القيد والحرية

قانون إعدام أسرى الحرية أو عن ملحمة القيد والحرية

لم يكن تصويت الكنيست الصهيوني على قانون إعدام الأسرى من أحرار وحرائر فلسطين مجرّد إجراء قانوني عابر، بل هو إقرار قانون يكثّف طبيعة الأيديولوجية الصهيونيّة الفاشية والعنصرية وما ينجرّ عنها من ممارسات وحشيّة. وقد جاء هذا القانون في سياق عالمي وإقليمي بالغ الدلالة، حيث يتكشّف بوضوح اختلال موازين القوى الذي يتيح لكيان الاحتلال الانتقال من القتل الميداني إلى تقنين التصفية الجسديّة داخل السجون. ففي ظل الانشغال العالمي باستمرار العدوان على إيران وعلى مجمل المنطقة من قبل الحلف الصهيو-أمريكي وتداعياته الاقتصادية والمالية ومخاطره العسكريّة، يجد الكيان الصهيوني نفسه مطلق اليدين لفرض أكثر القوانين عنصرية وهمجية دون خشية من مساءلة أو محاسبة من قبل هيئات أمميّة رسمية شبه ميّتة خاصّة في ظلّ دعم الدول الغربية منذ البداية حرب الإبادة علاوة على نفاق دول أخرى مثل الصين وروسيا وهو نفاق يساوي التواطؤ نتيجة حسابات مصلحيّة قوميّة وامبرياليّة وتفاقم حالة الوهن غير المسبوقة للنظام العربي الرسمي الذي صار يتكلّم بصوت واحد هو صوت العمالة والخيانة والجبن.

لقد استغلّ العدوّ الصهيوني كلّ ذلك لإصدار قانون إعدام الفلسطينيّين الذي جاء على شاكلة أوامر هتلر في تنظيم الهولوكوست ضد اليهود وضد معارضي النازية، وهو ما يعكس ما بلغه كيان الاحتلال من فشستة ومن سقوط مقابل التفوق النضالي والأخلاقي للمقاومة التي تابع العالم معاملتها الإنسانيّة للأسرى الصهاينة حتّى من العسكريين والأمنيين، وهو ما يؤكد المسافة الشاسعة بين حركة التحرر الوطني وبين قوات الاحتلال العنصري التي لا أخلاق ولا قيم ولا احترام لها للأدنى القانوني المثبت في اتفاقيات دولية حرصت على التنصيص على وجوب المعاملة الأخلاقية والإنسانيّة لأسرى الحروب. لذلك بقدر ما عمّ السخط أوساطا عارمة في العالم، انتبه العديد إلى هذا الفارق النوعي بين حاملي لواء أرقى القيم الانسانية وبين حاملي أحط مظاهر الوحشية وأبشعها. ولا غرابة في الأمر فالإمبريالية وربيبتها الصهيونية لم تحملا للإنسانية إلّا مشاريع القهر والظلم وهو ما كرسته المنظومة الاستعمارية ماضيا وحاضرا.

لقد أيقظ صدور هذا القانون النازي ضمير أوساط متنامية في العالم التي لم تتفاجأ به، كما لم تتفاجأ من أن يصدر عن مجرمين من فصيلة نتنياهو / بن غفير/ سموتريتش الذين رفعوا منذ 7 أكتوبر 2023 مستوى التنكيل بالأسرى إلى درجة غير مسبوقة حتى في تاريخ الاحتلال ذاته، وقد تابع العالم في وسائل الإعلام الزيارات الاستعراضية للمجرم بن غفير لزنزانات الأسرى لينتهك كرامتهم أمام الكاميرات ويهدّدهم بالقتل كما فعل مع الأسير الرمز مروان البرغوثي. لقد مارست آلة الحرب الصهيونية كل أشكال الاعتداء على إنسانية الإنسان لا بالقتل وتدمير المباني والمنشئات كما تمّ في غزّة والضفّة فحسب، بل أيضا من خلال ممارسات بشعة قروسطية تتمثّل في تعرية الموقوفين وطرحهم أرضا في عزّ شتاء غزة والضفّة، والقصد واضح من ذلك وهو ضرب الإرادة الفلسطينية التي أذهلت العالم وعبأت مئات الملايين من البشر في العالم إسنادا لقضية فلسطين العادلة. إن الشعب الفلسطيني، شعب الجبّارين الذي يخرج دائما من تحت الدمار أقوى من قبل، لا بدّ من ضربه في مقتل، لا بدّ من ضربه في معنوياته ونفسيته وآماله وطموحاته. هكذا فكرت وتفكر مطابخ القرار الصهيوني النازي وداعمه الامبريالي الأمريكي الغربي، لكنّ هذه المطابخ تتغافل عن كون الفلسطيني/الفلسطينيّة عامّة والمقاوم/ـة أو أسير/ة الحرية لا يسقط/تسقط ولا يخضع/تخضع ولا يرفع/ترفع الراية البيضاء.

لقد نكّل الاحتلال الإسباني/البرتغالي بشعوب أمريكا الجنوبية، ونكّل الاستعمار الانجليزي بقادة الشعوب الهندية والإفريقية، ونكّل الاستعمار الفرنسي بقادة الشعوب الإفريقية والعربية ومنها قادة الثورة الجزائرية، ونكّلت النازية الهتلرية بقادة المقاومة الفرنسية والسوفياتية والبلغارية… ونكّل الاحتلال الأمريكي بقادة فيتنام وكوريا… لكن ذلك لم يفلّ في عزائم الأحرار والحرائر، بل تحوّل إلى أحد خمائر شحن العمل الثوري والتحرري، وهو ما سيقوم به أسرى الحرية في معتقلات/محتشدات العدوّ الصهيوني. إن المقاوم الفلسطيني لا يتردد ولا تهتز له قصبة في مواجهة حبل الإعدام، لكن الموت الفعلي هو موت الجلادين، موت الغزاة والمحتلين الذين فرضت عليهم صواريخ إيران والمقاومة اللبنانية العيش في الملاجئ خوفا ورعبا فيما اختار العديد العودة إلى أوطانهم الأصلية التي جاؤوا منها غزاة.

وهكذا فإن القانون الصهيوني الجديد هو مناسبة لمزيد الفرز بين قوى الحرية، وقوى الظلم. بين النضال المتماسك انتصارا لقضايا الشعوب، وبين التعامل الانتقائي بما في ذلك للفيف من المنظمات الحقوقية التي يعلو صوتها ضدّ أيّ فعل مقاوم، لكن الصوت يخفت ويخبو حين يتعلق الأمر بأفعال الاحتلال، ولا يتعلق الأمر بالمنظمات والمؤسسات فحسب، بل أيضا بعديد الدول البورجوازيّة التي تكيل بمكيالين في قضايا حقوق الإنسان وغيرها. أمّا أنظمة العار والخيانة في منطقتنا، فسلوك النعامة يتواصل ويستمر ولا غرابة في هذا التواطؤ الذي هو سمة جوهرية لأنظمة عميلة وظيفيّة حوّلت أرض شعوبها إلى منصات عدوان على الشعب الإيراني الشقيق، وتآمر على فلسطين ولبنان واليمن والسودان وليبيا…

إنّ قناعتنا مع قناعة كل حرائر العالم وأحراره أنّ الاحتلال وكل داعميه واهمون إن ظنّوا أن مثل هذه القوانين يمكن أن تكسر إرادة الأسرى أو تُخضع شعب فلسطين. فالأسرى الفلسطينيون، نساءً ورجالًا وأطفالًا، لم يكونوا يومًا ضحايا صامتين، بل كانوا دومًا طليعة الصمود، يحوّلون الزنازين إلى ساحات مقاومة، ويجعلون من القيد عنوانًا للحرية. إنهم الشاهد الحيّ على أن القمع، مهما بلغ من وحشية، يعجز عن إخماد إرادة التحرر. ولقد كانت الحركة الأسيرة منذ اندلاع الثورة الفلسطينية فصيلا أصيلا من حركة التحرر الوطني لم تكفّ عن تقديم المبادرات والخطط والبرامج لتسهم في التقدّم بالنضال الوطني الفلسطيني.

إن هذه اللحظة التاريخية تفرض مهامًا واضحة على القوى الديمقراطية والتقدمية في الوطن العربي، التي لم يعد مقبولًا منها الاكتفاء بالشعارات أو المواقف الرمزية. فكما قال جورج حبش، فإن دعم القضية الفلسطينية لا ينفصل عن مقاومة الأنظمة التابعة والعميلة. وعليه، فإن فضح سياسات هذه الأنظمة، وكشف تواطئها مع العدو، وتحريك الجماهير في مواجهتها، يصبح جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني الفلسطيني نفسها. وفي الآن ذاته، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء جبهة تضامن أممي حقيقية، تجمع القوى الثورية والديمقراطية المعادية للفاشية والامبريالية والحروب عبر العالم، من أجل عزل هذا الكيان وداعميه سياسيًا وأخلاقيًا، ودعم نضال الشعب الفلسطيني بكل أشكاله. فالمعركة لم تعد محلية أو إقليمية فحسب، بل هي معركة كل أحرار العالم وحرائره ضد نظام جائر يعيد إنتاج أبشع أشكال الاستعمار والعنصرية. وما من شكّ في أن للثوريين والتقدّميّين في تونس نصيبهم من هذا النضال دعما لشعب فلسطين: التشهير بالقانون الجريمة والمساخمة إقليميّا وعالميّا في فضحه والعمل على إبطاله علاوة على مواصلة المعركة من أجل فرض قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي حال دون صدوره قيس سعيّد.

وفي زمن تتكالب فيه القيود، يظلّ صوت الحرية أعلى، وتبقى إرادة الشعوب عصيّة على الكسر:

يا قيدُ لن تكسرَ الأحلامَ في دمِنا
نحنُ الذينَ إذا ضاقتْ بنا سُبُلٌ
أشعلْنَا الأرضَ إصرارًا على النصر

إلى الأعلى
×