الرئيسية / صوت الوطن / “المدوّنة العدلية” أحد أعمدة مشروع إعادة بناء القطاع
“المدوّنة العدلية” أحد أعمدة مشروع إعادة بناء القطاع

“المدوّنة العدلية” أحد أعمدة مشروع إعادة بناء القطاع

بقلم هيثم المحجوبي

من أيام الاستعمار المباشر إلى أيامنا هذه مثل قطاع العدلية أحد المكونات النوعية في الجسم النقابي بتونس. وقد عرف القطاع وبصرف النظر عن المآلات الشخصية الراهنة لتجارب هذا أو ذاك من قادته، إسهامات نضالية اعتبارية وملاحم من الصمود والتمسك بالدفاع عن حقوق الشغالين في وجه الاستعمار المباشر والجديد، وقدم قادته الغالي والنفيس من التضحيات دفاعا عن راية الاتحاد وانتصارا لحقوق الشغالين. ونشير هنا من باب الذكر لا الحصر إلى الصادق الشايبي رفيق درب فرحات حشاد وعضو المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل سابقا.

ويتعرض قطاع العدلية، أهم مكونات الجامعة العامة لأعوان وموظفي وزارة العدل وأملاك الدولة والملكية العقارية، منذ نهاية المدة النيابية السابقة ومع انتخاب المكتب التنفيذي الجديد بتاريخ 17 أوت 2024، إلى هجمة غير مسبوقة، استهدفت عشرات الأعوان والإطارات والنقابيين بالنقل التعسفية والإيقاف عن العمل وصولا إلى العزل والملاحقات القضائية بما أربك النشاط النقابي وعزل الموظفين عن أداتهم النقابية المدافعة عن مصالحهم وسهل انقلاب وزارة العدل على مجمل اتفاقاتها وفتح أمامها المجال لتسيير المرفق وفق سياسة العصا الغليظة، ومكنها من التراجع دون مقاومة تذكر عن دورها في توفير ظروف عمل لائقة ناهيك عن التفافها على كل المكاسب القانونية والاجتماعية مما زاد من معاناة الأعوان. وفي سياق متصل أقر المؤتمر الأخير في لائحته الداخلية تكوين لجنة تفكير في مستقبل القطاع  خاصة مع ظهور مؤشرات جادة حول نوايا السلط ضرب العمل النقابي ومنها صدور الأمر الرئاسي 44 لسنة 2022 وفبركة قضايا لنقابيي جهة صفاقس على خلفية نشاطهم النقابي صائفة 2023. وفي هذا الإطار وضمن أطر تفكير انفتحت على عناصر نقابية من داخل الجامعة العامة وخارجها وبالاستئناس بتجارب نقابيين سابقين، رأت المدونة العدلية النور كأحد محاور إعادة الاعتبار لكتابات المحاكم من الصنف العدلي عبر تسليط الضوء على دورهم وواقعهم وسبل تطويره.

المدونة العدلية كتتويج لأعمال خلايا التفكير صلب القطاع

مثلما سبق وأشرنا شهد العمل النقابي تحت ضربات النقل التعسفية ومجالس التأديب التصفوية والمحاكمات الكيدية ضد النقابيين والموظفين على حد السواء، تراجعا كبيرا وربما هو التراجع الأبرز في مقياس التراجع العام لدور العمل النقابي في البلاد ككل تحت وطأة الإجراءات المعادية للعمل النقابي التي قامت بها السلطة. حيث شهدت معظم النقابات الأساسية والفروع الجامعية نوعا من التفكك وبات العمل النقابي في القطاع أقرب إلى شبهة وجب عليك درؤها حتى تسلم من بطش الإدارة. فبات “الهدف” الهيكلي في عديد من المناسبات هو “حماية” الهيكل النقابي واستمرار نشاطه ولو كجهة اتصال رسمية. ورغم ذلك لم تسلم عديد الهياكل النقابية من الاعتداءات الإدارية وفبركة القضايا التي لم تتوقف يوما. وفي هذا الإطار جاءت فكرة إنشاء ثلاث محاور دفاعية عن القطاع يعنى الأول بالجوانب المتعلقة بالإطار القانوني المنظم للقطاع والثاني ببعث مرصد نقابي و محور ثالث علمي أكاديمي يعنى بتسليط الضوء على الدور المحوري لكتابات المحاكم في سير الأعمال القضائية، واقع هذا السلك وأي السبل لتطوير واقعه بما يؤثر إيجابا على سير مرفق العدالة ككل. وقد مثل هذا التمشي تتويجا لنقاشات صلب القطاع وبالتعاون مع أقسام وخبراء الاتحاد وخاصة قسم الحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم. لقد مثلت خلايا التفكير إذا إطارا استباقيا تفطن مؤتمر الجامعة العامة الأخير إلى ضرورة بعثه وأثبت حيويته في ضبط الخطط الكفيلة بإعادة بناء العمل النقابي وكإطار يجمع خبرات من داخل الجامعة العامة وخارجها باعتماد أطر مرنة لا تخضع بالضرورة للضوابط الرسمية لهيكلة الاتحاد ولكن في تناغم مع التوصيات الداخلية للمؤتمر العام للجامعة العامة. وقد مثلت نصوص العدد الأول من “المدونة العدلية” خلاصة بعض محاور أعمال ورشات التفكير الداخلية.

المدونة العدلية كإطار فكري وأكاديمي يعنى بإعادة الاعتبار لدور كتابات المحاكم من الصنف العدلي

ليست “المدونة العدلية” أول تجربة في هذا الصدد بل سبقتها محاولات أخرى من قدماء القطاع مثل “كتابة المحكمة” وهي نشرية داخلية مهنية ثقافية اجتماعية أصدرتها ودادية رؤساء كتبة المحاكم سابقا، نهاية الثمانينات إلى أوائل التسعينات وتولت نشرها مطبعة وزارة العدل.

فمثلما جاء في كلمتها للقراء بعددها الأول قدمت “المدونة العدلية” نفسها كـ” فضاء للبحث والتحليل، ومنصّةً لتوثيق التجارب، واستقراء التحولات التي يمر بها مرفق العدالة..” وأنها “تُولي عنايةً خاصة بالمسائل القانونية والتنظيمية، والأبعاد الإجرائية والمهنية والاجتماعية المتصلة بعمل كتابات المحاكم العدلية.” و”تجمع بين دراسة النصوص، وتحليل التطبيقات العملية، والاستفادة من التجارب المقارنة، إلى جانب رصد مستجدات بيئة العمل داخل المحاكم.” وكونها “تطمح إلى ترسيخ وعي وظيفي يُسهم في فهم الواقع، وتشخيص التحديات، وطرح الأسئلة الجوهرية، واستشراف آفاق التطوير؛ لتكون «المدونة العدلية» ساحةً تتكامل فيها رؤى الباحث والممارس والقارئ المهتم، ملتزمةً بأعلى معايير الموضوعية، والرصانة العلمية، والاحترافية المهنية، مع الانفتاح على تنوع الآراء وثرائها.”

وفي كلمة فإن المدونة ترى نفسها “أداة لبحث المؤسسات، وفهم الفاعلين فيها، والتأمل في آفاقها المستقبليّة.”

وبذلك يمكن القول أن المدونة العدلية تربط انشغالها بتسليط الضوء على كتابات المحاكم من الصنف العدلي باشتغالها، كأحد الأذرع العلمية للجامعة العامة في سلك كتابات المحاكم من الصنف العدلي، على واقع مرفق العدالة ككل الذي لا يمكن الحديث عن تطويره دون تطوير نشاط “حُرّاسُ الحَقّ… وَعَقْلُ المِرْفَق”، أي كتابات المحاكم كما قدمتهم افتتاحية العدد الأول. وفي إطار نفس توجهها القائم على الانفتاح ستصدر “المدونة العدلية” قريبا باللغة الانجليزية والعربية وستفتح المجال لكتابات المحاكم عبر العالم للكتابة لها بما يفتح فضاء تبادل الخبرات النقابية والأكاديمية بين كتابات المحاكم أينما كانوا.

المدونة العدلية كفضاء للبحث والتفكير

كون المدونة العدلية مجلة تصدر عن الجامعة العامة لا يعني أنها حكر على التصورات النقابية الرسمية، بل أن المدونة أعلنتها بوضوح من خلال افتتاحية العدد الأول كون هيئة تحريرها ترى أن ” ما تحتاجه كتابة المحكمة اليوم ليس خطاباتٍ مطلبية عابرة، بل مشروعاً علمياً يطوّر هويتها المهنية، ويؤصل وظائفها في ضوء القانون، والإدارة الحديثة، والرقمنة، والحوكمة الرشيدة، والتجارب المقارنة التي جعلت من الإدارة القضائية علماً استراتيجياً قائماً بذاته.” وبذلك فهي لا ترى أن دورها يتمثل في نشر لوائح مؤتمرات هياكلها وبياناتها ولا ترى أنها ستكون حكرا على مشاريع خلايا التفكير المنبثقة من الهياكل النقابية بل هي فضاء مفتوح على الداخل العدلي وعلى جميع المهتمين بالمسائل القانونية والإدارية وغيرها من المسائل المرتبطة بنشاط مرفق العدالة. وهو ما أعلنته في شروط المشاركة بالكتابة لها حيث تشترط فقط أن تكون المساهمة أصيلة وغير منشورة سابقا وان تتناول أحد محاور العدد كما حصرت تدخلها في إجراء التعديلات الشكلية واللغوية اللازمة وكون المساهمات تخضع لمراجعة العلمية والتحريرية قبل النشر.

المدونة العدلية كإطار لصد الهجمة وإعادة بناء القطاع

إن الشعور السائد لدى شرائح واسعة من قطاع العلية هو الشعور بالغبن، شعور يلخص ربما “التاريخ الخاص” للقطاع بعد الثورة ضمن التجربة العامة للشعب التونسي مع مطالب وأحلام ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي. وكذلك الشأن بالنسبة لبنات وأبناء القطاع حيث يعتبر جزء واسع منهم أن القطاع قاد “ثورة” مطلبية بداية العشرية الحالية وكان ينتظر تحقيق عديد المطالب القانونية والمادية والاجتماعية التي كانت لتمحو أثر سنين من الكد والعمل دون حقوق تذكر. وقد كانت الحصيلة مخيبة لآمالهم بصرف النظر عن الجهة أو الجهات التي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية ضياع عديد مطالب القطاع، والأكيد أن هياكل الاتحاد تتحمل جزءا مهما من المسؤولية، ودون أن ننفي المسؤولية عن عوامل أخرى من قبيل شق صفوف القطاع عبر نقابات موازية، وموقع الهياكل القطاعية في سلم أولويات المكتب التنفيذي الوطني، فالأكيد أن 25 جويلية قد افتتح مشروعه بتنقيح الأوامر المنظمة للقطاع على النقائص التي شابتها وأعلن منذ أيامه الأولى أن الدولة تدار بالقوانين وليس بالاتفاقيات معلنا قبر كل الاتفاقيات القطاعية والتي تؤكد عديد المصادر أن بعضها، من قبيل الترقية الاستثنائية، قد أرسلت للمطبعة الرسمية لتصدر بالرائد الرسمي وتم سحبها يوم 25 جويلية 2021.

تتالت بعد ذلك الضربات الموجهة للعمل النقابي التي زادت معنويات الأعوان والموظفين تدهورا وعمقت الشعور باليأس في صفوفهم وأعادت تقاليد “السمع والطاعة” في ظل التهجم على الموظفين وشيطنتهم وترذيل مهامهم وتبخيس جهودهم في وسائل الإعلام الرسمية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، رغم أنه لولا جهود العدليين لما تواصل مرفق العدالة يوما. وفي هذا الإطار من القصف المكثف على القطاع ولدت “المدونة العدلية” لنفض غبار الحرب عن سلك كتبة المحاكم من الصنف العدلي وتثمين دورهم عبر إبراز الأدوار الحيوية التي يؤمنونها والمخاطر التي يتكبدونها ومهمتهم الأصلية في الإشهاد على صحة إجراءات التقاضي وما يمثله ذلك من أحد الضمانات الأساسية لشروط المحاكمة العادلة والأمان القانوني للمتقاضين. إن رسالة “المدونة العدلية” لبنات وأبناء القطاع هي إذا أن “ارفع راسك فأنت كاتب محكمة” ودعوتها لكل موظف هي أن “يدون واقعه ويرسم مستقبله” كما جاء في الكلمة الموجهة للقراء.

وإذ نستغل هذه الفرصة التي أتاحتها لنا صوت الشعب مشكورة، فإننا نجدد الدعوة لجميع المهتمين بقضية العدالة، بأن يراسلوا المدونة العدلية عبر بريدها الإلكتروني corpusdesgreffes@gmail.com.

إلى الأعلى
×