بقلم جيلاني الهمامي
شنّت السلطة في الأيام الماضية هجوما عشوائيا على النشطاء والشباب المحتج وقامت باعتقالات واسعة شملت عددا من المشاركين في مسيرة يوم السبت الماضي (السبت 19 سبتمبر 2026) وإيقافات في صفوف المعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات. و”فبركت” لهم في الإبّان ملفات قضائية وأودعتهم السجن بعد تأجيل موعد الإيقاف أكثر من مرّة وبذلك انضاف لجملة القضايا المعروفة في تونس، التآمر 1 والتآمر 2 وأسطول الصمود والصحافيين الخ… قضية جديدة هي قضية المسيرة أو قضية “المس من رموز الدولة”.
إن الطريقة التي تمّت بها عملية مداهمة مقار سكنى الموقوفين ليلا وبأساليب خلنا أنها انتهت وتوسيع دائرة الاعتقالات والتعجيل بفتح تحقيق قضائي في شأنهم وتمديد مدة الاحتفاظ، كل هذه الممارسات التي عاشت على وقعها العديد من العائلات وجانب من الرأي العام أعادت إلى الأذهان ما كان سائدا في سنوات الجمر في عهد الاستبداد البورقيبي وبن علي من بعده. ولكن أيضا نبّهت الجميع إلى درجة التقهقر التي بلغتها أوضاع الحريات في بلادنا مقابل درجة تغوّل سلطة الاستبداد الجديد السائد في السنوات الأخيرة. وأكثر من ذلك كشفت في خضم المشاعر والانطباعات المتضاربة التي خلفتها حملة القمع الأخيرة لدى دائرة واسعة من الناس، عن الرعب الذي يسكن قلوب وعقول الذين كانوا وراء الحملة وأصحاب القرار السياسي والأمني.
إن تجنيد أجهزة الشرطة الفنية بطمّ طميمها لتصوير المسيرة وتجنيد أعداد مهولة من أعوان البوليس لمراقبة المسيرة ورصد كل تفاصيلها وتتبع العديد من العناصر الناشطة في تنظيمها تؤكد بلا شك أن السلطة بكل أجهزتها كانت، وهي تتابع الأخبار، قد استعدت لهذا الحدث “الجلل” بدليل أنها اعتمدت على الصور التي أخذتها للمتظاهرين وانطلقت مباشرة بعدها في المداهمات والإيقافات والتحقيق مع الموقوفين ورفع الأبحاث إلى النيابة العمومية لتكوين ملف القضية. بعبارة أخرى كانت السلطة في انتظار هذه اللحظة لتضع أمرا خططت له موضع تنفيذ. وما هو هذا الأمر؟ إنه الإعلان بشكل صريح وواضح أن لا مكان للتظاهر في تونس بعد اليوم. هذه هي الرسالة المراد نشرها على أوسع نطاق. فبدعوى “المسّ من رموز الدولة”، اقرأ قيس سعيد، فإن كل من سيتظاهر من الآن فصاعدا سيكون عرضة للإيقاف والتتبع والسجن.
ما مغزى هذا التطور؟
إن إيقاف عشرات من المتظاهرين سواء يوم السبت 19 سبتمبر الماضي أو في احتجاجات أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل يمثل انعطافة خطيرة في مسار تركيز منظومة الاستبداد الشعبوي ونسف مكسب الحريات الذي أتت بها ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي 2011 يتمّ فيها القضاء على آخر ما تبقى تقريبا من “حريات الثورة”. فبعد تحوير الدستور واستصدار سلسلة المراسيم والقوانين ومنها خاصة المرسوم 54 وبعد حل العديد من الهيئات والمؤسسات أوتجميدها (الهايكا، المجالس البلدية، المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي، المجلس الأعلى للقضاء الخ…) وبعد وضع اليد على مؤسسات الإعلام ومحاصرة الأحزاب والمنظمات والجمعيات وتصحير الحياة السياسية والفكرية ها هي سلطة الانقلاب تمرّ إلى منع المظاهرات حتى لا يبقى للشعب التونسي وفعالياته المدنية والسياسية الإمكانية للتعبير عن موقفها مما يحصل في البلاد.
إن الشعبوية لا تكتفي ببلاد صحراء خالية من الحركة والنشاط بل تريد أن تصبح البلاد مقبرة خالية من كل مظاهر الحياة. تلك هي الوضعية المثلى التي تهدف الشعبوية إلى تحقيقها حتى يتسنى لها بسط نفوذها على المجتمع والشعب والبلاد الآن وفي المستقبل. وقد شرعت في العمل من الآن لتستبق الأحداث وتعد كل شيء من أجل أن تكون المناسبات الانتخابية القادمة وخاصة الانتخابات الرئاسية مجرد عملية فلكلورية سمجة لتجديد خضوع البلاد لطاعون الاستبداد والحكم الفردي المريض. ولكن هذه الحسابات التي تنبني بكل غرور وسذاجة على القولة الفرنسية «toutes choses étant égales par ailleurs» لم تأخذ في الاعتبار طوارئ الزمن وصروف الدهر أو بلغة السياسة المعاصرة تطورات الصراع الطبقي والسياسي.
هذا ما يستشف ظاهريا من هذا التصعيد القمعي غير المفاجئ ولكن للحقيقة أوجه أخرى.
من علامات النهاية
فاللجوء للقوة والتصعيد في قمع الحريات ليس بالضرورة علامة قوة بل العكس صحيح ووراء كل حملة قمعية هناك مخاوف لدى السلطة من أن تفقد سيطرتها وتنفلت الأمور فتصبح مهددة بفقدان نفوذها. كل حركة احتجاجية مهما كان حجمها هي في منظور النظام الفاشستي حمالة لبذرة انتفاضة عارمة وعليه وجب قمعها في المهد. وكل تيار سياسي أو حزب أو حتى مجموعة نشطاء معارضين من الوارد أن يستقطبوا الرأي العام وأن يتحولوا إلى خصم قوي بمقدوره تهديد النظام لذلك وجب مراقبتهم ومنعهم والتضييق عليهم وعند الاقتضاء افتعال قضية ضدهم والزج بهم في السجن للتخلص منهم.
إن كل مغالاة في التطرف الاستبدادي والقمع والظلم تنبع في الأساس من حالة الرعب التي تستبد بالسلطة القمعية التي لا تثق في شيء ولا ترى من حولها إلا ما يهددها ويستهدف وجودها. وحينما تتواتر حملات القمع مثلما يجري في تونس في الأشهر الأخيرة فاعلم أن قيس سعيد ومن حوله في منظومة الحكم قد تملكهم الضعف وسيطر عليهم الخوف من السقوط وخسارة كرسي الحكم. والحقيقة أن التصعيد القمعي بالقدر الذي نراه اليوم هو في حدّ ذاته علامة على أن منظومة الحكم فقدت كل الوسائل السياسية والشرعية للاحتفاظ بالحكم ولم يتبق لها في سبيل ذلك غير العصا. ولكن تاريخ النضال السياسي في عالمنا المعاصر وتاريخ نضال الشعوب من أجل الحرية والعيش الكريم يؤكد أن أكثر ما يتسبب في انهيار نُظُمٍ الحكم إنما هو القمع ومنع الحرية ونشر الخوف. وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القمع لا يبني حكما مستداما بقدر ما ينمي كل عوامل خراب السلطة والمجتمعات.
إن لجوء قيس سعيد وحكومته للأساليب المنافية للحريات والديمقراطية تؤشر بوضوح على أن أيام هذه المنظومة باتت معدودة. فهي عاجزة بتمام الوضوح أيضا عن إدارة شؤون الدولة والمجتمع وعن تلبية حاجيات الشعب والاستجابة لانتظاراته. في المقابل من ذلك تكثّف من أعمال التعدي على حقوق الناس وانتهاك حرياتهم بحيث لم يسلم من ذلك أي قطاع من القطاعات ولا فئة من فئات الشعب، السياسيون ونشطاء المجتمع المدني والصحافيون والمدونون والنقابيون ورجال الأعمال والعاطلون عن العمل وغيرهم.
وبطبيعة الحال فإن سلطة تَسْتَعْدِي الجميع وتَعْتَدِي على حقوق الجميع ماذا تبقى لها لتكوين حزامها السياسي وقاعدتها الاجتماعية ومن سيتولى الدفاع عنها عند الشدة؟ يعلم الجميع في هذا الصدد أن قيس سعيد لا يعوّل من منطلق المفهوم الشعبوي للسلطة إلاّ على الأجهزة الصلبة للدولة التي ولئن شكلت حتى الآن حصن نظامه وأدواته في بسط نفوذه فإنها جُبِلَتْ كأجهزة على خدمة من هو في كرسي الحكم بصرف النظر عن اسمه ومميزات شخصيته شرط أن يكون قادرا على تبجيلها وحماية مصالحها وتوفير الضمانات على استقرارها وديمومتها. فهذه الأجهزة في بلادنا كما في كل بلدان الدنيا لا تدين إذن بالولاء إلا لمن هو أهل بالولاء. وفي كم تجربة في العالم بما في ذلك في تونس سنوات 2011 وما تلاها أثبتت أن لا طاعة مطلقة ولا ولاء دائم في منظور هذه الأجهزة التي تتعامل مع الدولة كمفهوم مطلق وككائن خالص مهما تقلّبت الأوضاع وتغيّرت الأحوال.
فاليوم زيد وغدا عمرو.
صوت الشعب صوت الحقيقة
