بقلم وليد المرداسي
تبدو ليبيا اليوم وكأنها تدور في حلقة مفرغة من التهدئة الهشة، التي لم تكن يوماً صلحاً حقيقياً بقدر ما كانت استراحة محارب فرضتها بورصة المصالح الدولية والإقليمية. فعقد كامل من الزمن يثبت أن استقرار هذا البلد الغني ظل مشروطاً بمدى توافق العواصم الخارجية، لا بإرادة النخب المحلية. واليوم، يأتي تلويح القوى الميدانية بإعادة إحياء المجالس العسكرية ليعيد خلط الأوراق بالكامل، معلناً انتهاء صلاحية الحلول الدبلوماسية المستوردة. هذا التصعيد الأخير لا يهدد فقط بانهيار الهدوء الحذر، بل يضع المشهد الليبي أمام حقيقة حرجة: إما الرضوخ لتقاسم نفوذ خارجي من جديد، أو العودة إلى لغة البنادق التي تفرض شروطها بوضوح تعجز عنه طاولات الحوار.
حلف المدن الإحدى عشرة: مؤشر خطير لاشتعال الميدان من جديد
لم يكن الاجتماع التاريخي المفاجئ الذي ضم ممثلي المجالس العسكرية من إحدى عشرة مدينة في الغرب الليبي يوم 17 سبتمبر 2026 في مدينة مصراتة مجرد مناورة تقليدية أو استعراض قوة فحسب؛ بل هو إعلان سياسي بليغ الخطورة عن ولادة جبهة ميدانية موحدة تسعى لانتزاع شرعيتها التأسيسية من فوهة البندقية. هذا التحشيد المنظم، الذي انطلق من الثقل العسكري التاريخي لمدينة مصراته، يعكس تململاً عميقاً من المشهد السياسي المأزوم القائم، فالقوى الميدانية الحية باتت ترى أن حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في طرابلس، قد بالغت في الارتهان إلى صفقات فوقية مشبوهة، تحولت معها السلطة إلى “أصل تجاري عائلي” يُستخدم لتقاسم النفوذ وتوزيع عوائد النفط، مع تجاهل تام للموازين الحقيقية للقوى الفاعلة على الأرض.
إن خطوة تشكيل اتحاد موحد لهذه المجالس العسكرية هي بمثابة سحب بساط الشرعية الأمنية الزائفة من تحت أقدام النخبة الحاكمة في طرابلس. هذا التمرد المسلح الصامت يحمل رسالة مشفرة إلى المبعوثين الدوليين ومهندسي الاتفاقيات الفوقية: “كل ما يُطبخ في قاعات الأمم المتحدة المكيّفة لا يساوي ثمن الحبر الذي كُتب به، ما لم يحظَ بمباركة فوهات البنادق بالغرب الليبي “. وهي إشارة واضحة إلى الرفض والميداني لأي تسويات ثنائية تسعى واشنطن وعواصم إقليمية لتمريرها خلف الستار لترسيخ حكم نخبوي دائم يقتسم كعكة البلاد.
معادلة النفط والنفوذ: الشركات العابرة للقارات تنهب وتقتسم الجغرافيا الليبية
لا يمكن قراءة حراك المجالس العسكرية بمعزل عن الصراع الإمبريالي المحموم على الجغرافيا الليبية وثرواتها المنهوبة، فالبلاد تعيش حالياً تحت وطأة استقطاب دولي عنيف؛ حيث تعيد الولايات المتحدة إنتاج مبادرات أمنية مشبوهة تسعى للمقايضة الفجة بين تدفق الاستثمارات والشركات الأجنبية وبين إعادة هيكلة المشهد الأمني، لضمان تدفق النفط الرخيص إلى الأسواق الغربية وتأمين مصالح شركات الاحتكار العالمية للطاقة. وفي المقابل، لا تبدو روسيا مستعدة بأي حال للتفريط بمكاسبها الاستراتيجية وتواجدها العسكري الصلب في الشرق والجنوب الليبي عبر فيالقها، بينما تواصل القوى الإقليمية الأخرى ضبط إيقاع وكلائها في الغرب لحماية خطوط نفوذها الحيوية.
لقد تجلى هذا التكالب الإمبريالي بوضوح في التقارير والاتهامات الدولية المتسارعة التي حاولت الزج باسم قاعدة مصراتة العسكرية في أتون حرب المسيرات بالبحر المتوسط واستهداف أساطيل النقل الروسية؛ وهي المزاعم التي سارعت وزارة الدفاع الليبية لنفيها تماماً. هذا التضارب الجيوسياسي حوّل الملف الليبي إلى ما يشبه “المناقصة المفتوحة”؛ فكلما اقتربت الأطراف الدولية من صياغة تسوية تخدم مصالح الاحتكارات الرأسمالية والشركات العابرة للقارات، تحركت القوى المحلية الميدانية لرفع سقف مطالبها، مستغلةً حاجة العواصم الخارجية لفرض بيئة آمنة حول منابع الطاقة وممرات الهجرة غير الشرعية التي تؤرق الضفة الشمالية للمتوسط.
تحالف السماسرة: خريطة طريق بلا طريق
تثبت التطورات الميدانية المتلاحقة أن البعثة الأممية في ليبيا لا تزال تعيد إنتاج الفشل ذاته عبر تغليب الحلول الفوقية المعزولة عن الواقع الاجتماعي. فرغم التفاهمات النظرية البراقة والحديث المتكرر عن مخرجات اللجان العسكرية المشتركة مثل لجنة (5+5)، والاتفاقات المصغرة الهشة مثل مسار (4+4)، إلا أن الواقع على الأرض يتجه نحو مزيد من التشظي الاجتماعي والاقتصادية، فان الخطة المقترحة للوصول إلى استحقاق انتخابي توافقي أو تشكيل سلطة تنفيذية موحدة أصبحت محاصرة برفض ميداني واسع من القوى التي ترى في هذه الأوراق الصورية محاولة لتصفيتها سياسياً وإفساح المجال لطبقة جديدة من السماسرة.
فالمجالس العسكرية، بتلويحها بالعودة وتشكيل اتحادها، أعلنت عملياً موت المسار الدبلوماسي بصيغته القديمة، فالأزمة في ليبيا ليست أزمة نصوص دستورية أو أوراق اقتراع تُفرغ في صناديق زجاجية، بل هي أزمة سلاح منفلت يبحث عن مظلة سياسية تحميه، ونخبة سياسية متآكلة تبحث عن حماية مسلحة للبقاء في سدة الحكم واحتكار مقدرات الشعب دون أدنى تفويض حقيقي من الجماهير.
تدهور أوضاع المعيشية: فوهة المدفع الأكبر القابل للانفجار
خلف غبار البيانات العسكرية ولغة التهديد، يختبئ المحرك الفعلي للأزمة، إنه فعلا الصراع الطبقي الصامت والعميق الذي يمزق المجتمع الليبي من قاعه. فبينما ترزح الفئات الشعبية الواسعة والشباب تحت وطأة تضخم خانق، وغياب للخدمات الأساسية، وبطالة مدمرة، واختناقات في شبكات الكهرباء والسيول الموسمية التي تضرب المدن بلا بنية تحتية تحميها، تتراكم الثروات الفاحشة في أيدي قلة من أمراء الحرب، وسماسرة الاعتمادات المصرفية، ورجال الأعمال المرتبطين بالسلطة التنفيذية.
إن غياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة النفطية الهائلة جعل من الانخراط في التشكيلات المسلحة والمجالس العسكرية الخيار الاقتصادي والوجودي الوحيد لآلاف الشباب الليبيين الذين حُرموا من التنمية الحقيقية ، فهذه الجماهير المهمشة لم تعد تنطلي عليها شعارات “الديمقراطية المستوردة” أو “الاستقرار التوافقي” الذي لا يجني ثماره سوى اللصوص في طرابلس وبنغازي؛ وبالتالي فإن تحرك المجالس العسكرية وتلويحها المباشر يجد حاضنته الحقيقية في هذا التذمر الشعبي الواسع من سياسات الإفقار الممنهج وتهريب مقدرات الوطن.
سيناريوهات الاحتكام للبنادق
تتأرجح ليبيا اليوم أمام خريطة التطورات الراهنة بين سيناريوهين لا ثالث لهما:
سيناريو التسوية القسرية (إعادة تدوير الأزمة): أن تفلح الضغوط الدولية المكثفة في تقديم حوافز مالية وسياسية جديدة وشراء ولاءات قادة المجالس العسكرية الناشئة بغية دمجهم في الترتيبات الأمنية القادمة والمناورات المشتركة، وهو ما سيعني تأجيلاً آخر للانفجار القادم وليس حلاً حقيقياً لجذور الأزمة السياسية والاجتماعية. سيناريو الانهيار والعودة الشاملة للسلاح: وهو الأقرب للتحقق إذا ما أصرت السلطة التنفيذية في طرابلس على تجاهل الكيانات الميدانية ومواصلة رهن القرار الوطني للخارج، مما قد يدفع اتحاد المجالس العسكرية المشكّل حديثاً في الغرب الليبي إلى إغلاق خطوط الإمداد الحيوية أو الدخول في مواجهات عنيفة لفرض أمر واقع جديد يُنهي اللعبة السياسية الحالية برمتها ويقلب الطاولة على الجميع. فإن الحقيقة الحرجة التي تواجهها عواصم القرار الدولي اليوم هي أن الاستقرار المستورد في ليبيا قد انتهت صلاحيته التاريخية والأخلاقية. وبينما تستمر المفاوضات العقيمة والعبثية في الفنادق الفاخرة، وحيث أن هندسة المشهد الليبي الحقيقية تُصاغ حالياً في المعسكرات وببنادق المجالس العسكرية التي سئمت دور المراقب التابع، وقررت العودة لتكون هي الرقم الأصعب والفاعل الجذري في معادلة القوة والنفوذ، واضعةً السلطة الحاكمة حاليا أمام خيارين: إما الرحيل قبل فوات الأوان، أو انتظار كلمة الفصل من فوهات البنادق.
صوت الشعب صوت الحقيقة
